الموسيقى البصرية في حروفيات منير الشعراني

ما يميّز أعمال الفنان الخطاط السوري منير الشعراني، ومنذ خطوته الأولى في حقل الإبداع الخصب، اشتغاله على الجانب المضيء في الحرف العربي، من حيث الشكل والمضمون، سواء من جهة التصاميم الحروفيّة الجديدة والمبتكرة، أو من جهة العبارات المنتقاة برويّة من حيث عنايتها بالإنسان والعدالة والحريّة.
الأربعاء 2016/01/27
النقطة الحمراء تخلق الموسيقى

يعمل الفنان السوري منير الشعراني في لوحاته على إحياء العلاقة الحميمية ما بين جماليّات الخط العربي والكلمة المعبّرة عن الوجود والعدم، وهي الاستراتيجيّة الوحيدة التي ينتهجها الفنان في جل أعمالهِ، فنجده يختار من الشِعر العربي القديم والحديث في الآن معا مقاطع مؤثرة وعميقة، ولا سيما لشعراء من مثل امرئ القيس وقيس بن الملوّح والفرزدق وبشار بن برد، إلى جانب إيليا أبي ماضي وأحمد شوقي وصولا إلى نزار قبّاني ومحمود درويش ووليد خازندار.

إضافة إلى عبارات شذريّة منتقاة من التراث النثري العربيّ والإسلاميّ، وتحديدا الصوفيّ منه، لمتصوّفة من أمثال ابن عربي، وأخرى لأبي حيّان التوحيدي والنفري والإمام علي بن أبي طالب، عدا عن آيات من الكتب المقدسة، كما يؤلف الشعراني أحيانا عباراته بنفسه، تشترك كلّها في دلالاتها الإنسانيّة، هذا من حيث المضمون.

أمّا من حيث الشكل، فنجد تداخلا لافتا في تصاميم الشعراني ما بين أشياء الطبيعة وألفتها وحركة الحروف وجماليّاتها، فتظهر عبارة “إنّي ممّا يأمن القلب خائف” لابن عربي وقد تحوّلت إلى حلقة رقصٍ كرنفاليّة، فيما عبارة “لا تسمع الأذنان إلا من القلب” لبشّار بن برد تأتي أشبه بحقلٍ من الذرة أو حزمة سنابل تميل بهدوء خلاب، كأنما ثمّة ريح خفيفة تداعبها أو بفعل النسيم.

ثمّة عمل آخر يشبه لعبة المتاهة يتكئ فيه الشعراني على مقولة “ونعيم قوم في القيود بلاء”، بينما عبارة وليد خازندار “التيه يبدأ منك” تأتي أشبه بالدريئة، أيضا ثمّة ثلاثية بعنوان “الحق والخير والجمال”، وكذلك “الحريّة” في عمل آخر، منفصل ومشابه، تأتي على شكل عروس وقد تحلّق حولها المحتفون بها، في حركة رقص دائرية مغلقة.

رغم ذلك، لا تبدو أعمال الشعراني المنْجَزَة لأجل قراءة العبارات فحسب، بل يأخذ الجانب التأملي العميق حيّزا خصبا، وتشدّ الناظر إليها من حواسّه الخمس مجتمعة، يقول الشعراني في هذا الخصوص: أعتقد أنني بصدد تشكيلٍ بالخط العربي ولست بصدد نقل العبارة إلی المتلقي فحسب، وإلا لحوّلتها إلی لافتة.

وحول النقطة في أعماله، والتي تأخذ اللون الأحمر لبوسا وحيدا لها، يؤكّد الشعراني أنه في معظم أعماله غالبا ما تجد النقطة الحمراء، وهذه النقطـة الحمـراء هي الجانب الموسيقي البصري الذي يتعـامـل معـه ومن خلاله يحقـق موسيقى بصـريـة تجعل المتلقي يتخيّل ويتصـوّر أشيـاء ربمـا لا يـراها الفنان، ولكـن هو يراهـا مـن خلال كينونته وروحه ربما تلتقي مع هذا العمل أو ذاك”.

منير الشعراني، المولود في مدينـة السلميّة عام 1952، يعتبر من أبرز المشتغلين في مجال الخط العربي، حيث تتلمذ بدايـة على يد الفنان السوري الراحل بدوي الديراني، كبير خطاطي الشام، ومـن ثم تخـرج مـن كليـة الفنون الجميلـة بدمشق- قسم الإعلان، عام 1977. صمم عدة خطوط جديدة وله كتابات في النقد الفني والفن العربي الإسلامي، باللغتين العربية والفرنسية. له أعمال منتقاة في عدة مؤسسات ومتاحف عربية وعالمية، أبرزها “المتحف البريطاني” في المملكة المتحدة، و“متحف رايتبرغ” في سويسرا، و“متحف أحمد شوقي” في القاهرة، و“متحف الشارقة للفنون” في الإمارات العربية.

15