الموسيقى والفنون البصرية تتألق في مهرجان تونسي

متلقى "تيسدريس الدولي للفنون البصرية" يحتضن معرضا جماعيا جاء مُتسقا وشعار الملتقى "سحر الألوان بين أحضان الطبيعة" قدّم فيه المُشاركون لوحات ومنحوتات جامعة لكل المدارس.
الجمعة 2019/07/26
تجانس بين ماضي الأجداد وما يُبدعه الأحفاد

بأكثر من أربعين فنانا وفنانة من تسع دول بين عربية وأجنبية تتواصل بمدينة الجم التونسية حتى الأحد، فعاليات الدورة الثانية من ملتقى “تيسدريس الدولي للفنون البصرية”، وهو المهرجان الذي جعل المدينة التاريخية وأهلها يعيشون على امتداد خمسة أيام متعاقبة على وقع اللون والموسيقى الكلاسيكية والجماليات البصرية.

الجم (تونس)- افتتح، الثلاثاء، ملتقى “تيسدريس الدولي للفنون البصرية” بالمدينة التاريخية الجم (وسط تونس) دورته الثانية بمعرض جماعي تماهى فيه الحاضر بالتاريخ، وذلك من خلال إقامة صالون دولي للفنون التشكيلية بالمتحف الأثري بالجم ضم أعمالا تشكيلية لأكثر من أربعين فنانا وفنانة من تسع دول هي: ليبيا والجزائر والعراق ومصر وروسيا وفرنسا وإيطاليا وأوزباكستان وتايوان، وطبعا تونس البلد المنظم.

والمعرض الذي جاء مُتسقا وشعار الملتقى في نسخته الثانية “سحر الألوان بين أحضان الحضارة” قدّم فيه الفنانون المُشاركون لوحات ومنحوتات جامعة لكل المدارس الفنية الممكنة.

غموض في حضرة الغياب

المهرجان يجمع بين الموسيقى السيمفونية وجماليات الرسم في تماس مع التاريخ والحاضر والمستقبل معا
المهرجان يجمع بين الموسيقى السيمفونية وجماليات الرسم في تماس مع التاريخ والحاضر والمستقبل معا

من مصر قدّم وليد جاهين لوحتين بتقنية خاصة تظهر فيها أعماله وكأنها مطبوعة، وما هي بمطبوعة، أشبه بالـ”كولاج”، وليست كولاجا تماما، وهو “تكنيك” فنّي يقوم على تجميع أشكال مختلفة لتكوين عمل فني جديد ومغاير، بعيدا عن الرسم الزيتي التقليدي، أسلوب تميز به الفنان الإسكندراني منذ تخرجه عام 1997 من كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، وهو الحاصل على دكتوراه في الفنون الجميلة، تخصّص تكنولوجيا التصوير، حيث كان عنوان رسالته العلمية “المستجدات التكنولوجية وأثرها على فن التصوير المعاصر”.

وتميزت لوحتا جاهين بجرأتها الشديدة وبحثها الخاص في إشكاليات العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة في الماضي والحاضر والمستقبل، وهو الذي يستلهم ألوانه الصارخة وتكويناته التشكيلية المركبة ممّا علق بذاكرته الجامحة خيالا سواء من ثقافته الفرعونية الحاضرة دون الكثير من الثرثرة في لوحاته أو من خلال ما علق في ذهنه من زياراته للعديد من العواصم العالمية منها: سيول وأثينا وسمرقند وميكانوسو لتحضر ثيمتا الإنسان والمكان بقوة في أيقونات جاهين المُسافرة خيالا والمتأصلة ألوانا شرقية.

وبشخصياته العملاقة التي تهيمن على اللوحة قدّم الفنان التونسي المخضرم أحمد الزلفاني في المعرض لوحتين لم يحد فيهما عن أسلوبه الفني المخصوص له دون سواه، والذي تأتي فيها الشخصيات، أو الشخص الواحد، أو الوجوه، رجال ونساء وأطفال أيضا، بملامح مُتشابهة، لكنّها غامضة تراوح بين الضوء والعتمة، بين الوضوح والالتباس، لتُسائل الحاضر التونسي المُلتبس: إلى أين نحن ماضون؟

الشخص عند أحمد الزلفاني هو صانع المساحة، وهو بطلها أساسا، وما تقنيته التقليل والتضخيم إلاّ مُتممان لتلك البطولة الأحادية لشخصه المُنتقى، وإن تحوّل في إحدى لوحاته المُبشّرة بالخراب إلى شجرة سامقة، والوجوه حولها وأمامها مُتعجّبة من شموخ الشجرة وغموض المارين خلفها، بهندامهم المُخفي لملامحهم وما يحملون من إبهام في باطنهم؟

وبوجه غير مُكتمل لامرأة تبدو باذخة الجمال إلاّ ممّا لم يُرد الرسام كشفه للعيان، أتت لوحة للفنان الليبي فاخري القذافي مُربكة للأنا المتلقّي، مُستفزة فيه سؤال: هل باتت وجوهنا، كلّ وجوهنا في هذا الزمن الغاضب، العاصف والمُرتهن لما سيأتي بلا ملامح وإن كان لسيّدة تبدو بملامح أنثوية صارخة، لكنّها شاحبة التفاصيل؟ فمن أدرانا بما تخفيه التفاصيل؟

ومن تايوان قدّمت الفنانة التايوانية- التونسية مانلينغ شان لوحة بإخضرار ربيعيّ صارخ يُحيلنا إلى الفردوس المفقود ليد ممتدّة نحو قفل أشبه باليد “الخُمسة” التي كانت تُعلّق على الأبواب التقليدية التونسية ليتمّ قرعها من الوافد على الدار حتي يفتح أهل الدار له الباب على مصراعيه إيذانا له بالدخول، إلاّ أن “خمسة” شان أتت في لوحتها مُعلّقة بين الخضرة والأشجار، فالجار هنا أمّنا الطبيعة، والقارع عليها يد بشرية ملّت المدينة وصخبها، وربما الحياة وشططها، فقرعت باب الجنة الموعودة علّها تكون الملاذ الأخير، فهل سيُفتح لها الباب أم سيظلّ موصدا دونها، ودوننا جميعا؟

سيمفونية الألوان

شخوص شاردة وشريدة
شخوص شاردة وشريدة

غير بعيد عن المعرض الافتتاحي الذي أقيم، الثلاثاء، بالمتحف الأثري بالجم، وهو المتحف الذي يضم أهم اللقى واللوحات الفسيفسائية الرومانية في تماه حميمي بين الماضي التليد لمدينة الجم التاريخية والحاضر الجمالي الفريد لضيوف ملتقاها “الوليد” للفنون البصرية، تتواصل وحتى الثامن والعشرين من يوليو الجاري ورشات الرسم المفتوحة لكل ضيوف ملتقى تيسدريس للفنون البصرية في نسخته الثانية بمسرح قصر الجم الكبير، ليرسم الفنانون من وحي القصر لوحات بضوء تونسي أصيل وألوان سيمفونية كونية، تُحيل إلى ما آل إليه القصر الكبير في الزمن الراهن وهو الذي تحوّل منذ ما يزيد عن الثلاثة عقود إلى محجّ لعشاق الموسيقى السيمفونية.

وعن ذلك تقول التشكيلية التونسية والمنسق العام للملتقى، شهلة سومر “الجميل في دورة هذا العام، أن المشاركين والضيوف على حدّ سواء تسنى لهم حضور سهرتين للموسيقى السيمفونية بالمسرح الروماني بمدينة الجم والذي كان أيضا مكان ومقرّ الورشات، وهذا في حد ذاته نقطة مضيئة أتت لصالح المهرجانيين، نظرا إلى أهمية هذا الصرح التاريخي الذي يعدّ ثاني مسرح روماني في العالم من حيث المساحة والعراقة والهيبة، والقصر المنتمي منذ أربعين سنة إلى قائمة التراث العالمي باليونسكو، فيه التقى سحر اللون والضوء التونسي بالتاريخ التليد لتفرز الورشات أعمالا استلهمت من كل ما تقدم لوحات تحتفي بالقصر وخلوده والحاضر وشروده والمستقبل وطموحه”.

وبدوره يقول سالم قاسم، مدير دار الثقافة بالجم “أن يلتقي التاريخ والحضارة بالفنون المُعاصرة، في تجانس بين ماضي الأجداد وما يُبدعه الأحفاد، أحفاد تونس الكونية حول العالم، يؤسّس لمهرجان مُختلف أردناه جامعا للموسيقى السيمفونية والجماليات البلاستيكية في تماس مع التاريخ، الحاضر والمستقبل أيضا”.

والملتقى الدولي للفنون البصرية تيسدريس في دورته الثانية يأتي برعاية وزارة الشؤون الثقافة التونسية وتحت إشراف مندوبية الثقافة بالمهدية ودار الثقافة بالجم برئاسة سالم قاسم وبالتعاون مع الجمعية العالمية للموسيقى السمفونية بالجم، وبدعم من دار الفنون البلفدير (تونس العاصمة).

وكلمة تيسدريس تعني في العهد الروماني، قصر الجم أو مسرح الجم والذي أدرج سنة 1979 على لائحة مواقع التراث العالمي من قبل اليونسكو. ويقع تحت حلبته رواقان يصلهما الضوء من الفتحة الوسطى في الحلبة، كما كانت هناك فتحتان من جانبي الحلبة لرفع الوحوش (من أسود ونحوها) والمصارعين (من أسرى الحرب والمتجالدين)، حيث كانت الوحوش والمصارعون يُأسرون في غرف تحت الحلبة.

وأقيمت في مسرح الجم، في العهد الروماني، مصارعات الوحوش ومعارك المصارعين وسباقات العربات، حيث كان الشعب والنبلاء الرومانيون يجلسون لمشاهدة تلك الاستعراضات.

وأصبح قصر الجم، حاليا، مسرحا لأشهر الفنانين والموسيقيين العالميين، إذ تقام فيه سنويا مهرجانات وحفلات لأهم الفرق العالمية، خاصة منها السيمفونيات وفرق موسيقى الجاز.

17