الموسوعات

السبت 2016/04/23

في سنة 1751، أقدمَ ديني ديدرو على إصدار أول موسوعة بمفهومها الحديث، بعنوان “الموسوعة أو القاموس المُعقلَن للفنون والعلوم والمهن”. وكان ديدرو قد كلف ما يناهز مئتي مساعد لإعداد مواد الموسوعة. وفي جميع الأحوال، شكل صدورُ موسوعة ديدرو حدثا هاما في سياق معركة التنوير التي كانت تعيشها فرنسا. ولذلك، كان عاديا أن يتطلب الحصولُ على ترخيص ملكي لطبع الموسوعة وقتا طويلا، وأن تتعرض الموسوعة، بعد صدور جزئها الثاني، للمنع، قبل أن تتدخل جهاتٌ نافذة لصالح استئناف صدورها.

والحقيقة أن الاهتمام بالموسوعات كان سابقا على ظهور هذين العملين، حيث أن هذا الاهتمام أشبه بكرة الثلج التي تكبر مع توالي التاريخ وإسهامات مختلف الحضارات من الإغريقية والرومانية منها إلى الإسلامية والعربية إلى الحضارات الشرقية وغيرها.

وتبدو، في هذا الإطار، إسهاماتُ الثقافة العربية والإسلامية واضحة. ومن ذلك “العقد الفريد” لابن عبدربه الأندلسي، و”إحصاء العلوم” للفارابي، الذي ترجمه جيراردو الكريموني إلى اللاتينية، و”مفاتيح العلوم” للخوارزمي، كما تندرج في نفس الإطار معاجمُ المعاني، ولعل من أهمها كتاب “المخصص” لابن سيده.

وبشكل عام، ومع توالي التجارب، سيصيرُ العمل الموسوعي مرتبطا بمؤسسات نشر كبرى، اعتبارا للإمكانيات المعرفية والتقنية التي يتطلبها. موسوعة البريتانيكا، خير نموذج عن ذلك، فهذه الموسوعة، التي أقفلتْ مئتين وثمان وأربعين سنة من عمرها، تمثل أقدم موسوعة تستمر في الصدور. ولعلها الأضخم أيضا من حيث المواد، حيث يتجاوز عدد مقالاتها الثمانين ألفا، بمساهمة ستة آلاف كاتب.

في سنة 2012، سيعلن ناشر موسوعة البريتانيكا عن توقيف النسخة الورقية والاكتفاء بالنسخة الإلكترونية. وبفضل عمرها الطويل، تعكس البريتانيكا تحولات مجتمعها وأفكاره. في عددها الأول، كانت تتم الإحالة على موضوع “الرجل”، حينما يُراد تناول موضوع “المرأة”.

وفي طبعتها الحادية عشرة، تم السكوت عن التعريف بماري كوري، الحاصلة على جائزة نوبل للفيزياء لسنة 1903 وجائزة نوبل للكيمياء لسنة 1911، وتم الاكتفاء بالإشارة إليها ضمن المقال الخاص بالتعريف بزوجها بيير كوري.

وفي سنة 2001، تم إطلاق موسوعة ويكيبيديا الإكترونية، ليشكل ذلك منعطفا على مستوى طبيعة الموسوعات وطريقة إعدادها وتلقيها وتداولها، حيث صار قراءُ النيت مساهمين أساسيين في تحرير الموسوعة، بدل جيوش الكتاب الذين يتم اعتمادهم في إعداد الموسوعات الورقية الكبرى.

وبذلك، تكون الموسوعات، سواء الورقية منها أو الإلكترونية، أشبه بترمومتر لقياس تطور المعرفة الإنسانية عبر مختلف حقبها وتوزيعاتها الجغرافية.

كاتب من المغرب

17