الموريسكيون في المتخيل السردي

في بداية القرن السابع عشر أجبرت السلطات الأسبانية “الموريسكيين” (أحفاد الأندلسيين) على التخلي عن هويتهم، ثم طردتهم نهائيا خارج البلاد بذريعة أنهم يشكّلون تهديدا لأمن الدولة ونموها واستقرارها. وقد تكررت هذه الجريمة في القرن العشرين مع الشعب الفلسطيني على يد العصابات الصهيونية، وما دامت عجلة الاقتلاع تدور فإنها ربما ستطال في المستقبل شعوبا أخرى.
الجمعة 2015/10/09
الموريسكيون تعرضوا للظلم الشديد والبشع من قبل الأسبان

قضية الموريسكيين التراجيدية جرى تمثيلها سرديا في العديد من الروايات الغربية والعربية، بمنظورات ورؤى مختلفة، وتُعد رواية “دون كيخوته” الشهيرة لثربانتس الأقدم حتى الآن (صدر قسمها الأول سنة 1605)، تليها قصته “حديث الكلاب”، التي نشرت ضمن مجموعته “قصص نموذجية” سنة 1613.

ورغم أن ثربانتس جعل، ضمن لعبته الفنية، اللغة العربية هي اللغة الأصل في روايته، حينما نسبها إلى مؤلف عربي اسمه حامد بننجلي، وسعى بنفسه، وهو يتجول في الأسواق، إلى أن تترجم منها قبل أن تترجم إليها اليوم، رغم ذلك فإنه تحامل في العديد من فصولها على العرب، وشوّه صورة الموريسكيين، منساقا وراء منظور السلطة ومحاكم التفتيش آنذاك.

تحامل ثربانتس

في قصة “حديث الكلاب” يتحدث كلبان عن الموريسكيين وعاداتهم وطبائعهم، ويشبهانهم بالغجر الموجودين في أسبانيا بوصفهم أقلية منبوذة، كان شغلهم الوحيد هو جمع المال، وكانوا كثيري العمل وقليلي الأكل، الشح ميزتهم والتكاثر هدفهم. لا يملكون خدما ولا يشاركون في حرب، السرقة والنهب وسيلتهم ورياؤهم في اعتناقهم المسيحية نهجهم. وتعيد هذه القصة إلى الأذهان العديد من القصص في الأدب الصهيوني التي تشوّه صورة الفلسطينيين في أرضهم المحتلة.

من الروايات الحديثة التي تناولت هذه القضية “الموريسكي” للمغربي حسن أوريد، و“البيت الأندلسي” لواسيني الأعرج، و“الموريسكية” و“الأندلسية” للتونسي حسنين بن عمّو، و”أندلسيات.. أبواب المنفى” لعبدالجواد جوريو (باللغة الفرنسية)، و”آخر آهة الموريسكي” لسلمان رشدي، و”سلطانة” في ستة أجزاء للروائية البريطانية ليزا ج. ياردي، و”الموريسكي الأخير” للمصري صبحي موسى.

تكيّف رواية “الموريسكي” لحسن أوريد، المترجمة عن الفرنسية، سيرة الموريسكي أحمد شهاب الدّين أفوقاي الواردة في كتابه “ناصر الدين على القوم الكافرين”، الذي كتبه بعد فراره من الأندلس إلى المغرب خوفا على حياته من بطش محاكم التفتيش الكنسية.

أعمال تصور أحداث ووقائع مثيرة امتدت إبان حروب الاسترداد ومحاكم التفتيش والتطهير الديني

ويؤكد أوريد في مقدمته للطبعة العربية أن عمله هذا ليس حكيا لسيرة أفوقاي، ولا هو تأريخ الموريسكيين بالمعنى الدقيق للتاريخ، بل هو كتابة مأساة الإنسان المعاصر المرحّل بالقوة من هويته بصفة عامة، أو المثقف الأمازيغي الحامل لوعيه الشقي والذي يعيش ازدواجية ثقافية إحداها غالبة أقحم فيها بالقوة، والثانية مغلوبة ومرتبطة بهويته وبذاته الوجودية. ويشير أوريد إلى أنه أراد من الرواية التعبير عن قضايا راهنة؛ «فالموريسكي في نحو من الأنحاء هو “نحن” المرحّلون من ثقافتنا الأصلية».

رجع التاريخ

تدور أحداث رواية “البيت الأندلسي” لواسيني الأعرج حول بيت ورثه مراد باسطا عن جده الموريسكي أحمد بن خليل المسمى بالأسبانية غاليليو، وقد شيّده منذ قرون عدة، ليكون صورة طبق الأصل عن منزله في غرناطة، التي طُرِد منها أثناء تهجير الموريسكيين إلى الجزائر، ووفاء لحبيبته سلطانة. الرواية متخيل سردي عن هجرة الموريسكيين إلى الجزائر قبل خمسة قرون، تحمل رَجْع التاريخ وتقلّباته، وتوقظ أحقابا عدة، تمخّضت عن أحداث ووقائع مثيرة، وامتدت من حروب الاسترداد ومحاكم التفتيش والتطهير الديني، إلى مغامرات القراصنة ومجازفات البحّارة، وهيمنة المحتلين وأطماعهم واستبدادهم.

يتناول حسنين بن عمّو في الجزء الأول من روايته “الموريسكية” معاناة الموريسكيين المسلمين في فالنسيا، الذين جرى طردهم منها سنة 1609 من خلال بطلتها “خوانـّا”. أما في الجزء الثاني “الأندلسية” فتدور الأحداث عقب وصول “خوانـّا” إلى تونس في عهد عثمان داي، الذي استقبل المهجّرين الأندلسيين، والرعاية التي أحاطهم بها التونسيون. وتمتزج في الرواية الوقائع التاريخية بالأحداث المتخيلة.

كتابة مأساة الإنسان المعاصر المرحّل بالقوة

أبواب المنفى

تحكي الرواية التاريخية “أندلسيات.. أبواب المنفى”، لعبدالجواد جوريو، في خمس قصص، أحداثا خيالية، تستند إلى وقائع تاريخية، تدور خلال القرن السابع عشر، بعد طرد المورسكيين من الأندلس واستقرارهم في مدينة الرباط، وتمكنهم من الاندماج فيها بفضل براعتهم ومهاراتهم وحسهم السياسي والاقتصادي.

ويبرز جوريو في الرواية قضية الهوية، فعندما ترتهن بدائرة مغلقة تتسبب في كثير من الخسائر، وعندما ترتكز على التعدد والتنوع فإنها تصبح عاملا في التنمية والتفتح، مؤكدا أن الأسبان مارسوا بعد سقوط غرناطة هوية واحدة لا تعترف بالآخر، وهو ما جعل الموريسكيين مواطنين من الدرجة الثانية.

تقدم رواية “آخر آهة الموريسكي” لسلمان رشدي إيهاما حول كتابة جزء منها عن القارة الأوروبية وموريسكيي الأندلس، لكن صناعة الرواية، كما يقول الناقد سعيد علوش، تجعل من الأحداث سيركا للفرجة على جنون يعيد نفسه عبر التاريخ فنيا وسياسيا وعقائديا.

تبدأ الرواية، التي يحمل عنوانها نغمة رومانسية عن الماضي الجريح والحاضر المتأسي، بحكاية أسرية لعائلة “دي جاما” الذي يدّعي عودة أصوله إلى “فاسكو دي جاما”، وهي عائلة مسيحية تشتغل بتجارة التوابل، وتقيم في جزيرة كابرال، وتظهر الأحداث من خلال ذاكرة سارد موريسكي يُعد الوريث الذكوري للسلالة، إضافة إلى شخصيات طريفة تمتد من فرانسيسكو الأب الذي يموت غرقا إلى الأم الموريسكية الرائعة والمثيرة، وهي أورورا التي تسقط مشاريعها وفانتازياتها على لوحات تشكيلية تستلهم سوريالية وغرائبية الواقع.

الماضي والثورة

يستثمر صبحي موسى قضية الموريسكيين ليطرح في روايته "الموريسكي الأخير" أسئلة عن الماضي والثورة والهويات الضائعة. ويلعب على عدد من التقنيات التي تبرز رؤيته المتمثلة بأن الموريسكيين يعيشون منذ طردهم في متاهة حتى الآن، فتتداخل أحداث الماضي والحاضر، حيث تبدأ الرواية في ميدان التحرير، راصدة وقائع ثورة 25 يناير 2011.

ثم تنتقل إلى الأندلس عبر شخصية مراد رفيق حبيب وابنة عمته ناريمان وسعيهما لاسترداد وقف العائلة الذي خصصه جدهما الملتزم عطية الله لعائلة الموريسكي ورواق المغاربة في الجامع الأزهر. ويمتد هذا الخط ليتابع أحداث الثورة المصرية في ظل حكم المجلس العسكري وصولا إلى حكم الإخوان المسلمين لنجد أنفسنا أمام لحظة تتشابه مع التاريخ القديم.

14