الموريسكيون قصة الملاحقة والشتات

الاثنين 2017/05/15
غيض من فيض

القاهرة- للأندلس في الوجدان العربي الإسلامي مكانة مرموقة، حيث تمثل التاريخ الذي يحكي مآثر عديدة عن عظمة الحضارة الإسلامية. وفي كتابه بعنوان “الأندلس- تاريخ الشتات”، يحكي الباحث محمد الرزاز غيضا من فيض عن الأندلس وأيامها وإرثها الكبير.

يقول الناشر حول مبررات صدور هذا الكتاب، إن الكثيرين يبكون الأندلس دون أن يُلمّوا بحقيقة ما حدث، لذا كان لا بد من “الكشف عن أسرار سقوط الأندلس وتتبع خُطى الأندلسيين بعد السقوط”، وهو ما قام به الرزاز، الأكاديمي المتخصص في تاريخ الأندلس بجامعة غرناطة، حيث يقدم للقارئ العربي تاريخ الشتات الذي حدث، وكيف كانت الرحلة، ويجيب عن سؤال: هل بقي من الأندلسيين أحدٌ حتى اليوم؟

ويؤرخ الكتاب، الصادر عن دار الربيع العربي بالقاهرة، ذاكرة الشتات من خلال مجموعة من القصص التي تقتفي أثر الأندلسيين المهجَّرين وتحتفي بإرثهم الحضاري في حوض المتوسط.

يقول المؤلف “كانت الأندلس، وما زالت هنا وهناك، على الأرض وفي القصيدة، في شتات الذاكرة وفي ذاكرة الشتات، في زفرات العاشقين وآهات الغرقى وأشعار المتصوفين، في درس تاريخ ومخيلة صبي وحلم مهاجر، وفي صليل مفاتيح لبيوت ضاعت منذ مئات السنين”.

ويؤكد أن الأندلس مثلت صفحة مضيئة من تاريخ الحضارة الإسلامية والإنسانية بشكل عام قبل أن تتحول إلى مرادف مفقودة لأسباب منها انفراط عقد المسلمين، وانشغالهم بصراعاتهم الداخلية، وإهمالهم ركائز نهضة الأندلس التي كان قد أرساها الأمويون.

إلا أن مأساة الشتات التي أعقبت إقصاء مئات الآلاف من الموريسكيين في القرن السابع عشر للميلاد تنطوي على تفاصيل مهمة حول كيفية تأقلم تلك المجموعات مع واقعها الجديد في الشمال الأفريقي والمشرق، حيث ترك الموريسكيون بصمة هائلة في جميع الميادين من العمارة والعمران إلى الشعر والموسيقى.

ويستعرض الكتاب الذي يقع في 190 صفحة، تاريخ الأندلسيين وشتاتهم بعد سقوط مملكتهم الأخيرة بغرناطة في ‏عام 1492 للميلاد، حيث استمر الوجود الإسلامي محاصَرًا بعد السقوط وحتى بدايات القرن السابع عشر، الذي شهد ‏إقصاء نحو 350 ألفا من المسلمين الذين كانوا قد تحولوا قسرا إلى المسيحية تحت ضغط محاكم التفتيش، وعُرفوا ‏باسم “الموريسكيين” أو المسيحيين الجدد من أصل عربي أو بربري، وهو مصطلح فيه من الاستهزاء والاستهانة أكثر مما فيه من توصيف لحالتهم الاجتماعية.‏

ويسرد المؤلف تفاصيل الفصل الأخير في نهاية الوجود العربي الإسلامي في الأندلس، كما تجلت في طرد الموريسكيين، ويكشف أن لفظ “موريسكو” وجمعه “موريسكوس” في اللغة الإسبانية ظهر كصيغة استهزاء وتقليل من شأن أولئك “المسيحيين الجدد” من أصل “مورو”، وهو اللفظ الذي أطلقه الإسبان على المسلمين.

ويشير إلى معاناة الموريسكيين من الملاحقة والاضطهاد ومحاولات محو الهوية، واتهامهم بممارسة طقوس الإسلام سرا وبالفشل في الاندماج في المجتمع المسيحي، بل بالتآمر مع العثمانيين ضد إسبانيا، ثم تم طرد الموريسكيين نهائيًا من شبه جزيرة إيبيريا بين عامي 1609 و1614 بموجب مرسوم من الملك فيليب الثالث، حيث نزحوا صوب شمال أفريقيا والشرق الأوسط وغيرهما من المناطق.

وكان للمغرب العربي النصيب الأكبر من تلك الهجرات. ويرصد الكتاب مشاهد من العصر الذهبي للأندلس، فعلى مدار ما يقرب من ثمانية قرون تعاقب على حكم الأندلس العديد من الولاة والأمراء والملوك، حيث شهدت دولة الإسلام في الأندلس فترات من الازدهار صارت مضربًا للأمثال وأفرزت أجيالًا من المفكرين والفلاسفة والعلماء الذين أثروا الحضارة الإسلامية والإنسانية بشكل عام.

ويشير المؤلف إلى النهضة العلمية في ذلك الزمان والتي جسّدها أبوالقاسم الزهراوي وعباس بن فرناس وابن البيطار والزرقالي، والنهضة الإبداعية مع ابن زيدون وابن خفاجة وابن الخطيب، دون إغفال فلاسفة ومفكرين أمثال ابن رشد وابن باجة وابن طفيل، وحكام مستنيرين ورعاة للعصر الذهبي، وبينهم عبدالرحمن الأوسط والناصر والحكم الثاني والمعتمد بن عباد. ويرى أن سقوط غرناطة لم يكن سوى بداية محنة دامت أكثر من قرن، لكن ذلك لم يكن مشهد النهاية، لأن فصول المحنة لا تكتمل إلا بحلقة مفقودة هي مشهد الشتات.

ويؤكد أن تجربة الموريسكيين أثبتت أنه من المستحيل أن يؤمن إنسان بعقيدة تحت تهديد السيف أو تقارير الجواسيس المرفوعة إلى محاكم التفتيش، تم اللجوء إلى السيف والنار والتعذيب لكن “عين التاريخ ساهرة، وكلمته لا ترحم”.

15