الموسيقى تعود إلى المدارس السعودية بعد ستين عاما

مثقفون سعوديون يطالبون بالتدرج في إدراج الموسيقى والفنون في المناهج لتجنب الصدمة، مع ضرورة الاهتمام بتجهيز المدارس بالكوادر التعليمية وتجهيز المباني.
الثلاثاء 2019/11/19
توجيه بوصلة التغيير نحو الجذور

في سبيل الارتقاء بالتعليم والتسريع من عجلته وفق رؤية المملكة الجديدة، تحاول وزارة الثقافة أن ترفع من سقف أحلامها مدفوعة بالتعاون المشترك بينها وبين وزارة التعليم لخلق مزاج من التوافق الوطني العام بين المؤسسات الخدمية والتعليمية والثقافية. من هنا، يأتي قرار التعاون بين الوزارتين، في ما يخص إدراج الموسيقى والفنون في المناهج، وإنشاء الأكاديميات المتخصصة، خطوة ذات قيمة كبيرة عند المثقفين والأكاديميين. غير أن القرار رافقته حزمة من الأسئلة، مثل هل يجب أن تعمل الوزارتان على ذلك بشكل سريع، أم أنه لا بد من العمل على مقدمات مرحلية للدخول في خطوة تعليم الموسيقى؟ وهل المباني المدرسية جاهزة لذلك؟ وهل لدى التعليم كوادر مهيأة لتدريس الموسيقى؟ هذه الأسئلة وغيرها يطرحها هذا الاستطلاع على نخبة من المثقفين السعوديين.

التقى مؤخرا وزيرا الثقافة والتعليم السعوديان في درعية الرياض للبحث في أوجه التعاون بين الوزارتين، وأثمر عن اللقاء الاتفاق على التعاون في إدراج الثقافة والفنون في مناهج التعليم العام والأهلي، ونقل صلاحيات إعطاء التصاريح والرخص للأنشطة والمسارات الثقافية والفنية إلى وزارة الثقافة، وأن يكون لوزارة الثقافة التصريح للمعاهد والجامعات والكليات والمدارس الأهلية للبرامج والأنشطة والمسارات التعليمية المستحدثة في الثقافة والفنون، ودراسة نقل إنشاء وإصدار التصاريح للمعاهد والكليات والمدارس الأهلية المتخصصة في مجالات الثقافة والفنون إلى وزارة الثقافة.

كما أقر اللقاء استخدام مرافق وزارة التعليم كالمسارح المدرسية والجامعية. وعلى ضوء ذلك كشف وزير الثقافة أنه سيتم إدراج الموسيقى والمسرح والفنون في مناهج التعليم في السعودية.

تخطي التراكمات

تعدّ الشاعرة رباب إسماعيل إدراج الفنون في المناهج التعليمية آلية لتهذيب النفس البشرية وتفعيل مكامن الجمال فيها، فالمجتمع السعودي أمام لحظة تاريخية يحاول فيها التعويض عن ارتدادات مرحلة النكوص التي عطلت تقدمه لعقود من الزمن.

تقول إسماعيل “إن إدراج الموسيقى ما هو إلا مفردة من مفردات خطاب معرفي جديد يعيشه المجتمع في كل مرافق الحياة، إلا أنها المفردة الأكثر رنينا وبروزا، لأنها الأكثر تنافرا مع الخطاب القديم، وهنا يبدأ البحث عن أفضل آليات تحقيق أهداف هذا القرار، وأفضل آليات تقبل المجتمع له. والتي قد يكون من الجيد البدء بتطبيقها تدريجيا، كأن يتم إدراج الموسيقى ضمن بعض الأنشطة، أو أن يختار الطالب في البداية نشاطا فنيّا مع كل عام دراسي”.

قرار تعليم الموسيقى والفنون في السعودية يحتاج إلى الروية والهدوء وعدم الاستعجال حتى تكتمل كل آليات العمل

وتتابع “ما أن يقف المجتمع مباشرة أمام هذهِ الفنون، ويُدرك أهميتها الإبداعية والنفسيّة والتربويّة؛ ستبدأ الصورة الذهنية القديمة المرتبطة بشيطنة الفنون بالزوال، ليجد أنه أمام طرح إنساني أعمق مما رُسم في ذهنه. إن إدراج الفنون يخلق فرصة للجميع من عدم كون الثقافة وتذوقها أو الحصول عليها نخبويا، يرتبط بالأسرة ونمطها فقط، أو بمقدار تحصيلها العلمي أو الثقافي أو الاقتصادي”.

ومن جانبه يوضح القاص محمد ربيع الغامدي أنه ليس بحاجة لتأكيد أن الموسيقى كانت تُدرس بالفعل في بعض المدارس السعودية مثل مدارس الثغر بجدة، وكذلك كانت الفنون المسرحية تمارس داخل المدارس على اختلاف مستوياتها. يقول “كنت أنا شخصيا موجها للتربية المسرحية في تعليم منطقة الباحة، لكن ذلك كله قد تراجع لاحقا فتوقف تدريس الموسيقى وتحوّل مسمى التربية المسرحية إلى النشاط الثقافي الذي اهتم بأنشطة عديدة على حساب التمثيل نفسه. ما يحدث الآن هو إعادة بناء ممنهجة بعد سنوات من الاجتهادات الذاتية أو المقاربات التي تركت الفعل الثقافي للصدفة وما يتيسر من التأهيل (مع أن الموسيقى والمسرح أداتان ثقافيتان وعنصران من عناصر الهوية الثقافية)”.

ويضيف “ما يحدث الآن هو توجيه بوصلة التغيير نحو الجذور، أو هو (بتعبير صنايعي!) فرمتة تستهدف تكوين فورمات جديدة خالية من الإصابات والملفات المنهكة. الأساس الصحيح لكل فعل صحيح أن نعمد إلى التنشئة، فالفعل السليم يتخلّق أولا في حقول التنشئة، وهذا القرار سيحقق هدفين متوازيين: بناء أساس ثقافي صحيح، وخلق بيئة تعليمية مشجعة. نبني جيلا مثقفا ونخلق محبة داخل المدرسة. وأرى في ذلك منهجا مدروسا تسير فيه الوزارتان من أجل قَدَر ثقافي مؤمل”.

وتؤكد الكاتبة والمدربة في تطوير الذات آمنة الذروي أن القرار خطوة مهمة لا بد منها لمواكبة رؤية 2030، وما كان من تعاون بين الوزارتين هو بارقة أمل تلوح في الأفق لتخطي كل التراكمات التي نتجت في المجتمع بفعل زمن قد مضى.

تقول الذروي “أعتقد أن التجهيز لهذا القرار سيغير أشياء كثيرة بالتعليم للأفضل في المنهج والنشاطات وسنواكب نتاجا جيدا من المواهب وفرزها والاتجاه الكامل للطلاب من الجنسين إلى التفنن وتهذيب الذوق العام حتى في موادهم الدراسية، حيث إن البيئة التعليمية ستتغير وينكسر حاجز التناقض”. وتضيف “بدأت الخطوة حين أعلن عن الرؤية ولي العهد، واستقبلها المواطنون بفرح وسعادة لما تحمله بين كفيها الكثير من الإصلاحات. ‏وكل ما نريده الآن هو سرعة وتسهيل الإجراءات، وتمكين القرار على أرض الواقع وتهيئة المباني المدرسية ولو بشكل مبسط ليأخذ القرار حقه في جميع المدن، وكذلك تبنى بعض الكوادر الوطنية المهيأة للعمل، مع استقدام بعض الكوادر للدول المجاورة. ‏في النهاية النجاح قائم على التخطيط والوعي والاستمرارية”.

الخروج من الضبابية

تهذيب النفس البشرية وتفعيل مكامن الجمال فيها
تهذيب النفس البشرية وتفعيل مكامن الجمال فيها

ترى الشاعرة مها العيسى أن القرار جاء منسجما مع الحقوق الإنسانية والثقافة المسلوبة لقرون مضت بدعوى هذا الحلال والحرام. تقول العيسى “دعونا ندرك الركب شأننا شأن العالم الذي يعي أهمية هذه الثقافة وما تقدمه من رسائل هادفة وسامية متى شئنا تطويعها لذلك، كما فعلت أوروبا بعلاج بعض مرضاها بالموسيقى فأثمرت من خلاله نجاحا، دعونا نعيش التجربة فنحن بهذا القرار لا نحاول المساس بالدين وتشريعاته ولا نغالط ما حملته المناهج الدينية، ولا نطعن في مفهوم رموزنا الدينية وفتواهم، وإنما نحاول أن نخاطب بشيء من التعقل تلك المفاهيم التي دعتنا لتحريم هذه الثقافة، لعلنا إن لم نصب لا نخطئ، لأنها في الأصل مثلها مثل أي شيء في الحياة لها سلبياتها وإيجابياتها وما علينا سوى أن نستنطق الوعي والفكر بدواخلنا مدعما بحسن التصرف لنفض الضبابية وصدمة النقيضين اللذين ربما يصيبان الطالب بازدواجية تحرج أصحاب القرار، لذا فالتدرج سيد الموقف وسفينة نوح للنجاة من جدلية محتملة وقضية ربما تكون شائكة”.

ويؤكد الروائي حسين الضو أن القرار في عمومه جيد، ولكنه يرى أنه، كعادة الكثير، من مشاريع التطوير في مجالي الثقافة والتعليم، تتسم بالضبابية من ناحية الأهداف بل وحتى الأسباب. يقول “بالأمس تمت إضافة منهج الفلسفة والتفكير المنطقي واليوم منهج الموسيقى، من الطبيعي جدا السؤال عن دوافع هذه القرارات. هل ترى وزارة التعليم أهمية الفنون كقيمة معرفية وجمالية تضيف إلى الفرد السعودي وتساهم في تحسين جودة حياته، أم أن الدافع من هذه الخطوة هو فقط اقتصادي بهدف زيادة الفرص الوظيفية في مختلف المجالات الفنية، تماما كبقية المجالات المعرفية الأخرى؟”.

ويضيف “وضع الخطة النظرية على أرض الواقع يتطلب معرفة ورؤية واضحة للأسباب، فكل سبب يؤدي إلى خطة عمل مختلفة تمامًا، سواء من محتوى المناهج أو المعلمين والبيئة الأكاديمية ككل، فالمسألة أكبر من مجرد القيام بالمبادرة واتخاذ الخطوة الأولى”.‏

في ظل التغيرات الحالية السريعة يرى الضو أنه لا حاجة للتدرج لإتمام هذه الخطة، حالة التناقض موجودة كنتيجة طبيعية لهذه التحولات الكبيرة. أما في ما يتعلق بالتحريم، فإن الموسيقى حرمت وشُيطنت أيضا على مدى عقود دون أن يؤثر ذلك على أغلبية المجتمع حيث رأينا الحضور العريض والإقبال على الحفلات الموسيقية، فحضور التيار الديني اليوم ضعيف ومنحسر، وليس له وزن حقيقي اجتماعيا في هذا الموضوع.

قفزة متروية

الموسيقى والمسرح أداتان ثقافيتان وعنصران من عناصر الهوية الثقافية
الموسيقى والمسرح أداتان ثقافيتان وعنصران من عناصر الهوية الثقافية

عن قراءته للتعاون بين وزارتي التعليم والثقافة يقول القاص والناقد ساعد الخميسي “يحمد لوزير الثقافة دأبه ومبادراته المستمرة في سباق زمني حتى مع مشروعات الوزارة ذاتها والتي كما نعلم بأنها لا تزال رهن التأسيس والنشوء المستقل الأمر الذي يجعلنا أمام دهشة ننشط لها وبما سيتحقق لمرحلة مشرقة جديدة، بجهاتها الأربع ومع جهات أخرى ربما كان البدء بوزارة التعليم الأكثر إلحاحا وتلاحما مع مشروعات الثقافة ويمثل نقطة الانطلاق نحو أهداف عدة لا مصير لتحققها ونجاحها إلا عبر التعاون مع شريك أساس هو التعليم”.

ويضيف “مسألة الموسيقى والأدب والجغرافيا والعلوم الدينية هو أمر قبل مرحلتنا هذه، من المسلم به والذي مر به كل دارس منا هو أنك طالب يدرس عدة مقررات مختلفة أو متفقة، ألم ندرس قصيدة غزلية مثلا في حصة دراسية ما، تعقبها حصة في الفقه أو الحديث. ‏أعتقد أن لا مسوغ لتناقض يلزمنا أن نتنبأ معه لخطورة ما ربما ستحدث، لقد وعى الإنسان اليوم وعيا يقبل التواصل اتفاقا وخلافا دونما وصاية نزعم معها بأننا أنقذنا مستقبلا من الهلاك، تلك أمور عفى عليها زمن مما أحرزته البشرية اليوم".

وتعتبر الروائية ندى الحائك تعاون الوزارتين قفزة هائلة إلى عتبة ستنقل المملكة على جميع الأصعدة إلى مستوى جديد لم تكن عليه من قبل. لكن، في رأيها، أن الفكرة -وإن بدت مشجعة- إلا أنها ستصطدم بأيديولوجية الصحوة التي مازالت تمسك بأعقاب المشهد الثقافي والديني في المنطقة وتؤثر على نظرة بعض الأفراد لإدراج الثقافة والفنون رغم ضرورتها في المجتمع.

تقول الحائك “‏إن الطريق لتنفيذ هذا التعاون بين الوزارتين يجب أن يمر عبر الفتاوى التي تحرم الموسيقى في المناهج الدراسية وستسبب للطالب المتذوق للفن تناقضا بين رغبته في دراسة هذه الفنون ومنها الموسيقى وبين كم الأحكام التي تدين رغبته تلك. لا بد لهذا القرار من أن يتأثر ببقايا سيطرة التفكير الصحوي وسيمر بفترة طويلة قبل أن نرى نتائجه مثمرة على أرض الواقع بالشكل الذي نرتضيه، إذ وإن استطعنا الخروج من عباءة هذا التفكير يجب الاهتمام بتجهيز المدارس بالكوادر التعليمية الكفؤ وتجهيز المباني لضمان الوصول للنتيجة المرجوة لتنفيذ هذا القرار”.

لحظة تاريخية للتعويض عن ارتدادات مرحلة النكوص
لحظة تاريخية للتعويض عن ارتدادات مرحلة النكوص 

وفي الشأن نفسه يقول القاص طاهر الزارعي “في ظل التحولات التي تشهدها السعودية في جميع المجالات وتبعا لرؤية 2030 فإن هذا التعاون بين الوزارتين ليس مستغربا، فالموسيقى غذاء الروح كما أنها قد تم تدريسها منذ 60 عاما في مدارس جدة وكانت هناك معامل لتعليم البيانو والغيتار والربابة والدف وما إلى ذلك من الأنواع الموسيقية، ويأتي هذا القرار المفاجئ والصادم نوعا ما للمجتمع نتيجة لأهمية الموسيقى في حياتنا فدول أخرى وجارة لنا سبقتنا في هذا المجال بأعوام ومن هنا، فالتعليم لا بد أن يسير نحو خطوات راقية تواكب الدول الأخرى في تعليمها للموسيقى والفنون والعروض المسرحية”.

ويضيف “يحتاج القرار للروية والهدوء وعدم الاستعجال حتى تكتمل كل آليات العمل ومن ضمنها إيجاد كوادر مهيأة لتعليم الموسيقى والفنون الأخرى كما أن كثيرا من المباني تحتاج لتهيئة كبيرة لإعداد مرافق لهذه الفنون وإعداد الآلات الموسيقية والمسارح وتأليف الكتب المخصصة لذلك. ولا بأس في التروي حتى تكتمل كل آليات هذه الفنون لتخرج على مستوى عال من النضج والجمال”.

ومن جانبه يشير القاص والمسرحي علي الزهراني إلى أن التعليم والثقافة والفنون صنوان في حَمْل جيل على السلام النفسي والتصالح مع الذات وتغيير النمط السائد لدى بعض الطلاب. يقول “كلما كانت الثقافة والفنون ذات قيمة إيجابية تدفع الطلاب إلى الوصول للنموذج السويّ القدوة في نفسه بين زملائه بين أسرته كانت أنجع وأزهر وأثمر فكرا تعلّما وتعليما وثقافة وفنونا. ولعل المسرح بالذات هو التمثال الذي صنعته الدكتاتورية والتهميش وكأنه ولدٌ ضائع يهيم على وجهه في الطرقات مجهول الهوية والنسب. ولكن مع هذا التعاون في المسرح كمادة تدخل في منهج دراسي خطوة موفقة جدا للارتقاء بالذوق العام للطالب، فالمسرح يؤثر في أبنائنا الطلاب (مشاهدة وتعلّما وسلوكا). وهذا ما جعله النشاط المحبب للطلاب لأنه يخرج من الجمود الفكري والعقلي في داخل الغرف الأسمنية إلى فضاء الثقافة والفنون فضاء الإبداع والسمو وكشف المواهب وصقلها لتصبح جوهرة تشعّ الناظرين”.

ويضيف مختتما “‏الثقافة والفنون في مدارسنا تحوّل مهم جدا لبلوغ المعالي والمعاني الحقيقة فمن وجهة نظري أن يتم التدرج في ذلك حتى نصل إلى مراد هذا التعاون البنّاء والمثمر بين وزارتي الثقافة والتعليم. والإسراع إلى التطبيق أمر مطلوب وعاجل المهم أن نبدأ”.

15