الموسيقى.. عصا الساحر التي لا يملك سرها أحد

نغمات تحيي الأرواح أو نكات تضحك المستمعين.. هكذا هو الفن فوق المنصة.
الأحد 2021/04/18
الموسيقى لغة عابرة للأزمان

تابع العالم منذ أيام المشهد التاريخي المهيب لموكب المومياوات الملكية أثناء نقلها من المتحف المصري في ميدان التحرير بوسط العاصمة المصرية القاهرة، إلى المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط جنوب العاصمة، حيث تستقر المومياوات الملكية في مثواها الأخير. وقد أثنى كل المتابعين على الحفل الذي تكاملت جل عناصره البصرية والموسيقية والفنية والتاريخية. لكن اللافت هو التأثير الكبير الذي تركته الموسيقى وخاصة الترانيم الفرعونية باللغة القديمة التي نالت إعجابا واسعا رغم أن أحدا لم يفهم لغتها، وهو ما يطرح سؤال الموسيقى وقدرتها على التأثير والعبور فوق اللغات والمشاعر.

لطالما استدعى الربيع حسًّا بالتفتح والإشراق، وارتبط في الثقافات الأكثر تجذُّرًا في تاريخ البشرية بالاحتفاء بالخصوبة والنماء وتجدُّد الحياة. وقد شهدَت القاهرة مع مطلع الربيع حدثًا جللًا قد يؤسس لتحديث واسع النطاق للصورة الذهنية المعروفة عن المدينة التاريخية، إذ بدَت كعاصمة سياحية ذات طراز فريد، يمكن الانتقال بين معالمها الفريدة بطريقة منظمة وممتعة في الآن نفسه.

إنه موكب المومياوات الملكية الذي قطَع طريقه من المتحف المصري القديم المطل على ميدان التحرير في وسط القاهرة إلى متحف الحضارات الجديد المطل على بحيرة عين الصيرة في حي مصر القديمة.

ملكة الموكب

 لا تزال أصداء موكب المومياوات الملكية تتردَّد فوق جدران القاهرة التاريخية العريقة، حيث تميز الحدث الاحتفالي بدرجة عالية من الإتقان والاحترافية، من فنون الضوء إلى تصميم الاستعراضات والأزياء، حتى تصميم عربات نقل المومياوات وطريقة عرض مقتنيات المتحف واستعراض الأماكن الأثرية تخطَّت أكثر التوقعات.

غير أن الصورة مهما اتَّسمَت بالإتقان والإبهار، فلا بد لتأثيرها أن يتلاشى مع مرور الوقت، خاصة مع كثرة الإعادة وتكرار المشاهدة. عنصر وحيد هو ما يتعاظم تأثيره كلما تردَّد، ويترسخ أبعد في وجدان المتابعين، إنه عنصر الموسيقى التي صاحبَت الموكب، وكانت بطلًا للموكب وملكةً لا تقل شموخًا عن الملوك المنتقلين.

بدَت الفنون المصرية على تنويعاتها في أبهى صورةٍ أثناء هذه الليلة الاستثنائية (3 أبريل 2021)، وكانت خيرَ مُعبِّر عن تلك الحضارة التي لطالما حيَّرَت الكثيرين لروعة ما قدَّمَته من علم وفن وابتكار.

وأحسن مُصمِّمو الموكب والقائمون عليه صُنعًا، إذ منحوا الموسيقى دور البطولة بين عناصر الحدث الفريد، فاختاروا إحدى أنصع المواهب الموسيقية المصرية رسوخًا وتطوُّرًا في الوقت نفسه، هو الموسيقار هشام نزيه، ثم دعَّموه بأفضل الأصوات والعازفين حتى يُرصِّع قطَعَه الموسيقية البديعة بأنفس الدرر المصرية الخالصة.

 كما استدعوا لقيادة هذه العناصر المنتقاة بعنايةٍ قائدَ الأوركسترا نادر عباسي، فارتقى المنصة كما الساحر الممسك بعصاته، وراح يُطلق تعاويذه السحرية في كل اتجاه، كأنما جوقة من كهنة مصر الفرعونية قد قامَت من مرقدها، لكي تُضيف إلى التاريخ أهزوجةً أخيرة كان في أمَسِّ الحاجة لترديدها.

اللغة والموسيقى

ترانيم دينية قديمة غير مفهومة لكنها أثرت في النفوس
ترانيم دينية قديمة غير مفهومة لكنها أثرت في النفوس

إن الحدث بجُملته، ما ترتَّب عليه من تفاعل المشاهدين مع المؤلَّفات الموسيقية وفريق العازفين والمغنّين، يطرح سؤالًا حول تأثير الموسيقى على المستمعين: كيف يكون لها مثل هذا الأثر الفريد في النفوس؟

لقد اعتمد المؤلِّف الموسيقي الجريء هشام نزيه على قِطع موسيقية بحتة ذات طابع كلاسيكي مُركَّب، ولم يُراهن على الخيار الأكثر أمانًا والذي كان غيره سيلجأ إليه حتمًا؛ الأغاني ذات الطابع الوطني، إلا في أضيق الحدود.

المدهش أن الأغاني التي قام بغنائها المطرب محمد منير والبديعة ريهام عبدالحكيم، لم تكن هي ما ترك في نفوس المشاهدين أعظم الأثر، بل إن ما علِق بالأذهان وأثار موجةً من الدهشة والاحتفاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الإعلامية بعد الحفل، هي تلك الأنشودة التي تغنّت بها ثلاث حناجر ذهبية تقودها عصا الساحر الواقف فوق المنصة، والتي هي في الأصل ترانيم دينية باللغة المصرية القديمة غير المفهومة لدى جمهور المتابعين، وبرغم ذلك تركَت في النفوس هذا الأثر النافذ.

يبدو أن الموسيقى لا تحتاج لكلمات تلتحم معها لتصنع تأثيرها الفريد، فهي في ذاتها لغةٌ مستقلة مكتملة الأركان عابرة للثقافات يتأثر بها الكثير، ويتجاوب معها العابد في صلاته والصياد فوق سطح قاربه، تُخاطب الروح دون حاجة لتفسير ولا لترجمة مصاحِبة؛ لغة لا تنحاز كثيرًا للعِرق أو اللون ولا تعترف صراحةً بالمواقف المسبقة، بل تستدرج القلب رأسًا لمحاكاة إيقاعها المهيمن على الأسماع.

ثمة عدد لا بأس به من المشتركات بين اللغة والموسيقى، فاللغة تَنظُم الأصوات لتصنع منها الكلمات، ثم تنظُم الكلمات في ترتيب تتعارف عليه جماعة من الناس، فيصير للأصوات حين تتصل ببعضها البعض معنى أكبر من معانيها المنفردة، وأثر يتسلل بين العبارات فتستجيب إليه الأنفُس.

كذلك تفعل الموسيقى الشيءَ نفسَه، إذ تُنوِّع في ابتكار الأصوات ونظمها في موازير وجُمَل موسيقية، فتُضفي على النغمات أثرًا معنويًّا أكبر من تأثير الأصوات المتفرقة، فتصير، مثلها مثل اللغة، وسيلة للتعبير عن المعاني وإحداث الأثر في الشعور.

ومثلما تَستخدِم اللغة رموزًا مكتوبة تُتيح قراءتها وفهم محتواها دون مساعدة من واضع الكلمات، يستعمل المؤلفون الموسيقيون رموزًا يُدوِّنونها بطريقتهم الخاصة، لا تُتيح التعرف على محتواها النغمي فحسب، بل وتكرارها وفقًا لمازورة زمنية موقوتة، بحيث تُقرأ وتُفهم النوتة الموسيقية في أي مكان وأي زمان على نحو لا يحتمل التفاوت.

أثبتت العديد من الأبحاث أن الاستماع المبكر للموسيقى يساعد في تدريب الأطفال على التفريق بين الأصوات ويُساهم في تطوير مهاراتهم اللغوية، إذ أن اللغة والموسيقى تتشاركان في منطقة واحدة من المخ، تقوم باستقبالهما ومعالجتها بطريقة تكاد تكون مماثلة.

وتُعد الموسيقى إحدى أقدم اللغات التي عرفها البشر، وتفاعلوا عن طريقها مع العالم المحيط إرسالًا واستقبالًا، ولذا فلا بد أن الإنصات لأصوات العالم كان سبيلهم لاكتشاف الموسيقى، وأن رغبتهم في محاكاة هذه الأصوات الكونية والتواصل معها كانت طريقهم لإبداع الغناء والأصوات والآلات والإيقاعات.

قد يقول قائل إن الموسيقى أكثر تعقيدًا من سائر اللغات، وأن الطريقة التي تؤثر بها في النفوس غامضةٌ على نحو مُستعصٍ على التفسير، فالتأثر بالكلمات واضح لا لُبس فيه، إذ نتفاعل مع المعاني التي تعكسها ونتماهى مع المشاعر التي تنقلها لسبب أو لآخر، إذ ربما نكون مررنا بتجارب مشابهة تركَت لدينا أثرًا مماثلًا، فيكون ثمة سبب واضح ومباشر للتأثر.

أما النغمات فلها شأن آخر، إذ ما الذي يجعل نغمات موسيقية معتادة مثل “ري” و”مي بيمول” و”فا” و”صول بيمول” و”لا”، حين تُعزَف مُتتابعةً لتصنع سُلَّم الصبا، أحد المقامات الموسيقية الشرقية، تُشيع في نفْس السامِع هذا الحس العميق بالشجن والحزن؟

مَن أنصَت للفنانة المصرية شادية وهي تشدو بأغنية “سيد الحبايب”، من تلحين منير مراد، ولم تُخالجْه هذه الرغبة الغامضة في البكاء؟ قد يُجادل البعض بأن معرفتَنا بما سيلحق بغناء شادية من أحداث في فيلم (المرأة المجهولة) هو ما يثير الشجن لهذا الحد.

هنا يتوجَّب الرد عمليًّا على هذا الزعم، لو أردنا تبيان تأثير الاستماع للمقام الموسيقي منفردًا دون أي سياق إضافي، وذلك بأن ندعو صاحب الرأي للإنصات لبعض التقاسيم الحرة على مقام الصبا، على أن يصف لنا ما يجده في نفسه من أثر لدى سماع هذه النغمات مجتمِعة وغير مصاحبَة بكلمات، أو ربما نحمله على سماع سيدة الغناء العربي أم كلثوم فيما تشدو “كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله”، فالكلمات هنا تبوح بالغرام في أزهى صوره.

أما موسيقى بليغ حمدي فتتخذ من سُلَّم الصبا مرتقىً لبلوغ أقصى درجات الشجن في هذا الكوبليه، وتنجح بيُسر في أن تذرف الدموع من أعين المستمعين الرهفاء. ألا يمثل هذا دليلًا على تأثير الموسيقى المستقل عن السياق والكلمات؟

تضحك وتبكي

الفوتوبلاير آلة تصنع “النكات” و”اللازمات” الفجائية
الفوتوبلاير آلة تصنع “النكات” و”اللازمات” الفجائية

على النقيض من ذلك، يمكن للموسيقى أن تضحك وتهزل وتُفاكِه المستمعين، وربما يكون أقرب مثال يخطر للذهن حين تُذكَر الموسيقى الفكاهية، هي الموسيقى التصويرية المصاحبة للمشاهد الهزلية، سواء في الأفلام الكوميدية أو أفلام الرسوم المتحركة.

وقد سبق أن قامت أوركسترا المايسترو الإنجليزي جون ويلسون بتقديم موسيقى “توم أند جيري” للمؤلف الموسيقي سكوت برادلي في أثناء حفل للموسيقى الكلاسيكية في مسرح ألبرت هول الشهير.

فإذا بالجمهور يُنصت بتركيز لمدة دقائق، ثم ينفجر عدد من الحضور في الضحك في أماكن متفرقة من القاعة، ليس بسبب تذكُّرهم للقط توم فيما تهبط فوق رأسه مقلاةٌ ثقيلة تُبطِّطه مثل قطعة العجين، ولكن بسبب “النكات” الموسيقية و”اللازمات” الإيقاعية التي تتخلل المقطوعة الموسيقية على نحو يثير الضحك، حتى حين يُستَمَع إليه بعيدًا عن سياق الرسوم المتحركة.

غير أن جذور الموسيقى الكوميدية أبعد بكثير من الأفلام والرسوم المتحركة، إذ يُمكن معاينتها في عروض البهلوانات والمهرجين وغيرها من الفقرات السيرك، كما نختبر نماذج أخرى تثير البهجة والنشوة أكثر من الضحك، كالتي تعزفها فرق الآلات النحاسية في الكرنفالات والمهرجانات.

بإمكان الفن في العموم والموسيقى على وجه الخصوص أن يكون ركيزة أساسية في بناء شخصية الفرد وهوية المجتمع

وقد تم اختراع آلة موسيقية في أوائل القرن العشرين تُسمّى الفوتوبلاير (photoplayer) بحيث يُمكن لعازف بيانو منفرد أن يُقدِّم تنويعات شتى من الموسيقى الفكاهية دون استعانة بعازفين آخرين، إذ تُشبه آلة البيانو بدرجة كبيرة مع إضافة بعض الأدوات والآلات التي بإمكانها أن تصنع “النكات” و”اللازمات” الفجائية التي تُحدث الدهشة وتُثير الضحك.

ومن الجدير بالإشارة أن جميع هذه المقطوعات الموسيقية الفكاهية، سواء الخاصة بالأفلام أوالرسوم المتحركة أو فقرات السيرك والكرنفالات، يتم تأليفها على السُلَّم الموسيقي الكبير –المسمّى عند العرب مقام العجَم- المكون من نغمات “دو” و”ري” و”مي” و”فا” المعتادة، ما يُؤكِّد أن المزج بين نفس النغمات في تراكيب مختلفة يُحدث أثرًا مغايرًا في النفس، بغض النظر عن السياق المحيط بالمعزوفة.

إن عصا الموسيقى السحرية ليست حكرًا على قائد الأوركسترا فقط، بل هي مِلك يمين كل مَن يُقدِّر هذا الفن الفريد ويدرك تأثيره، ويعرف أن امتلاك وسيلة تُخاطب الروح مباشرةً ودون ترجمان، هو أنفس ما يمكن لمسؤول أن يتحصَّل عليه لو أراد أن يُحدِث صحوة حقيقية من موقع مسؤوليته.

بإمكان الفن في العموم، والموسيقى على وجه الخصوص، أن يكون ركيزة أساسية في بناء شخصية الفرد وهوية المجتمع، وأن يصبح الوسيلة المثلى لإحداث صحوة ثقافية وإنسانية تفوق ما يستطيعه التعليم والتوعية.

فقياسًا لما استطاعَت موسيقى هشام نزيه أن تُحدثه في نفوس مُتابعي الموكب المصري خلال ساعة من الزمن، والذي لا يستطيعه العديد من البطولات الرياضية خلال أسابيع، والبرامج التوعوية خلال أشهر وسنوات، يمكننا أن نتصوّر ما يُمكن لدعم الفنون وإفساح المجال للمبدعين أن يعود به علينا كأفراد وشعوب، ويصير لزامًا علينا أن ننتبه لقوة الفن الناعمة التي لا تُماثلها قوة، ولا يناهزها شيء آخر في مخاطبة المشاعر وتقويم اعوجاج بعض النفوس.

فن يتجاوز اللغة (لوحة للفنان سعد يكن)
فن يتجاوز اللغة (لوحة للفنان سعد يكن) 

 

13