الموروث الشعبي هوية قبل أن يكون ذاكرة

الفنون الأدبية من شعر وسرد ونثر متأثرة ببعضها البعض كما أنها متناقلة بين الشعوب والحضارات، فلا توجد حضارة لم تتأثر آدابها بآداب حضارة أخرى، حيث يمثل الأدب جسورا تصل الشعوب ببعضها وترسم تاريخ الإنسان في تكاتفه وتآلفه بعيدا عن القطيعة الجغرافية أو السياسية وغيرها. “العرب” التقت الروائي والشاعر والباحث السعودي محمد عزيز العرفج في حوار حول تآلف الفنون الأدبية وتجربته الخاصة.
الأربعاء 2017/11/22
السينما ستساهم في نقلة نوعية

الرياض- محمد عزيز العرفج روائي وشاعر وباحث سعودي تتنوع اهتماماته الأدبية والثقافية، أثار العديد من القضايا الثقافية في المشهد السعودي، كتب كثيرا حول الشعر النبطي والشعر الحميني والشعر الحوراني، إضافة إلى اهتماماته بالموروث الشعبي والشعر الشعبي العربي.

وقد صدرت لمحمد عزيز العرفج رواية بعنوان “الدور الأعلى”، إضافة إلى كتب أخرى من بينها “ربان مباحث الفنون الشعبية في الخليج العربي” و”جذور الشعر النبطي” وكتاب “أحاسيس امرأة” والذي يرصد من خلاله البواكير الإبداعية لبعض الشاعرات. له أيضا مجموعة قصصية بعنوان “متاعب الأربعاء”، وديوان شعر نبطي بعنوان “الفصول”، أما أحدث أعماله فكان عبارة عن رواية للفتيان حملت عنوان “سقط اللوى”.

السرد والشعر

يتحدث العرفج لـ”العرب” عن جوانب من تجربته الإبداعية الخاصة ويسلط الضوء على زوايا من المشهد الثقافي السعودي، وكانت البداية بالحديث عن مسيرته في الكتابة الإبداعية بدءا من روايته الأولى “الدور الأعلى” وصولا إلى “سقط اللوى” آخر إصداراته، والأجواء السردية العربية التي تأثر بها عموما.

يقول العرفج عن ذلك “لا شك أن التجريب يكون بعد تجربة طويلة في القراءة، وبعيدا عن المدارس التقليدية. من يقرأ تجارب السرد العربي يأخذه الذهول من الظلم التي تعرضت له تلك السرديات في بلداننا العربية، أستطيع أن أصفها بكل حياد بأنها تمثل مدارس يجب أن يعاد النظر في إنتاجها من قبل النقاد، وقراءتها من جديد، مثل تجريب المغربي محمد زفزاف والليبي إبراهيم الكوني والتونسي محمود المسعدي والمصريان محمد البساطي وعبدالحكيم قاسم واللبنانية حنان الشيخ والفلسطيني غسان كنفاني واليمنيان زيد مطيع دماج ومحمد عبدالولي والسعودي عبدالعزيز مشري والعراقي فؤاد التكرلي وغيرهم”.

ويضيف “إن القارئ والتمعّن في إنتاج هذه المدارس يخلق صقلا لدى أي كاتب، وهو ما كان عليه بالغ الأثر في تجريب رواية ‘الدور الأعلى’، وكذلك الغوص في أعماق الطفل العربي عبر مجموعتي القصصية ‘متاعب الأربعاء’، وأخيرا روايتي للفتيان ‘سقط اللوى’، وستلاحظ أنها ابتعدت عن النمط التقليدي، وحاولت على الأقل أن تلحق بركب تلك التجارب”.

ويعرج الكاتب السعودي في حديثه لـ”العرب” على محطات من مسيرة الكتابة السردية السعودية، وتحديدا فترة الطفرة الروائية الشبابية التي عرفت حينها بتسونامي الرواية السعودية.

في المرحلة السعودية الجديدة سيزدهر الأدب وسيساهم الكتاب والمخرجون في نقل التجربة السردية الغنية إلى السينما والمسرح

وعن سبب توقف هذا الزخم الروائي يقول ضيفنا “لأن أغلب كتب الرواية إنما كتبها من سيرته الذاتية، ولهذا لا يمكن كتابة شيء بعد ذلك، ومشكلة الخلط بين الرواية والسيرة الذاتية موجود في العالم العربي بأسره، هناك خلط عجيب لا تجده خارج البلدان العربية. كتب المغربي محمد شكري قصصا ونقدا جميلا، ولكنه لم يكتب الرواية وإنما هي سيرته الذاتية في سردياته بدءا من ‘الخبز الحافي’ ومع هذا يصنّف روائيا، وكذلك ينطبق الشيء نفسه على العراقي صموئيل شمعون في ‘عراقي في باريس” والسعوديون مثل أحمد أبودهمان في ‘الحزام’ وسيرة عبدالله ثابت ‘الإرهابي 20” وعند طاهر الزهراني في ‘أطفال السبيل’ وهذا ربما ينطبق على السيرة الغيرية مثل ‘الرهينة’ عند اليمني زيد مطيع دماج و’الآن هنا’ لعبدالرحمن منيف و’قلب من بنقلان’ عند سيف الإسلام بن سعود، مع أن أغلب تلك السير المذكورة تعد عملا إبداعيا جميلا، وتجارب فريدة، ولا ينقص قدرها بنعتها بالسيرة”.

لمحمد العرفج الكثير من الكتابات حول المورث الشعبي، حيث تربطه علاقة حميمة بهذا المجال الكتابي، كشاعر شعبي ومهتم بجمع الحكاية الشعبية، وأخيرا ساردا قصصيا وروائيا، وعن أبرز الخلاصات التي خرج بها في هذا السياق يقول “تيقّنت أن الموروث الشعبي هو هوّية الشعوب قبل أن تكون ذاكرتها، وأن هناك تشابها في فنون تلك الشعوب من خلال عدّة عوامل منها المفردة الشعبية وموسيقى الصوت والأوزان وتشابه الهدف في الحكايات والخيال”.

وفي رده على سؤال حول أبرز ما خلص إليه من خلال مقارباته حول أنماط الشعر الغنائي في الجزيرة العربية على وجه التحديد، يقول العرفج “دعنا نستحضر تجربة الموسيقار عبدالرب إدريس في بحثه لرسالة الدكتوراه في مصر حول علاقة الشعر الشعبي التقليدي المتوافق عروضيا مع الشعر الفصيح، وشعر الموشّحات وكذلك المبيّتات الحمينية التي انبثق عنها فن شعري جميل هو فن الدان البحري، وقد استعرض إدريس أن سبب تولّد فن الدان الشعري كان من خلال علاقته بالموسيقى”.

تجربته إبداعية خاصة

ويتابع “لا بدّ من الإشارة إلى استفادة الشعراء في البلدان العربية من بعضهم، فمثلا استفاد شعراء الحاضرة العربية من الوزن على قافيتين من الشعر الحميني، وكذلك استفاد شعراء الزهيريات في العراق والكويت من المبيّت الرباعي والخماسي في الشعر الحميني اليمني، وكذلك إلى شمال أفريقيا، حيث وصل وزن الناقوس المحدث عن طريق الفينيقيين إلى أوروبا ومن ثم انتقل إلى العالم الجديد”.

مرحلة جديدة

عن موقفه من الضجة الأخيرة التي أثيرت في السعودية حول رواية الكاتبة بدرية البشر، يرى العرفج أن هذه الضجة من بقايا فترة الصحوة التي انتهت، بحسب تعبيره، بعد أن قامت كثيرا بانتشال الإبداع من على رفوف المكتبة السعودية وأبقت الغث.

وحول نظرته لواقع المشهد الثقافي السعودي اليوم، يبدو العرفج متفائلا وراضيا على حد قوله على الرغم “مما يلفّه من دخلاء على المشهد ويتسيّدون فيه سواء في رئاسة الأندية الأدبية، وهم لا ناقة لهم في الأدب ولا جمل، أو عبر الظهور الشعري والقصصي والروائي وبجميع مجالات الكتابة”.

ويسترسل قائلا “لعل من الكوارث المذكورة ‘قاموس الأدب السعودي’ الذي وضعت فيه أسماء لا ترتقي لأن يطلق على أحدها اسم ‘كاتب’، والأدهى والأمرّ أن تسطر لها صفحات، ويكتب عنها ما لم يكتبه مالك في الخمر، أضف إلى ذلك غثاء التسويق لطبقة الأرستقراطيين ومنهم الأكاديميين الذين يتصدرون المشهد للأسف، بالإضافة إلى تقنيات السوشل ميديا، وعدم حياد الكثير من الجوائز وغموضها، ولكن صدور رواية مثل ‘أبناء الأدهم’ للمبدع جبير المليحان في هذا الوقت، ونيلها جائزة وزارة الثقافة، يبعث الأمل في المستقبل”.

وفي الجانب المُشرق وبينما يبدو المجتمع السعودي على موعد مع مرحلة ثقافية جديدة تمثل عودة السينما والمسرح أحد جوانبها، يتحدث العرفج عن انعكاس تلك التحولات على المشهد الثقافي والأدبي برمته قائلا “بلا أدنى شك، أعمال السينما والمسرح ستساهم في نقلة نوعية للمثقفين والأدباء والمجتمع من خلال المرسل والرسالة والمستقبل لرسالة المرسل، سيزدهر الأدب وسيساهم الكتاب والمخرجون في نقل التجربة السردية قصصية كانت أم روائية إلى السينما والمسرح، وستستمر السرديات، سواء عبر السرديون أنفسهم أو عبر وجود عدد أكبر من السيناريستيين عما هو عليه الآن، وسيتم خلق فرص عمل أكبر وسيرتفع الذوق العام من خلال تلك الفنون المتلاحقة مع الآداب وسيعود الشعراء من عزلتهم.. وسينشط الأدباء الخاملون”.

15