الموسيقى تداوي جراح أطفال الحرب

الجمعة 2014/01/10
الموسيقي السوري قيصر أبو زر في وصلة موسيقية للأطفال

قيصر أبو زر، ابن مدينة الرقة السورية، من مواليد 1986، حاصل على إجازة في اللغة العربية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية (جامعة الفرات)، عازف على آلتي العود والكمان، ومغنٍ ذو صوت جميل، كما أنه من أبرز المهتمين بقضايا الطفل السوري مسرحا وغناء.

سألنا ضيفنا عن بداياته مع الفن فقال: “كانت بداياتي منذ الطفولة المبكرة، حينما بدأت الغناء وأنا في سن السادسة من عمري، حيث لقنتني أمي أول أغنية لهج بها لساني، ولا تزال هي الأغنية الأحبّ إلى قلبي، وكانت أغنية الفنان العراقي سعدون جابر “يا أمي يا أمّ الوفا”، وبهذه الأغنية تمكنت من إدراك موهبتي المميزة في الغناء واستثارة عواطف الآخرين من حولي، شاركت بهذه الأغنية في مسابقة الروّاد التي كانت تقام سنويا في جميع المحافظات السورية، وحصلت على المرتبة الأولى في مستوى المحافظة ومن ثمّ على مستوى القطر آنذاك”.

يتذكّر قائلا: “ما يزال ذلك الموقف يطرق شباك ذاكرتي كحبات البرد المتكسرة عندما دعاني الكادر التدريسي في مدرسة “أبي ذرّ الغفاري” للغناء في غرفة المعلمين، وكانت المفاجأة عنيفة جدا عندما أفزعني صوت المديرة وهي تقول لي وتصرخ: “ما بدي شوفك هون مرة تانية”، لم أفهم آنذاك لماذا تصرفت هكذا، وأنا ابن الستة أعوام، لكنني أذكرُ وأن كل من في الغرفة كان يبكي، وكنت ببساطة أستمتع بإحساسي بأنني أنا من أبكيتهم، وهكذا بدأ مشواري مع الغناء بعد تلك الحادثة، مع العلم أنني في تلك الفترة كنت أعاني من تأتأة في النطق، إلا أن هذه التأتأة كانت تتلاشى أثناء الغناء”.


هو والبزق

معلوم أنّ فناننا سليل عائلة موسيقية، فهو أحد أحفاد الفنان محمود عزيز، عن تأثير هذا في مشواره الفني قال أبو زر: “هذا صحيح فبالإضافة إلى كوني من أحفاد الفنان محمود عزيز، فقد وجد في عائلتي موسيقيون ومغنون من ذوي الأصوات المميزة، أذكر منهم خالي عبدالرزاق العماري الذي كان له دور فعّال في إنضاج موهبتي الغنائية، بالإضافة إلى كونه من أوائل عازفي العود في مدينة الرقة”.

ككل الفنانين واجه قيصر صعوبات خلال مرحلته الفنيّة الأولى وعنها يقول: “هي عديدة منها.. افتقار المدينة لمدرسي الموسيقى، وندرة المراكز الموسيقية فيها، وكذلك نظرة المجتمع من حولي، والذي لم يكن يولي اهتماما بالفن بشكل عام، ولا أخصّ في حديثي الموسيقى”.

وبالتالي لم يجد ضيفنا في بداياته من يوجه له الدعم لا معنويا ولا ماديا، فحين سحرته آلة “البزق” طلب من أمه أن تشتريها له ليتعلم العزف عليها، فلم تولِ الفكرة أيّ اهتمام رغم أنها كانت أول من شجعه على الغناء، يستدرك قائلا: “لكني وبعد أسبوع كامل من البكاء استطعت أن أقنعها بأن ترسل مع خالي نقودا ليشتري لي بزقا من حلب، ذلك لعدم توفره في الرقة، فحــظيت أخيرا بآلة بزق لا بأس بها، وأنا في الثالــثة عشرة من عمري، وهذه من أبرز الصعوبــات التي واجهتني فــي بداية تعلمي للموســيقى”.

وعن مداعباته الأولى لهذه الآلة يقول أبو زر: “لم أعرف ما هو السبب الذي جعلني أختار هذه الآلة.. لكنني أدركت في ما بعد أنني اخترت الآلة الأكثر أصالة وتعقيدا من بين الآلات الشرقية، كانت الخطوة الثانية بعد شرائها، هي البحث عن عازف بزق أستطيع أن أتعلم منه، لفقدان الأمل -آنذاك- بوجود مدرس على هذه الآلة في الرقة، ارتدت الفرق الموسيقية الشعبية والمراكز الثقافية بحثا عن المعلم المنشود”. الصدفة وحدها قادته للالتقاء بالفنان أحمد دالي، الذي تعلم على يده مبادئ الموسيقى والعزف على آلة البزق. حيث لا تزال آلة البزق الأقرب إلى قلبه رغم احترافه العزف على آلتي العود والكمان.

نوستالجيا الشباب

عن دور البيئة والطبيعة في صقل موهبته قال أبو زر بنوستالجيا الشباب البكر: “الرقة آه من الرقة.. خلال طفولتي وحتى شبابي لم أُدرك ماذا يعني الفرات؟ ماذا تعني تلك الليالي الصيفية المُقمرة؟

ماذا تعني جارتك العجوز التي اعتادت القعود أمام بابها؟ تبتسم لك عند خروجك من البيت، تنزعج إذا ما نسيت أن تلقي عليها السلام، كل هذه الرموز التي لم أذكر منها إلا القليل أصبحت ملهمة لخيالي، محفزة لعواطفي”.

أبو زر كان له ظهور بارز وملفت مع الأطفال في مدينة الرقة، حين كان يسكنها وتسكنه، الآن هو في تركيا يعلّم الأطفال السوريين، فهل أثر تغيير المكان على عمله مع الأطفال والموسيقى؟ سؤال أجاب عنه واثقا: “أعتقد أن شغف الأطفال بالفنون هو شيء عام وثابت.

فهي تقدم له وليمة من الصخب واللعب المُنتج والهادف، لا تتصور مدى سعادة الطفل بعد إنهائه لعمل فني أرضى نهمه للعب في مرحلة أولى، وملأ ساحة غروره وتميّزه عن غيره بإنتاجه لهذا العمل في مرحلة ثانية. فالموسيقى تساعد على استقرار الطفل نفسيا، وهذا حل لمشكلة عدم الاستقرار للأطفال السوريين في أماكن نزوحهم، أما الموسيقى فلا تتغير من مكان لآخر، بل هي رسالة ننقلها عن ذاتنا ومجتمعاتنا إلى مجتمعات أخرى”.

ثلاث سنوات مرّت على عمر الثورة السورية، جعلت من واجب فناننا المهاجر إلى ديار غير دياره وفي تعامله مع أطفال من دياره “سوريا”، أن يضحك ويلعب مع أطفال مشتتين ومشردين اقتلعوا من جذورهم من حيث لا يعلمون..

يستطرد قائلا: “الطفل السوري طفل أنهكته حرب الكبار، حرب لا وتر له فيها ولا لون، على الرغم من هذا الموت الذي تناثر بين ألعابه القطنيّة، فلا يزال يحتفظ ببصيص الأمل الذي افتقده الكثير من الكبار، هو مستقبلنا الفعلي والمشرق، والعمل معه وله عمل مُقدس، لا يقل خطورة وأهمية عن عمل أيّ ثائر يحمل بندقية، أو سياسي يحمل هم الوطن”.

16