"الموسم" مهرجان قبائل الصحراء في طانطان المغربية

في الصحراء لا توجد بنيان ولا فنادق ولا مطاعم فاخرة أو مسارح، صحيح هي صحراء قاحلة، لكنها غنية بالحكايا والأغاني والأهازيج والرقصات، وسكانها يحفظون في ذاكرتهم نمط حياة وتراثا لا ماديا يميزهم عن الحضر، ولهذا تعمل الحكومات على الحفاظ على هذا التراث الذي يعدّ هوية الشعوب الصحراوية من المحيط إلى الخليج؛ فالمغرب ينظم سنويا مهرجانا للصحراويين تلتقي فيه القبائل من الخليج وأفريقيا للمشاركة في مسابقات الهجن وفعاليات ثقافية متنوعة تأتي في مقدمتها الموسيقى الصحراوية.
الخميس 2016/04/28
فانتازيا الأمازيغ تفتتح لقاء القبائل

طانطان (المغرب) - بين كثبان الرمال في الصحراء المغربية، نصبت القبائل خيامها وسط ساحة فسيحة، واستقدمت كل واحدة قطيعها من الإبل، وارتدى أهلها أبهى الحلل للاحتفاء بموسم سنوي في مهرجان يجمع كل قبائل الصحراء (جنوب المغرب) على أطراف مدينة طانطان المغربية (وسط) التي يحمل الموسم اسمها.

المناسبة تحدث مرة واحدة كل عام، وقتها يكون هناك مشهد خاص ومميز يمكن رؤيته في طانطان، وهو قدوم جميع القبائل البدوية التي تعيش في الصحراء الكبرى للمشاركة في مهرجان “الموسم” لتقيم داخل مدينة هائلة من الخيام.

منذ أن انبلج الفجر ظل عبدالله جالسا يشرب الشاي، بينما كانت الريح تهب بشدة ودون توقف ضاربة خيمته البدوية التي كانت بمثابة عازل يحميه من قسوة الصحراء الكبرى الشاسعة، ولقد قطعت قافلة الجمال التي يقودها مسافات طويلة من جبال أطلس، لكي يقوم بعمليات تجارية في طانطان وهي مدينة صحراوية تقع في جنوبي المغرب.

يعيد عبدالله ترتيب جلبابه ويأخذ رشفة أخرى من كوب الشاي وهو يفكر كيف يمكن أن يحصل على مبلغ يصل إلى 800 يورو (908 دولارات) مقابل بيع جمله الصغير، يقول “على الذين يريدون أن يفهموا البدو وأنشطتهم التجارية أن يستقطعوا جزءا من وقتهم لتناول كوب من الشاي”.

يمكن رؤية 800 خيمة مقامة في الجهة الغربية من طانطان وهي تومض متلألئة عن بعد، وقد قطع أصحاب هذه الخيام مسافات طويلة قادمين من أنحاء المغرب والجزائر وبوركينا فاسو ومالي وموريشيوس والنيجر والسعودية.

وتشارك أبوظبي في المهرجان بشكل دوري حيث تضم الخيمة الإماراتية بيئة مصغرة من الفلكلور والصناعات التراثية.

تدعم اليونسكو مهرجان “الموسم” حيث تأمل أن يساعد البدو على الحفاظ على تراثهم الثقافي المهدّد بأن يذهب في طي النسيان.

الأطفال يتجمعون ليلعبوا ألعابا تقليدية شعبية منها لعبة (أردوخ) وهي شبيهة بالمصارعة، ولعبة (الكبيبة) التي تعتمد على كرة من وبر الماعز أو صوف الغنم

وعندما تبدأ فعاليات المهرجان يتحوّل الميدان الرحب الكائن وسط المخيم الصحراوي إلى ساحة تأوي مختلف الأنشطة، فترى البربر وهم يمتطون الخيول ويقفون في صف يضم عشرة فرسان تتقارب خيولهم، ثم ينطلقون مندفعين إلى الأمام بينما ترتفع من حناجرهم صيحات الحرب المخيفة قبل إطلاق الرصاص من أسلحتهم باتجاه الأرض في دفعات من الطلقات تصمّ الآذان.

ويطلق على رقصات النزال والمبارزة التي تظهر أساليب البربر التراثية في الحرب اسم “فانتازيا”، وتسمى أيضا الخيالة والتّبُوريدَة وأصحاب البارود، وهي عروض فروسية تمارس في بلدان شمال أفريقيا، في مختلف مناطقها؛ العربية والأمازيغية والصحراوية.وتدور فعاليات مهرجان “الموسم” بالقرب من ضريح الشيخ محمد لغضف، الذي يعدّ من الأولياء الصالحين ومن أبطال الصحراء حيث قاتل من أجل استقلال المغرب عن فرنسا وأسبانيا، وقد توفي عام 1960، والبدو المغاربة يبجلون الشيخ لأنه قاتل في سبيل الحرية.

ويقول أهل المنطقة إن هذا الموسم يعود تاريخه إلى المئات من السنين، حيث كانت مختلف قبائل الصحراء تتجمع في موسم سنوي تلتقي خلاله، فتزدهر فيه تجارة قوافلها، ويتشاور خلاله أعيانها.

و تقول الروايات التاريخية إن أهل القبائل كانوا يقيمون أثناء موسم تجمعهم احتفالات كسباق الهجن، ويتداولون في أمور العلم، ويتسامرون في أمسيات ينظمون فيها الأشعار بلغة الحسانية (لغة أهل الصحراء) وأخرى بالعربية الفصيحة لإتقانهم البارع لها.

وفي الأعوام التالية تحولت طانطان إلى موقع ديني، وأخذ البدو الرحل يأتون إلى ضريح الشيخ لغضف لينشدوا ويلعبوا ويرووا الحكايات ويبيعوا ويشتروا الإبل.

غير أن احتجاجات “المسيرة الخضراء” التي اندلعت عام 1975 أوقفت المهرجان فجأة، فقد قام 350 ألف مغربي بمسيرة انطلقت من طانطان ليتجهوا إلى أراضي إقليم الصحراء لمطالبة أسبانيا التي كانت تحتل أراضي الإقليم بتسليم هذه الأراضي إلى المغرب. ورحلت أسبانيا ولكن الصراع استمر حتى يومنا هذا، ولا يزال النزاع يدور حولها.

"نزل" الصحراء

وبمساعدة من اليونسكو تم إحياء مهرجان الموسم عام 2004 بعد توقف استمرّ نحو ثلاثة عقود، لتقام فعالياته خلال شهر مايو أو يونيو من كل عام.

وعلى امتداد الساحة التي تغص بالخيام، والتي يقول أهل المنطقة إنها الموطن القديم لتجمع القبائل، تحمل كل خيمة اسم قبيلة، فلا يزال الشعور بالانتماء القبلي حاضرا بقوة بين أبناء مدن الصحراء، ولا تزال القبيلة وشيوخها يلعبون دورا اجتماعيا قويا في المنطقة.

يقول إبراهيم المقيم في طانطان ويبلغ من العمر 29 عاما إن “مهرجان الموسم الآن صار فعالية تقام تحت رعاية ملك المغرب، ويتم التعبير فيه عن الموروث الثقافي”، ويمكن سماع مثل هذه التعليقات بشكل متكرر أثناء المهرجان.

ويضيف إبراهيم الذي يحاول الآن أن يكسب لقمة عيشه عن طريق بيع السكاكين، “إن الموسم يشبه وجبة شهية يمكن أن تشمّ رائحتها ولكن لا يستطيع أحد أن يأكلها”. وتستعرض البعض من الخيام بساحة تجمع القبائل طقوسا خاصة بأهل الصحراء، كمواكب الأعراس والبعض من الصناعات التقليدية التي تجتهد النسوة في إبداعها تحت ظلال الخيام التي تنسجها بنفسها من وبر الجمل. أما الأطفال فيتجمعون في ساحات أخرى يلعبون ألعابا تقليدية شعبية منها لعبة “أردوخ” وهي شبيهة بالعراك أو المصارعة يؤدّيها الأطفال وهم يرددون الأغاني من الموروث الحساني، ويمارسون لعبة “الكبيبة” التي تعتمد على كرة يصنعها الأولاد من وبر الماعز أو صوف الغنم، ويتراشقون بها في ما بينهم محاولين أن لا تسقط من يد أحدهم وإلا تعرض لعقاب المجموعة. ويستلهم موسم طانطان من موروث الصحراء تاريخه وأصالة فنونه وتقاليده، فيقوم عدد من فرق الموسيقى الحسانية بأداء عروض على وقع دقات الطبول والبنادير (البندير آلة إيقاعية شبيهة بالدف)، تردد خلالها النساء كما الرجال قصائد من الشعر الحساني تتنوع مواضيعها، ويرقصن على وقعها وهن يرتدين الملحفة (زي صحراوي خاص بنساء هذه المناطق) وقد تزينّ بحلي أغلبها من الفضة الخالصة المنتشرة في المنطقة.

ويفسح الموسم ساحاته لعروض تقدمها فرق موسيقية فلكلورية تأتي من عدد من المدن المتاخمة للصحراء خاصة تلك التي تعبر عن التراث الشفهي والموسيقي الأمازيغية، فعلى ما تقص الرواية التاريخية فبين القبائل الأمازيغية وجاراتها الصحراوية نقاط تلاق وترابط تبدو شاخصة في التراث الموسيقى والشعري بل حتى في بعض أنماط الأزياء.

يقول عبدالله تاجر الجمال وهو يجلس متربعا وأمامه صينية فضية إن “تناول الشاي بشكل جماعي هو روح الثقافة المغربية والبدو”. ويصب عبدالله الشاي من غلاية داخل الأكواب ثم يعيده مرة أخرى ببطء إلى داخل الغلاية، ثم يكرر هذه العملية عدة مرات بدرجة أكثر بطئا، وحده عبدالله الذي يعلم كم عدد المرات التي أعد فيها الشاي للضيوف.

لقاء تزدهر فيه تجارة القوافل منذ مئات السنين

ويوضح أن هناك ثلاثة أشياء يحتاجها المرء من أجل الاستمتاع باحتفالية، وهي الحديث الشيق والنار المتوهجة والبعض من الحكايات أو قصائد الشعر.

ويؤكد أن الشاي له جذور عميقة في وجدان البدو وثقافتهم الشعبية، مشيرا إلى أن “البعض من القبائل واصلت الحرب في ما بينها لمدة 40 عاما، ثم توصلت إلى السلام حول أكواب من الشاي”.

وتمتلئ الخيمة بالرجال تدريجيا، ويقدم كل فرد التحية للآخرين واحدا واحدا، ولكن ليس من أصول الأدب والتهذيب أن يدخل أي فرد إلي الخيمة ليلقي السلام بطريقة جماعية على الحاضرين.

وتخفت أصوات الحاضرين وإن كانت تشوبها البهجة والمرح، وينتهي الأمر بجلوس كل فرد متربعا حول الصينية الفضية منتظرا بصبر إلى أن يملأ آخر كوب بالشاي، حتى يتشارك الجميع في الشرب في نفس التوقيت.

ويقول عبدالله إنه يريد أن يرى مزيدا من شباب البدو في المكان، لكنه يعلم أن تحقيق هذه الرغبة يتطلب حل مشكلات كثيرة مثل توفر أراض للرعي وإمكانية الحصول على المياه والتعليم، وهي متطلبات يصفها بأنها بسيطة.

ومع غروب الشمس تتخذ رمال الصحراء ألوانا عدة، فتتحول إلى الأصفر الباهت فالزعفراني الأحمر ثم إلى لون التمر البني ثم الأصفر كالكسكسي، عندئذ تصير الخيمة خالية من المحتفلين. وعندما يرحل الجميع لا يبقى داخل الخيمة سوى عبدالله، الذي يظل جاثيا أمام غلاية الشاي والأكواب الزجاجية، منصتا للأصوات القادمة من ناحية جوقة الإبل.

20