"الموريسكي الأخير" رواية الذين نجوا رغم زوال البلاد

البداية الشعرية لكاتب مثل صبحي موسى ستصنفه كشاعر لفترة طويلة، لكن بالوصول إلى روايات مثل “رجل الثلاثاء” وأخيرا رواية “الموريسكي الأخير”، الصادرة حديثا عن “الدار المصرية اللبنانية” سيبدو كأنه وضع نقطة ليؤسس لسطر جديد في مسار روائي مصري يقتنص مراحل هامة من التاريخ وشائكة بقدر كاف.
الجمعة 2015/09/18
الموت أشرف من الحياة بلا دين ولا أهل ولا وطن

ما الذي يختلف في رواية “ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور عما قدمه صبحي موسى في روايته “الموريسكي الأخير”. ربما المرأة تكتب بمشاعرها والرجل يكتب بعقله. ورغم عدم انطباق هذه الجملة تماما، لأننا أمام مفكرة مثل رضوى عاشور تستعمل الوقائع والحقائق.

وأيضا نتحدث عن شاعر منطقه هو العاطفة، إلا أنه بقدر ما يكتب موسى من منطلق الأحداث التاريخية بصياغة عقلية للنص الأندلسي أكثر من الجانب الخيالي، أو المسار الإنساني للشخصيات، ربما تكون رضوى عاشور قد لعبت على مساحة الوقائع التاريخية أيضا لكنها عولت على مشاعرها كامرأة لبعض اللقطات الإنسانية، والنسج الحساس كالحوار الشخصي مثلا لابنة الشيخ التي اتهموها زورا بأنها تضاجع ثورا.

وقد تدارك موسى ذلك وركز على الجوانب الإنسانية في الجزء الثاني من العمل، بالإضافة إلى ذلك يركز موسى على فترة معينة وهي ثورة الأندلسيين أو الموريسكيين لمحاولتهم استعادة الأندلس، ويمزج ذلك بقيام الثورة الأخيرة في مصر.

بركان الأندلس

تمثل رواية “الموريسكي الأخير” قفزة في الصياغة الروائية بالنسبة إلى مؤلفها، بالإضافة إلى تخلصه من الغموض الذي كان يشوب أعماله الروائية السابقة. يقدم فكرة كبرى لمعاناة الذين أرادوا الاحتفاظ بأرضهم ودينهم وانتمائهم. والرواية كلها هي محاولة لاستعادة الأندلس. ربما يطمح القارئ إلى أن يستعيد الأندلس ولو ورقيا في خاتمة الرواية. يحمل النص بالتالي معلومات تاريخية وتفاصيل بذل الكاتب مجهوده الواضح في تضفيرها بسياق الرواية عن التاريخ السياسي وتطور الثورة والمعارك على أرض الأندلس.

الكاتب يركز على ثورة الموريسكيين لمحاولتهم استعادة الأندلس ويمزج ذلك بقيام الثورة الأخيرة في مصر

“كان يعلم أنه يقود أمة تسير على فوهة بركان سينفجر في أي لحظة”. فالرواية تبحث في غمار المحاولة الدائمة للحفاظ على الذات رغم كل ما يطرأ من أحداث ومحاكم تفتيش. والنجاة بالذات حين يسقط الحكام والنظم تبدو نجاة جزئية محكومة بمصالح يدفع ثمنها الناس. ومع ذلك يمكننا احتساب الانتصار لصالح الذين يموتون بالآلاف في المعركة المحسومة بقوة وأسلحة ملوك أوروبا، فنجد أمير الثوار ابن عبو وهو مهزوم ومحاصر ويرفض الاستسلام، يقول “الموت أشرف من الحياة بلا دين ولا أهل ولا وطن، الموت أشرف من كأس الذل التي يريدوننا أن نتجرعها حتى النهاية”.

ما الطقوس التي يمكن لكاتب أن يكتب فيها هذا العمل، ليعبر بشكل تفصيلي عن الوجع الذي يتعرض له أبطاله، فيكتب صبحي موسى كما لو أنه هو الذي ضرب بحديدة “كان الحارس قد نزل بهراوته إلى كتفي، شعرت أن كرة الحديد اخترقت ملابسي ولحمي وهشمت عظامي، فلم أستطع أن أفتح فمي، وكلما فتحته اشتدت علي أضلعي، فصرت أبكي غير قادر على إخراج صوت للبكاء. أئن في صمت وأمشي في صمت، وروحي تنسحب مني في صمت أكبر”.

يمتزج الخيال مع الواقع وتلعب الفانتازيا دورها في المحور الثاني من رواية “الموريسكي الأخير” وهو محور الحدوتة المعاصرة التي يشبهها المؤلف بما حدث في الأندلس من ثورة، بطرحه للثورة المصرية وتداعيتها. تكون الفانتازيا شريكا أساسيا للحفيد الموريسكي الأخير الذي يقيم في مصر في تلك الأجواء، جدته والخادمة والقطط التي تحمل أرواح الراحلين، العـلاقات المثيرة للدهشة كعلاقته بطبيب جدته وبرجل الأمن، واختفاء هذه الشخصيات وظهورها في إطار من التشكك في وجودها أصلا، بالإضافة إلى تركيبة الحدوتة التي تقوم على أسطورة العائلة الموريسكية التي تحفظ ميراثها وتورثه لبعضها البعض.

النجاة بالذات حين يسقط الحكام

لا تخلو الرواية من بعض التأثر، فتبدو فكرة العين الراعية التي تحمي هذه العائلة الموريسكية كأنها لقطة أجنبية. كما أن الرواية لا تأتي بعلاقة جديدة بين راشيل ابنة عم البطل التي يكتشف وجودها، ويراسلها، وفي تطور معتاد ومكرر يؤهلنا الكاتب إلى توقع أن راشيل ستخونه، بكلامه عن عملها لدى وكالة إخبارية تفتتح مكتبا في مصر وتختار البطل مراد أن يكون مراسلها. وهي فكرة وعلاقة تقليديتان، ربما احتجنا من الكاتب أن يستثمرهما بشكل أكثر إدهاشا.

في المقابل يفاجئنا صبحي موسى بتحول عجيب وغير منطقي أجراه على شخصية رجل الأمن، فبعد أن كان مزروعا ليكشف عن أسرار مراد والموريسكيين الباقين في مصر يتحول إلى صديق يرثو معه ما حدث للثورة المصرية.

طرق للنجاة

يمكننا أن نقابل نهايتين في هذه الرواية التي تقوم على محورين. ففي حدوتة ثورة الموريسكيين في الأندلس لحماية هويتهم، يحاول البطل ممارسة الادعاء بأنه من أنصار الكنيسة وفي الباطن يحمي كل الموريسكيين الآخرين، لكنه يعلن عن نفسه في النهاية، عما بداخله ويقرأ القرآن في الطريق أمام البيت، ويبدو منتصرا، رغم فشل الثورة وضياع الأندلس وموت عائلته وترحيله هو شخصيا من المدينة، لكنه كان يخوض بداية جديدة في أرض جديدة محتفظا بذاته.

النهاية الثانية لا تبدو أنها على قدم المساواة مع النهاية الجميلة السابقة، لأنها قائمة على مقارنة لا تبدو متوافقة، يبدي من خلالها صبحي موسى أن الثورة المصرية هي الأخرى في 25 يناير لم تحقق نجاحها بعد أول انتخابات لها. يمكن للكاتب أن يجد تشابهات بين الحالتين التاريخيتين، لكن يمكن القول أيضا إنه يقارن بين أمة ضاعت إلى الأبد وبين بلد يثور ويتعثر ولايزال أمامه أن يقتنص الأمل، كما أفاق مراد في نهاية الرواية وقد تسلم عمادة أسرته الموريسكية وأصبح مسؤولا عنها، واختار الذهاب إلى مؤتمر الموريسكيين للبحث عن حقوقهم.

يبقى تساؤل عن فكرة وجود موريسكي حالي أصلا بعد كل تلك السنوات التي اندمج فيها سكان الأندلس واختلط المهاجرون بأبناء البلاد الأخرى. لتبقى من كل حواديت التاريخ البعيد أساطير كبرى عن الذين احتفظوا بأنفسهم داخل قلوبهم.

14