الموسيقى التونسية.. في البدء كان اليهود

عندما يستمع تونسي إلى أغنية لحبيبة مسيكة أو للشيخ العفريت أو لراؤول جورنو، فإنه لا يأبه كونهم من أصول يهودية، بل يتذوق المنتج الفني بوصفه مشتركا فنيا حضاريا كان صنوا للتأسيس ورديفا لبداية الموسيقى التونسية الحديثة التي يعيدها العارفون بالشأن إلى الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي.
الاثنين 2015/09/07
الإنتاج الفني القديم مشترك حضاري بين مسلمي تونس ويهودها

الإسهام اليهودي في نشأة الموسيقى التونسية هو مفصل من إسهام يهودي عام، في المجتمع والاقتصاد كما في الثقافة والأكلات وغيرها من المجالات التي يتقاسمها الناس في الفضاء العام.

جدير بالذكر أن اليهود التونسيين ينقسمون إلى فئتين كبيرتين هما يهود تونس، وهي مجموعة قديمة الاستيطان في البلاد والمنطقة، يقال إن وجودها في تونس يعود إلى زمن تحطيم هيكل سليمان. أما الفئة الثانية فهي يهود “الغرانة” وهي تحريف لكلمة ليفورنة، الإقليم الإيطالي، وهم فئة من اليهود جاءت إلى تونس بالتزامن مع طرد المسلمين من الأندلس، بداية القرن السابع عشر ميلادي.

الفئة الأولى القديمة، كما الفئة الثانية الوافدة، اختارتا أن تحافظ على مسافة من المجتمع التونسي، لكنها مسافة لم تعن الانقطاع التام، ولم تحل دون التثاقف وممارسة تأثير وتأثر بينها وبين المجتمع، تجلت مظاهره في تبادل هادئ خفي بطيء أثرى المجتمع التونسي ثقافيا واقتصاديا وعمرانيا. بقي أن الانزواء اليهودي حتمته موانع دينية متبادلة من الطرفين اليهودي والمسلم.

المجتمع التونسي أثناء حقبة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، كان محافظا وتقليديا، بحيث أن المخيال الجماعي يرفض، أو على الأقل لا يستسيغ غناء المرأة في الأماكن العامة، وهو تصور لم يكن يخص المجتمع التونسي بل كان ينسحب على كامل المجتمعات العربية ولو بتفاوت.

لويزة التونسية من الفنانات اليهوديات اللاتي كان لهن سبق تأسيس الأغنية التونسية الحديثة
هذا المعطى المجتمعي الثقافي أتاح لليهود ولليهوديات، تحديد مجال واسع لاحتكار الساحة الفنية والموسيقية طيلة عقود. لذلك تحفل الذاكرة التونسية التاريخية الموسيقية بالعشرات من الأسماء لفنانين وفنانات من اليهود، مثلوا معا منطلقا لمسار الموسيقى التونسية المعاصرة، وعمادا أساسيا للسجل الموسيقي والغنائي، بل إن التراث الموسيقي التونسي المتداول إلى حد اليوم ينهض في أغلبه على إسهامات يهودية، سواء عبر التطوير اليهودي لموروث المالوف الأندلسي، أو من خلال إنتاج أغان جديدة خاصة. الجرأة لم تقتصر فقط على اقتحام المجال الفني، بل طالت أيضا المواضيع والقضايا المطروحة في الأغنية التونسية المتداولة آنذاك.

الحيز المحدود لا يكفي لاستعراض كل الأسماء اليهودية التي أسهمت بفعالية في انتعاش الساحة الفنية الموسيقية في تونس، لكن الانطلاق من بعض الأعمال ذائعة الصيت إلى حد اليوم، يحيل إلى زمرة من الأسماء تواظب الذاكرة التونسية على ترديد أسمائهم.

حبيبة مسيكة، التي طبعت شهرتها الثلث الأول من القرن الماضي، هي مارغريت بنت خوليو، ولدت بمدينة تستور الأندلسية عام 1893، وفي مسقط رأسها تشبّعت مما تسمعه من أغاني المالوف التي كانت ميزة المدينة. احتضنتها خالتها المطربة ليلى سفاز، المقيمة في العاصمة واكتشفت ولعها بالغناء والتمثيل، وأشركتها في إحدى حفلاتها التي صادفت وجود الملحن اليهودي المعروف يومئذ آشير مزراحي والذي قرر احتضانها وقدم لها أغنيتها المعروفة “العشاقة” (أغنية متداولة إلى حد اليوم).

ولم تقتصر حبيبة مسيكة على الغناء بل كانت أيضا ممثلة مسرحية اعتلت الركح لأول مرة عام 1911، في عرض مسرحي لفرقة الشهامة التمثيلية، ثم تحولت إلى فرقة الآداب التي كان يشرف عليها المسرحي العربي الكبير جورج أبيض، ومنها انضمت إلى فرقة المستقبل التمثيلي، حيث شاركت في مسرحيات الأحدب، ووشمشون ودليلة وماري تيدور وغيرها.

توفيت حبيبة مسيكة عام 1930 (توفيت مقتولة من قبل حبيبها إلياهو سيموتي) وتركت لائحة طويلة من الإسطوانات المسجلة والأغاني من قبيل “على سرير النوم دلعني”، و”مازلت خضرة والربيع منور” و”يا ربي حنيني إشنوة ذنبي” و”فيما مضى حبيبتي وحبيبتك” و”من وسط قلبي تطلع التنهيدة”. والملاحظ هنا أن أغلب أغاني حبيبة مسيكة تتوفر على قدر كبير من الجرأة، إلا أن المواضيع المطروحة، وما يرافقها من إيحاءات في الأغاني، فضلا عن كون المؤدي امرأة، كانت كلها عوامل تتضافر لتزيد شهرة الفنانة وتعزز من تعلق الجمهور بالأغنية.

الشيخ العفريت أو “إيسيرين إسرائيل روزيز” ولد في العاصمة تونس عام 1897. تعلم إيسيرين المالوف والأداء على يد فنان يهودي اسمه سوسو ليفي، ثم أصبح يغني في الأفراح والحفلات، وفي تلك الفترة اتخذ له لقب “الشيخ العفريت” وهو تحريف للاسم اليهودي “آفيريت” أي العبراني أو اليهودي.

راؤول جورنو من فناني تونس الذين ساهموا في طبع الأغنية التونسية بعد أن كانت إما أندلسية أو صوفية دينية
اشتهر الشيخ العفريت بالأغاني الاحتفالية التي كانت تقدم في حفلات الأعراس أو الختان، ومنها “التعليلة” التي مازالت تردد إلى اليوم. عُرف بقوة صوته إذ كان يغني، كغيره من معاصريه دون مصدح، لكن ذلك لم يحل دون إبراز الطاقات الكبيرة التي كان يتمتع بها، واستند في العديد من أغانيه إلى الموروث الشعبي التونسي، واستعان بالعشرات من الملحنين (أغلبهم من اليهود) أمثال موريس عطون وغاسطون بصيري وموريسين يعيش وآشير مزراحي وكليمان بصيري وموسى عطون الذي اشتهر بأغنية “شفتك مرة متعديّة”.

ثم انتقل إلى مرحلة أصبح فيها يكتب الكلمات ويلحن بنفسه، رغم أنه أمّي بلا تحصيل علمي، وقدم المئات من الأغاني وعشرات الإسطوانات ومن أشهر أغانيه “في البرّيمة” و”آش بيك غضبانة” و”أنا ما ذابي” و”سيدي خويا لا يقلله” وغيرها كثير. توفي الشيخ العفريت عام 1939 بعد أن اختط لنفسه مسارا فنيا كبيرا توصل في ختامه إلى أن يصبح له موعد منتظم للغناء في بلاط أحمد باي الثاني (حكم البلاد من 1929 إلى 1942) الذي أغرم بصوته وأدائه وقلده وسام الافتخار.

راؤول جورنو، وسيمون أميال، وليلى سفاز، ونقش البلاّر، وفرينتا ولويزة التونسية وحبيبة درمون ورتيبة التونسية (ابنة ليلى سفاز) وغيرهم من الفنانين والملحنين التونسيين اليهود، هم عيّنة من جيل ومرحلة. جيل من الفنانين الذين كان لهم سبق تأسيس الأغنية التونسية الحديثة، بعد أن كانت إما أندلسية أو صوفية دينية. ومرحلة فنية واجتماعية تميزت بتموّجات عاشها المجتمع التونسي بعد وصول جنسيات عديدة تزامن وفودها إلى تونس مع الاستعمار الفرنسي من 1881 إلى بداية القرن، وهي جنسيات فرنسية وإيطالية ومالطية وغيرها.

انفتاح المجتمع التونسي على هذه العناصر لم يحل دون سعيه إلى رسم الحدود الثقافية والحضارية، ما صنع مسافة حرص المجتمع على صونها بين التونسيين وغيرهم، وهي ذات المسافة التي تصدى اليهود لتسديدها باعتبارهم تونسيين أولا ولكونهم حلقة الوصل بين العنصرين الأصيل التونسي والوافد الأجنبي، ولقدرتهم على التحلل من الضوابط الأخلاقية والاجتماعية التي كانت عقبة التونسيين آنذاك.

12