الموسيقار العراقي سالم عبد الكريم حارس أوركسترا العود

الأحد 2014/01/26
العرب لم يخرجوا من إطار "الحفلة" إلى قيم الكونسيرت

في طفولته، تنبّه سالم عبد الكريم إلى أن الجانب الأهم في الموسيقي هي الفكرة الجميلة التي تجيد التحليق في فضاء الخيال ولا يربطها سوى جسر شفيف من الإبداع بالواقع الذي يشدها إليه. وهكذا هو شأن العمل بالموسيقى؛ روح تحلق في ملكوت صاحبها وجسد يطرح أنغاما للسامعين.

وحين بدأت دلالات الإحساس بالقدرة على التأليف الموسيقي بالظهور لديه، في وقت مبكر جدا، وحتى قبل فترة طويلة من بداية دراسته للموسيقى، كان العود قد نجح في التسلل إلى دقائق حياته؛ فصار لسانه الذي يتحدث به ويعبر من خلاله عن مشاعره وأحاسيسه، حتى وقّع معه شراكة وجدانية ومكانية مدى الحياة، شراكه لا تحدها شروط أو مواثيق ورقية.. لهذا فهو متواجد حيث هو عوده وهو غائب حيث يحضر عوده وهو صامت حيث ينطق عوده بالنيابة عنه.

يتنقل الموسيقار العراقي عبر شغفه بالموسيقى بجميع صورها، من التأليف الموسيقي الآلي والصوتي والمنفرد، مرورا بقيادة الأوركسترا، وصولا إلى الجانب الأكاديمي والتعليمي عبر سلسلة من المؤلفات والأبحاث والحلقات النقاشية المتخصصة.

يعدّ سالم عبد الكريم من أهم مؤدي العود في الوطن العربي. أما أسلوبه الفريد في التأليف الموسيقي، فقد اعتمد على آداء متقدم مستند على فهم عميق لكينونة العود، الأمر الذي دفعه للتفكير بصياغة دراسات متخصصة تبرز ملامح وخصائص وجماليات الأداء عليه. وهو يؤمن بأن العود لم يلق الاهتمام الذي يستحقه باعتباره واحدا من أعرق الآلات الموسيقية المعروفة في العالم منذ بدايات ظهوره – حوالي 2350 قبل الميلاد- وحتى يومنا هذا. ومن هذا المنطلق، كثف دراساته فدوّن إرثا جماليا فريدا. كما عمل بجهد كبير على ابتكار وتثبيت صيغة وقالب تأليفي جديد في الموسيقى العربية أسماه “القصيد الآلي”، حيث سعى لتقديم تعبير درامي بواسطة آلة العود ضمن بناء خاص جديد تماما على الموسيقى العربية والشرق أوسطية. وللمرة الأولى في تاريخ العود، انطلق لتأسيس “أوركسترا العود” في بغداد العام 1992، حيث كان يشغل منصب عميد معهد الدراسات النغمية العراقي.. واعتمد نطاق عمل الفرقة – في حينها- على التراث الموسيقي العراقي والعربي والعالمي أيضا متبنيا أسلوبا حديثا وعمليا في الوقت ذاته. وكان يرى في هذه الأوركسترا تطورا تاريخيا طبيعيا وخطوة متقدمة في تاريخ العود.

في خضم اشتغاله على هذه المفاهيم، يؤمن سالم بأن الموسيقى هدف وليست غاية..

وهذا الأمر يتعارض بعض الشيء مع مفهوم الإبداع بالنسبة إلى بعض المشتغلين في الحقل الموسيقي، الذين يجدون بأن أقصى غاياتهم تكمن في الإبداع في حد ذاته. وفي حديثه لـ “العرب” يقول: “إن الإبداع مفهوم عميق وكبير وأنا أفهم أن الموسيقى واحدة من أهم الأسس لبناء مجتمع راق متحضر، فكيف لها أن تقوم بذلك إذا كان هدفها غير مرئي أو غير محدد؟ ثم من قال إن الوصول إلى الغاية (كمفهوم) لا يحمل في طياته إبداعا عظيما. أنا أؤمن بأن الموسيقى والفن عموما هما وسيلة وليسا غاية بحد ذاتها، وقيمة كل شيء هو ما يحمله من حسّ إنساني وما يوفره من دعم لقيم الحق والجمال والحضارة”.. وهو حين يتحدث عن علاقته بالموسيقى والعود، فإنه يرفض وجود أية مسافة روحية تفصله عنهما، فيقول: ” منذ سنوات وأنا أؤمن أن العود والموسيقى هما لساني الذي أنطق به، فأنا أعبّر بهما بدقة أكبر بكثير من الكلام العادي”.

سالم يؤمن بأن الموسيقى هدف وليست غاية..

يعتقد البعض بأن الموسيقى لا يمكنها وحدها أن تعبر عن ثورات الإحساس.. إذ ينقصها جسر من الكلمات، لتصل إلى مرساها بسلام. أما الموسيقى الحقة – كما يراها سالم- فهي أبلغ من الخطب لأنها لا تحتاج إلى ترجمان. “ولكن ليس كل من تعامل بالموسيقى يستطيع التعبير بها، كما أن الموسيقى تفقد الكثير عندما تتحدد بالكلمات.. لأنها كائن غير مقيد بمساحات أو حواجز بينما الكلمات يحدها العديد من القيود. ومع ذلك فإن اللقاء المحترف بين الموسيقى والشعر يحمل في طياته الكثير من الجمال والتأثير”.

في إطار متواز، استخدم عبد الكريم فكره الرياضي المنطقي، فعمل بدأب على تطوير مفاهيم لم تكن معروفة عن آلة العود؛ مثل اللون الصوتي والمدى الصوتي والشدة الصوتية، كما طوّر مهارات استخدام المضراب –الريشة- حتى وصل بها إلى سرعة غير مسبوقة في الأداء. لذلك، تنبه إلى أن تخصصه الأكاديمي في الرياضيات لم يكن محظ صدفة، إذ أن الموسيقى – من وجهة نظره- ترتبط عموما بالرياضيات ارتباطا وثيقا، وهو يرى بأن الموسيقى هي رياضيات مع مشاعر بينما الرياضيات هي موسيقى من دون مشاعر، وعلى هذا النحو كان أبرز العاملين في الحقل الموسيقي في الزمن الماضي متخصصين في علم الرياضيات، في إشارة إلى أسماء معروفة مثل (الكندي ) و(الفارابي) و(إخوان الصفا) وغيرهم. وهكذا، فالموسيقى علم يقوم على قواعد رياضية دقيقة.

لكن، على الرغم من ثراء الإرث الموسيقي العربي، فإن الموسيقى العربية لم تثبت خطواتها بعد في مجال الانتشار عالميا بسبب جملة من الأسباب. “فموسيقانا العربية الشرق أوسطية عموما لم يتح لها الفرصة كي تمارس دورها الحضاري، بسبب انعدام الدعم الحضاري الحقيقي وعدم الاستقرار الذي تعيشه المنطقة العربية منذ عقود، إضافة إلى تصدّر السياسة والرياضة المشهد اليومي”.

ويضيف سالم عبد الكريم: “العرب في ثقافتهم الموسيقية لم يخرجوا من إطار (الحفلة) إلى قيم (الكونسيرت)، كما أن مفهوم الطرب استخدم واستغل بطريقة متخلّفة وغير صحيحة ما أسهم بشكل كبير في تدهور المستوى الذوقي لشرائح كبيرة من الجمهور؛ فأغلب العرب لايزالون يتعاملون مع الموسيقى بمنطق (السمع) وليس (الاستماع) علما بأن السمع حاسة طبيعية، بينما الاستماع ذائقة تحتاج إلى تربية ومران وتطوير.. وللاستماع – أيضا- طقوس ومستلزمات”.

قد يحدث في بعض الحالات أن يكون الجمهور ذواقا ومنصتا جيدا، ولهذا ينجح الموسيقي في أن ” يتفاعل مع الجمهور ويحلق معه في آفاق السمو والرقي الروحي والحضاري، وبذلك تصبح تجربة حضور الكونسيرت تجربة روحية عظيمة تثري المشاعر وترقّي الأحاسيس".

أما اليوم، فالصورة ما زالت قاتمة في بعض الدول العربية والإسلامية، حيث لا يسمح التطرف بالغناء والعزف على الآلات الموسيقية ويسمح فقط بضرب الطبول استعدادا لحروب جديدة، فهل هنالك سبيل لإعادة الناس إلى مقاعدهم والاستمتاع بالموسيقى؟

يرى سالم هذه الصورة القاتمة من خلال زاوية محددة، فهو يعتقد بأن السبب يكمن في الممارسات التي صاحبت الموسيقى في بعض المجتمعات الشرقية والتي أدت إلى تحريمها.. حتى أن أغلب فتاوى الفقهاء على مر العصور كانت تنحصر في محاكمة الموسيقى بجريرة الممارسات المصاحبة لها، وهذا واقع؛ إذ أن العديد من الممارسات التي صاحبت (وما زالت تصاحب) الموسيقى آذت الموسيقى كقيمة ومفهوم، ربما أكثر بكثير من تلك الفتاوى. ويضيف: “ينبغي بذل جهود كبيرة لتقديم نوعيات من الموسيقى الحقة أولا، ومن ثمة سيجلس الناس في مقاعدهم مستمتعين، بل سنواجه مشكله قلّة المقاعد المتاحة أمام حجم الجمهور الراغب بالحضور!”.

16