الموصليون يتعلقون بالأمل في إعادة إعمار مدينتهم

ناشطون يحذرون من مخطط يستهدف محو المعالم لمدينتهم القديمة وإجبار من يقيم فيها الآن على مغادرتها.
الأربعاء 2019/07/10
الموصل الغربية تغرق في الأنقاض

مازال الموصليون لم يفقدوا الأمل في عودة الحياة إلى مدينتهم بشقيها الأيمن والأيسر كما يسمونها، وهم رغم الاتهامات بتقاعس الحكومة يعولون على جهودهم الذاتية والمنظمات الخيرية في إعادة تأهيل مساكنهم بالمدينة القديمة، رغم وعود محافظ نينوى بالمضي قدما في إعادة إعمار المدينة على مراحل، نافيا اتهامات الناشطين المدنيين بمحاولته طمس المعالم التاريخية للجانب الغربي من الموصل.

الموصل (العراق) – تعتبر أسرة يونس أبورجب أول العائدين إلى منطقة القليعات بالمدينة القديمة غربي الموصل لتسكن منزلها بعد أن أعادت بناءه بجهود ذاتية وبمساعدة إحدى المنظمات المحلية ليصبح أول بيت يضيء تلك المنطقة التي انعدمت فيها الحياة، عند النظر إليها من الجانب الشرقي للموصل.

وقال يونس أبورجب، وهو أقدم حداد في سوق الحدادين وسط مدينة الموصل، “عدنا إلى منزلنا من أجل أن نعيد الحياة للمنطقة المهجورة، لأن دوران الحياة يجب ألا يتوقف رغم كل الصعوبات”.

وأضاف “أسكن في منزلي هذا منذ سنين طويلة، لكني اضطررت لهجرته أثناء معارك التحرير وانتقلت إلى الساحل الشرقي للموصل واستأجرت منزلا”، لكن ظروف الحياة القاهرة أجبرته كما يقول على أن يقوم بترميم المنزل وإعادة بنائه والعودة إليه السنة الماضية بسبب ارتفاع أسعار الإيجار في الساحل الشرقي لمدينة الموصل.

وتابع “رغم صعوبة الحياة استطعنا أن نوصل الكهرباء، وساعدتنا إحدى المنظمات الخيرية في مد أنابيب المياه الصالحة للشرب”.

ويأمل أبورجب أن تشجع عودته المئات من العائلات الأخرى من جيرانه على العودة إلى المنطقة لكي تنهض من جديد ويزاح عنها ركام الحرب والدمار الذي خلفه تنظيم داعش.

وبعد عامين على توقف المعارك في مدينة الموصل وتحريرها، مازالت ثاني مدينة عراقية من حيث الكثافة السكانية بعد العاصمة بغداد تعاني من مخلفات الدمار والأنقاض التي جعلت أزقة المدينة غير صالحة للعيش، لكن هناك بوادر جديدة تفتح للموصليين فسحة من الأمل لتعود مدينتهم إلى نشاطها ونظافتها.

ولم يسلم من دمار الدواعش أي مبنى أو لوح أو زجاج، فقد دُمّر عدد من المواقع الأثرية، ومنها موقع نمرود الأثري ومتحف الموصل وضريح النبي يونس والمنارة الحدباء، وأصبحت أطلالا. وغدت الآلاف من المنازل أكواما من الركام.

ولم تبدأ بوادر عملية إعادة الإعمار بشكل رسمي من طرف الحكومة خلال العامين الماضيين، وما وجد من إصلاحات فهي جهود ذاتية من السكان والمنظمات الإنسانية، واقتصرت جهود الحكومة على رفع الأنقاض وتنظيف بعض الشوارع وإعادة إعمار الدوائر الحكومية، فكانت محل انتقاد من طرف الناشطين المدنيين وصل إلى حد اتهامها بالتعمد في إهمال المدينة وخاصة المدينة القديمة.

واعترف محافظ نينوى الجديد منصور المرعيد بعدم وجود إعمار حقيقي، عازيا ذلك إلى سوء الإدارة والمشكلات السياسية.

وقال المرعيد الذي تسلم مهامه قبل شهر وبضعة أيام لوكالة أنباء “شينخوا”، “إلى حد هذه اللحظة لا يوجد شيء اسمه إعمار”.

 بصيص أمل

الجهود الفردية لا تكفي
الجهود الفردية لا تكفي

تشير الإحصائيات حول نسبة الخسائر في الموصل إلى تدمير أكثر من 11 ألف منزل، و63 مسجدا وكنيسة أغلبها تاريخية، كما دمر 212 معملا وورشة و29 فندقا وتسعة مستشفيات و76 مركزا صحيا، إضافة إلى تدمير جسور المدينة الخمسة، وتدمير 308 مدارس و12 معهدا وجامعة الموصل وكلياتها ومكتباتها، ولا تزال صور الدمار ماثلة في الجانب الغربي للمدينة.

ويقول محافظ نينوى “نسبة الدمار في الجانب الغربي للموصل كبيرة جدا، فبعض المناطق مدمرة 100 بالمئة وهناك مناطق مدمرة بنسبة 60 بالمئة ومناطق أخرى مدمرة بنسبة 40 بالمئة”.

ومع ذلك هناك بصيص أمل وإشارات إلى إعادة الإعمار وهذا ما جعل سكان المدينة يستبشرون خيرا، من ذلك وضع سياج حول جامع النوري ومنارته الحدباء أحد أهم معالم المدينة، للبدء بإعماره بعد أن تبرعت دولة الإمارات بالأموال لذلك بالتنسيق مع منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة.

وجمعت اليونسكو منذ أسبوعين خبراء وفنانين في فاعلية لدعم إعادة إعمار مدينة الموصل، ومن يعملون على إعادة بناء نسيجها الاجتماعي والثقافي الذي دمره الدواعش.

واتحدت اليونسكو والأمم المتحدة وجهات أخرى من أجل دفع جهود إعادة بناء الآثار والمكتبات التي دمرها المتطرفون بين 2014 و2017.

وقال نائب المدير العام للثقافة في اليونسكو أرنستو أوتوني إن “المرحلة الأولى من إعادة الإعمار تمثلت في القضاء على الألغام المضادة للبشر، والتي تحتل 82 بالمئة من المدينة”.

وقال الناشط المدني الموصلي محمد حسين الحيالي “بدء عجلة حركة الإعمار بالدوران يعني توفير الآلاف من فرص العمل لأهل المدينة وأطرافها أيضا، حيث أن الكثير من المصانع والمصالح التجارية متوقفة وأغلب العائلات تعتمد على الرواتب الشهرية فقط”.

وحذر الحيالي من “أن ترافق عمليات الإعمار عمليات فساد من قبل مسؤولين ومقاولين من داخل المدينة وخارجها، خاصة ممن لهم باع كبير في عمليات فساد ألحقت الضرر الكبير بالمدينة وأهلها منذ عام 2003 وإلى حد الآن”.

وقال المحافظ منصور المرعيد “الإعمار يحتاج متطلبات، والمحافظة فيها دمار بكل القطاعات وعلى كل المستويات بما في ذلك الوضع الإداري بديوان المحافظة”، مبينا أنه وبعد استلام مهامه بدأ بعملية تقييم للعاملين ومحاولة وضع كل شيء في محله الصحيح.

وأضاف متفائلا “المبالغ خصصت للمحافظة هذا العام، وبدأنا نضع أولويات للإعمار، حيث تأتي الأولوية القصوى للبنى التحتية والجسور والمستشفيات والمدارس″.

وأكد أن العمل بدأ باثنين من أصل أربعة جسور مدمرة في الموصل، وتم الاتفاق مع وزارتي الصحة والتخطيط على توزيع التمويل والتوقيت في ما يخص إعمار المستشفيات.

وأوضح أن الحكومة المحلية اتفقت مع شركة فرنسية لإعادة إعمار مطار المدينة، لكي يصبح جاهزا للعمل في شهر يونيو من العام المقبل، مشددا على أن العمل سيستمر في المشاريع التي تشكل الأولوية الثانية للمحافظة ومنها الطرق والخدمات العامة، قائلا “كل قطاع أخذ حصته في الموازنة لهذه السنة التي ستنطلق خلال الأيام القليلة المقبلة”.

وخاطب المرعيد أهالي نينوى قائلا “نحن ماضون في عملية الإعمار، وخلال فترة قريبة سوف يظهر شيء على أرض الواقع، وندعو الجميع إلى التعاون، لأن المعركة اليوم هي معركة الإعمار ويجب أن يكون الأداء بنفس مستوى التضحية التي قدمت من أجل تحرير المحافظة”.

وحذر ناشطون في مدينة الموصل من مخطط يستهدف مدينتهم لمحو تاريخها وإجبار أهالي المدينة القديمة وخاصة من يقيم فيها الآن على مغادرتها.

ووجهت الانتقادات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي الشهر الماضي لمحافظ نينوى منصور المرعيد، على خلفية ظهوره في تسجيل مصور مع عدد من أهالي الموصل القديمة. وبحسب المقطع المصور، فإن المرعيد التقى مواطنين من المدينة القديمة وتحدث معهم بشأن بيع ممتلكاتهم المدمرة وإنشاء مبان حديثة ومعاصرة بدلا عنها.

واستنكر الناشطون حديث المرعيد، واتهموه بمحاولة استهداف تراث المدينة القديمة، وأطلقوا عبارات من بينها “الموصل القديمة ليست للبيع″، “الموصل القديمة تاريخ المدينة وعلى الجميع الحفاظ عليها”، “من لا تاريخ له لا يهتم بالتاريخ”.

وعلى خلفية الموضوع نفى المرعيد تقديمه عرضا لأهالي المدينة القديمة لبيع أملاكهم، كما نفى تقديمه عرضا للأهالي بتدمير البنايات القديمة وإنشاء معالم حديثة بدلا عنها.

وقال إن “الشكل الهندسي والمعماري للمدينة القديمة في مرحلة الإعمار لم يتم تحديثه لغاية الآن، وإن اجتماعات الهيئات والجهات المختصة متواصلة للخروج بصيغة نهائية تحدد شكل الإعمار في تلك المناطق”، مبينا أن الآراء ركزت على إبقاء المناطق القديمة والأثرية وترميمها، وأن المقترح المقدم يتضمن إنشاء مجمعات سكنية حديثة فقط في المواقع المدمرة بالكامل الممتدة من الجسر العتيق إلى الجسر.

وتعد المدينة القديمة قلب الموصل، إذ تقع في محاذاة نهر دجلة من الجهة الغربية (الجانب الأيمن للمدينة) وتبلغ مساحتها نحو أربعة كيلومترات مربعة، وتمتد واجهتها على النهر لمسافة ثلاثة كيلومترات.

الدمار حول المدينة القديمة تمثل في كومة من الأنقاض والهياكل المدمرة الخالية من الحياة، ورغم ذلك وقع ترميم بعض المنازل وسط أكوام هذه الأنقاض، وبعضها طلي بألوان زاهية لتبدو كأنها أزهار مفتحة وسط الدمار.

ولا يزال سكان المدينة القديمة، وهم من الفقراء ومحدودي الدخل، يأملون في أن تبدأ عمليات الإعمار للعودة إلى منازلهم واستئناف حياتهم الطبيعية التي حرموا منها طيلة سنوات.

ويشيد سكان المدينة القديمة بالجهود التي بذلتها المنظمات الإنسانية في إعادة الماء الصالح للشرب والتيار الكهربائي لهم رغم قلته حيث خصص لكل بيت 10 امبير من الكهرباء.

وفي هذا الصدد، قال محافظ نينوى منصور المرعيد “شكلنا أخيرا لجنة من نقابة المهندسين والهندسة المعمارية والتخطيط العمراني ودوائر المحافظة وشخصيات موصلية ومكاتب الهندسة في المحافظة وجمعيات وناشطين تضم 25 شخصا لتقديم مشورة نهائية حول كيف سيكون شكل المدينة القديمة في المرحلة المقبلة”.

وأضاف “رأي المواطن يهمّنا، وهناك جهات مختلفة قدمت مشاريع عن وجهة نظرها في ما يخص المدينة القديمة، وبالتالي كل جهة تقدم مشروعا، فأردنا مناقشة كل هذه المشاريع والاتفاق على مشروع واحد  تكون أغلب هذه الجهات متفقة عليه، وبعدما يتم الاتفاق على شكل المدينة القديمة نبدأ عملية الإعمار”.

وأكد المرعيد أن الهدف الأول هو الاتفاق على شكل المدينة القديمة ومن ثم ومن خلال التخصيصات المالية المخصصة من الحكومة المركزية والجهات الاستثمارية نشرع بإعادة عملية إعمارها.

البيت القديم

الموصل الشرقية تتجمل
الموصل الشرقية تتجمل

ليث هاشم نجم البالغ من العمر 59 سنة والذي عاد إلى منزله قبل عدة أسابيع بعد أن رممته له إحدى الجمعيات الخيرية، فيعتبر نفسه الشخص الأكثر حظا في العالم لأن منزله لم يدمر كاملا ولم يفقد أحدا من أفراد عائلته رغم إصابته وأحد أبنائه بجروح لا تزال آثارها باقية إلى الآن.

وقال نجم لوكالة أنباء “شينخوا” وهو الذي يعمل صيادا للأسماك في نهر دجلة القريب من منزله، “رغم أنني أعيش وسط هذه الأكوام من الأنقاض إلا أن أصحاب المنازل المدمرة يحسدونني على وضعي لأني أعيش الآن في بيتي”.

وتابع “أشعر بالسعادة لتواجدي في بيتي الذي رممته وطلته لي جمعية مريم الخيرية، أنا مرتاح في منزلي، رغم أن رائحة جثث الموتى لا تزال موجودة في المنطقة وخاصة عندما يهب النسيم في الليل”.

وأضاف “أتمنى أن يعاد إعمار المنازل المدمرة لكي يعود إليها سكانها، أتمنى أن يعود جيراني إلى منازلهم وتنتهي رحلتهم في المعاناة والتشرد ودفع الإيجارات، كون الغالبية العظمى منهم دون عمل ولا توجد لديهم موارد للعيش إلا ما يجنونه في الأعمال اليومية”.

ومن جانبه، لا يزال علي سعدي البالغ من العمر 45 سنة وأب لخمسة أطفال منهم بنت عمرها 17 سنة اسمها عبير والتي شلت نتيجة ضربة جوية على المنزل في شهر يوليو 2017، يحدوه الأمل في أن يكمل بناء بيته ويعود إليه.

وقال سعدي، والذي كان يحلم بأن يكون أول شخص يعود إلى منزله في المدينة القديمة بعد أن تبرع له شخص ببناء منزله في العام الماضي، “لم أتمكن من تحقيق أمنيتي في العودة إلى بيتي لأن المتبرع فقط أكمل بناء هيكل المنزل، وأنا عاطل عن العمل والحكومة لم تعوضني بأي شيء، ورغم ذلك، مازلت أحلم بأن أعود إلى بيتي، ولدي أمل كبير بذلك”.

وأضاف “أحتاج فقط إلى نحو 6 آلاف دولار لإكمال منزلي لأعود إليه، وعندي أمل كبير في تحقيق هذه الأمنية، من أجل أن أستقر وأبحث عن عمل لرعاية ابنتي المعوقة وبقية أطفالي المحرومين”.

الجانب الشرقي من المدينة والذي يطلق عليه الموصليون الجانب الأيسر عادت الحياة فيه إلى طبيعتها لأن الدمار فيه أقل، لكن لا تزال آثار الدمار على بعض المنازل التي لم يرجع إليها أصحابها كونهم غادروا البلاد منذ سيطرة التنظيم المتطرف على المدينة.

20