الموسيقى في شوارع أوروبا طريقة عيش وتعايش

موسيقى الشارع هي الموسيقى بكافة أنواعها عندما يقوم بعزفها أحدهم في الطرقات العامة، وفي العادة يكون ذلك مقابل ما يطرحه له المارة من الأموال، وهي تعتبر مورد رزق للكثيرين، من بينهم الشابة الفرنسية يانا التي تبلغ من العمر19 عاما، والتي تركت منزلها الفرنسي في مدينة نيس.
الجمعة 2016/02/26
مهنة المشردين

قررت يانا أن تترك منزل أهلها، وتبدأ عالمها الحقيقي في الشارع، وقرارها هذا ليس قرارا مرفها، حيث أنها تركت منزل الأهل لأسباب اجتماعية، فزوج والدتها دخل في حالة نفسية مضطربة وبدأ يضربها وإخوتها، الفتاة التي أتمت تعليما مقبولا، ودراسة أكاديمية للعزف على آلة البيانو، هي اليوم تتجول في شوارع مدينة روان، عاصمة الإقليم النورمندي، دونما مكان تسكن فيه، ولتدخل عالم التشرد، والاختلاط غير الآمن مع مشردي الشارع في فرنسا، وتحديدا لتنتمي إلى طبقة العازفين المشردين الذين يملؤون الشوارع الفرنسية، والذين من الممكن أن تراهم في مترو باريس، أو في زوايا الطرقات والأسواق يعزفون بكل شغف، لحنا للحياة، للعابرين أمامهم.

لا تستطيع يانا أن تغيّر الكثير في حياتها، ورغم أنها تكتب الأغاني وتلحنها بمفردها، والتي هي خليط بين معاناتها الفردية، والتجارب العامة، التي تراها لدى زملائها في المهنة، لدى أولئك الموسيقيين الذين ينتشرون في كل مكان، ويعزفون بكامل طاقتهم، مقابل القليل من المردود، وبصمت.

كما تمتلك يانا حقيبة للكتف تكاد تنفجر، تضع فيها بعض الأدوية، المضادة للبرد، أو بعض مواد الإسعافات الأولية، وأطعمة معلبة، وبعض الحلويات، والقليل من الخبز، ولا تعلم تلك الفنانة اليافعة التي تعزف بكل طاقتها، ماذا ستأكل اليوم؟ أو إن كانت ستجد هذه الليلة، من يأويها في منزله، لتتمكن من الاستحمام، وترتيب أغراضها.

تكتب يانا كل يوم أغنيات عدة باللغة الفرنسية، تصف فيها حياتها الكارثية “لو كنت يوما مثلي، لو فشلت، وانتظرت الدواء، فإياك أن تصدق أن الموت قادم، إياك أن تصغي إلى العدل، فقط المزيد من البرد سيحيط بك”، وسرعان ما تبدأ في تلحينها، مرتجلة الأغنية.

يانا تفضل أن تعيش حريتها الشخصية، لكونها تؤمن أن ثورتها، أفكارها تجاه الحياة، مسألة فردية خالصة

وتجلس خلال النهار في مقهى اعتاد على الشغب الموسيقي الذي تقوم به، لتحظى بالقليل من الدفء، إنها مأساة متنقلة، لكن بثياب أنيقة، ورائحة قد تكون أقرب إلى روحها التي تحوم في الشوارع بحثا عمّن يبتسم لها، فقد لا تحصل على الكثير من المال جرّاء هذه الموسيقى التي تقدمها على آلة القيثارة الكلاسيكية، وربما لن تدرّ عليها الأغنيات التي تؤلفها بنفسها الكثير، لكنها قد تنقذها من الجوع، فالبعض يقدم لها الطعام، أو المال، وربما قد تكفي الابتسامات، والدفء الإنساني، المتبادل معها من المارة، لتشبع غريزتها الفنية بقليل من اللطف.

تروي يانا، أنها صادفت مرة رجلين من رجال الشرطة، بدأ أحدهما بالرقص فرحا أمامها وهي تعزف وتغني، أما الآخر فقد بادر بإعطائها 20 يورو، كانت بالنسبة إليها حادثة مميزة، حيث اعتقدت أن الشرطة ستطردها، أو تمنعها من الغناء، لكن هذا لم يحدث.

ليست الحياة سهلة، وليس خيار يانا أن تكون في الشارع، إنه نظام اجتماعي أوروبي، لا يعتمد مبدأ التكافل الاجتماعي، فرغم أنها تمتلك عائلة كبيرة، لكنها من الصعب أن تطلب المساعدة، ولن تعلم أمها أنها في الشارع، ولقد أضاعت أيضا وثيقتها الشخصية حينما تعرضت ليلا للنهب، وهي تتحرك اليوم بوثيقة من الشرطة تثبت هويتها.

تفضل هذه الفنانة اليافعة أن تعيش حريتها الشخصية، على حساب تماسكها الإنساني، لكونها تؤمن أن ثورتها، أفكارها تجاه الحياة، مسألة فردية لن يستطيع أحد فهمها، إنها أيقونة من التمرّد والمأساة والعجز، طبعا هي تودّ أن تغيّر حياتها، وأن تفعل شيئا آخر يجعلها مستقرة في منزل، لكن الموسيقى، العزف في الشارع وللآخرين، منقذها الوحيد الحالي من الوحدة والعدم.

17