الموسيقى تستدعي الذكريات للتأقلم مع الشيخوخة

أيا كان نوع القطعة الموسيقية التي نختار أن نسمعها في أوقات الحزن والفرح، فإننا نلجأ إلى الموسيقى لتعديل مزاجنا وتطمين مشاعرنا وتلوين المساحات الرمادية منها، لهذا عرفت الموسيقى كأداة في العلاج النفسي وتسكين منابع الألم الداخلي من دون الحاجة إلى أن نكون موسيقيين مهرة أو متخصصين في هذا المجال، كل ما علينا فعله هو اختيار النغمة التي نحبها، وهذا كل ما في الأمر.
الأربعاء 2017/07/12
الموسيقى من أفضل الخيارات لمن يعاني مشاعر القلق أو الحزن أو الوحدة

أكد متخصصون أن الموسيقى من شأنها أن ترتبط بالذكريات المفرحة والحزينة في وقت واحد، فسماع موسيقى معينة ترتبط ارتباطا شرطيا بمكان أو زمان أو حدث ما في الماضي، يمكن أن يستدعي كل لحظاته وبتفاصيلها أيضا فهي مثل العطر الذي يذكرنا بشخص ما أو مكان ما.

ويمكن تطويع هذه الميزة واستخدامها لدى العمل مع كبار السن الذين يعانون من تردي أو فقدان الذاكرة؛ حيث تعمل الموسيقى على استدعاء ذكرياتهم ربما لعقود وعقود، الأمر الذي يمنحهم أملا جديدا للتأقلم مع حياتهم وشيخوختهم بمنحهم شعورا جيدا بالاستمرارية، إضافة إلى أن استعادة الذكريات الطيبة تمنحهم شعورا بالرضا عن النفس والجدوى من وجودهم، وعن الأحلام التي حققوها لأنفسهم والدور الذي لعبوه في حياة الآخرين.

من جانب آخر، أظهرت نتائج دراسة حديثة أن استخدام الموسيقى لتعلم بعض المهارات الحركية، من شأنه أن يساعد في تحفيز عمل مناطق معينة في الدماغ مع الأشخاص الذين يمارسون حركات تعبيرية راقصة بالتزامن مع الموسيقى، أو ما يسمى بزيادة الربط الهيكلي بين الدماغ والجهاز الحركي.

ويأمل العلماء في أن تنجح الدراسات مستقبلا في تسليط الضوء أكثر حول إمكانية تطويع هذه الخاصية لتأهيل المرضى الذين يعانون من عجز أو صعوبة في الحركة، بعد حصول السكتة الدماغية مثلا.

الموسيقى تسهم مع الرياضة في تفريغ شحنات الانفعالات النفسية السلبية ومن شأنها أن تحفز على مواصلة التمرين

وأشارت الدراسة التي نشرت نتائجها في المجلة الطبية لجامعة أدنبرة البريطانية “الدماغ والإدراك” إلى أن هذه الدراسة من شأنها أن تسلط الضوء على البحوث المستقبلية في إمكانية إعادة تأهيل المرضى الذين فقدوا قدرا معينا من السيطرة على جهازهم الحركي.

كما تسهم الحركات البدنية المصاحبة للموسيقى في تهدئة مشاعر الحزن والتوتر النفسي والغضب والقلق المصاحب لها، وبدلا من تفريغ شحنات الغضب، مثلا، في فعل عضلي عدواني غير لائق سواء بإيذاء النفس أو الآخرين، يمكننا أن نستبدله بالقيام بحركات إيقاعية بمصاحبة مقطوعة موسيقية مناسبة، وبهذا يمكننا تخفيف شحنات مشاعرنا أيا كانت ويمكننا في الوقت ذاته الانشغال بذلك للتخلص من سطوة الأفكار التي تعزز قلقنا، حيث تعمل الموسيقى على مبدأ التنسيق بين العمليات العقلية والجسدية.

وتورد الدكتورة ستيلا كومبتون؛ المعالجة النفسية البريطانية المتخصصة في العلاج بالموسيقى، هنا، حكاية الكاتب الأميركي وليام ستايرون في كتاب سيرته الذاتية “الظلام المرئي: مذكرات الجنون”، الذي يتحدث عن صراعه مع الاكتئاب، حيث يصف المؤلف ظروف بلوغه مرحلة اليأس في مرحلة ما من الاكتئاب وكان على وشك أن يقتل نفسه، لكن تسنى له في اللحظات الأخيرة الاستماع إلى موسيقى الألماني يوهانس براهمز، وهي التي أنقذته! حيث وجد العزاء في الصمت والإصغاء إلى الموسيقى التي نقلته إلى عالم آخر صار يؤثثه بنفسه وفق مزاجه وذائقته، وقد يكون عالما متخيلا أو غريبا لكنه عالم شفاف وهادئ،

فالموسيقى الكلاسيكية من وجهة نظر العديد من نظريات العلاج النفسي، من أفضل الخيارات لمن يعاني مشاعر قلق أو حزن ووحدة.

وتصاحب الموسيقى غالبا الأشخاص الذين يداومون على أداء رياضة المشي والركض، كجزء ثابت من برنامجهم اليومي، حيث تسهم الموسيقى في ممارسة الرياضة وقتا أطول، كما أنها تسهم مع الرياضة في تفريغ شحنات الانفعالات النفسية السلبية كالغضب والحزن والقلق، مع الأخذ في الاعتبار اختيار الموسيقى المناسبة لذائقة صاحبها، وهي من شأنها أن تكون محفزا على مواصلة التمرين والاستمتاع بذلك أيضا، إذ أنها تكسر الملل والرتابة اللذين يرافقان في العادة أداء التمرينات الرياضية.

الموسيقى الكلاسيكية من وجهة نظر العديد من نظريات العلاج النفسي، من أفضل الخيارات لمن يعاني مشاعر قلق أو حزن ووحدة

من جانبه، يرى الدكتور جوزيف كارديلو؛ الكاتب الأميركي المتخصص في مجال الصحة الجسدية والنفسية، صاحب المؤلفات الأكثر مبيعا والتي ألهمت العديد من الناس على مستوى العالم، أن الموسيقى تعتبر وسيلة فاعلة في الالتزام بنظام حمية غذائية أكثر استمرارا وجدوى، فإذا كان أحد الأشخاص يتبع نظام حمية وواجه يوم عمل طويلا وشاقا، فسيعود إلى منزله على الأرجح باحثا عن تعويض أو مكافأة على جهده والمكافأة هنا هي نظام دماغي يعمل على إنشاء الحافز الغريزي للإنسان للقيام بشيء ما كالأكل، الشرب، ممارسة الجنس، وكل ما من شأنه أن يحافظ على البقاء.

ومع الشخص الذي يتبع حمية صارمة، فإن المكافأة في الغالب هي الاستمتاع بوجبة طعام شهية وغنية، ولعل أحد الأسباب المحتملة لذلك أن التعب والجهد من شأنهما أن يخفضا مستوى هورمون “الدوبامين” في الجسم، ويؤدي الدوبامين دورا رئيسيا في الإحساس بالمتعة والسعادة والإدمان، حيث يفرز الدماغ هذا الهرمون بكميات معتدلة وثابتة في الوضع الطبيعي حفاظا على التوازن الذهني داخل الجهاز العصبي، لأنه مسؤول عن نقل الإشارات المتعلقة بالشعور بالراحة والانتشاء، سواء أكان ذلك بعد تناول وجبة غذائية لذيذة، أو تحقيق فوز ما أو غير ذلك من الخيارات الشخصية.

وعند تفعيل هذا النظام بواسطة واحد من النشاطات سابقة الذكر أو غيرها، فإن هذا النظام يتفعل معطيا شعورا بالراحة والسكينة. لذلك، يؤكد الدكتور كارديلو ضرورة إيجاد بديل مناسب بدلا عن الاستسلام لنداء الجسد وكسر نمطية النظام الغذائي، والبديل المناسب هو الاستماع إلى موسيقى محببة تعمل عمل المكافأة.

21