الموصليون يستعيدون حياتهم الطبيعية

الموصليون يتشبثون بالحياة، فبمجرد خروج عناصر داعش عادوا إلى نشاطهم رغم العوائق في التنقل وفي توفر الضروريات المعيشية، لكنهم يكابدون من أجل عودة الحياة إلى طبيعتها بفرح، فما عاشوه تحت ظلم الدواعش كان أقسى من كل المصاعب التي قد تعترضهم اليوم بعد أن تحررت مدينتهم وقراها.
الأربعاء 2016/11/30
سوق قرية قوقجلي يكتظ بالباعة والمشترين

قوقجلي (العراق) - في قوقجلي شرق الموصل، بدأ السكان يعودون إلى حياتهم الطبيعية بنشاط بعد حوالي شهر على انسحاب الدواعش منها.

عند مدخل القرية سوق مكتظ بالبضائع وزحمة مشترين في منطقة كانت حتى الأمس القريب مسرحا للخوف والمعارك.

يعلو صراخ الباعة “دجاج، طماطم، سجائر” تقطعه أصوات انفجارات من داخل مدينة الموصل المحاذية لقوقجلي.

في غرفة صغيرة مبنية بألواح الزينك الحمراء اللون، يقطع خالد محمد صالح (55 عاما) الذي فرّ من المعــارك في مدينتـــه الموصل، اللحم لبيعه.

ويقول الرجل الذي لفّ رأسه بكوفية بيضاء وسوداء اللون “المكان هنا آمن أكثر من أي مكان آخر في المنطقة، والسوق منذ حوالي أسبوع يشهد ازدحاما بهذا الشكل”.

في الأول من نوفمبر، دخلت قوات مكافحة الإرهاب بلدة قوقجلي واستقبلها السكان بالترحاب. خرجوا يومها للمرة الأولى بملابس عادية غير تلك التي فرضها عليهم الجهاديون لمدة سنتين، ورووا ما تعرضوا له من فظاعات على أيدي عناصر التنظيم المتطرف، من ضمنها مثلا يتعرض كل من يطلق اسم “داعش” على الجهاديين لـ”تخييط شفتيه”. في السوق الجديد الذي أنشئ قبل حوالي 15 يوما، يتهافت السكان على السلع التي كانت محظورة أثناء سيطرة التنظيم المتشدد على المنطقة.

ويضع عبدالعزيز صالح على طاولة أمامه أكياسا من الحلوى والمعلبات، ويحمل بيده قطعة حلوى مغلفة بكيس بلاستيكي ملون بالأحمر والأزرق، ويقول “هذه النوعية إيرانية، وقد كانت ممنوعة تماما”.

ويؤكد بائع الخضار أشرف شكر (30 عاما) من جهته “في السابق، كان الدواعش إذا صادفوا شخصا يبيع بضائع إيرانية، يصادرونها منه ويوقفونه فورا”.

بهجة الحياة تعود رغم النقائص

ويروي أنه لم يكن في إمكان المرأة أن تتبضع وحدها، “بل كان يرافقها دائما رجل أو طفل يتكلم هو مع التاجر وهي تقف إلى جانبه بخمارها على وجهها”.

ويروي شبان تجمعوا حول بسطة أصدقائهم كيف منعهم الدواعش من الدخان والنرجيلة والهواتف المحمولة وتصفيف الشعر، وحتى من الألعاب النارية.

يقول محمد حمزة “جلدت 220 مرة من الدواعش بسبب السجائر، وسجنت شهرا كاملا عندهم .. قالوا السيجارة كفر، شيء مضحك إذا كان من يدخن سيجارة مرتدا”.

وقال بائع يدعى أحمد هاشم “زادت الطلبات على الأشياء الممنوعة مثل النرجيلة والمعسل ومشروبات الطاقة والسجائر وأشياء أخرى”.

ويشير أحدهم إلى شعره الأسود المرتب بعناية ويقول “حتى تصفيف الشعر كان ممنوعا”.

ويضيف آخر “لم يكن مسموحا للأطفال خلال الأعياد أن يطلقوا الألعاب النارية، لم تكن لديهم سوى الأراجيح”.

ويفترش الباعة بسطاتهم المليئة بصناديق الخضار من طماطم وباذنجان وبطاطس وبصل، فيما يعرض آخرون الحلوى والمعلبات، ويبيع شاب الكاز ورجل مسن اللب.

ويقول فارس ماهر (27 عاما) القادم من حي الزهراء، ليشتري البضائع ويعود بها إلى سكان منطقته، “آتي إلى هنا كل يوم لشراء البضائع وأعود بها لبيعها في حي الزهراء”.

ويضيف أن عناصر داعش “كانوا يأتون بالبضائع من سوريا ويأخذون عمولة مرتفعة عليها. أما اليوم فكل شيء يأتي من أربيل”.

ويقول بائعون إن الأسعار لم تتغير كثيرا بين الأمس واليوم، فسعر الكيلوغرام الواحد من الطماطم أو الباذنجان لا يتخطى الألف دينار. لكن ما يغبط الناس، خصوصا الذين لم يكونوا قادرين على العمل أثناء حكم الدواعش، هو عودتهم إلى الإنتاج.

ويقول فضل حميد (21 سنة) النازح من الموصل “لم تكن هناك أموال بعدما انقطعت عنا رواتبنا وتوقفت أشغالنا، أما اليوم فأموالنا عادت إلينا”.

ويشرح فضل قصته “كنت أعمل موظفا في التخطيط العمراني، وحين دخل داعش انقطع راتبي، فلازمت المنزل معتمدا على راتب التقاعد الذي يحصل عليه والدي”.

عودة البضائع الممنوعة زمن داعش

ويضيف “بعد طرد الجهاديين ذهبت وسجلت أنني تحررت في الدوائر الحكومية، وقالوا لي إنني سأحصل على راتبي مجددا بعد أربعة أشهر”.

في شوارع القرية الداخلية، فتح البعض محلات البقالة، وجلس آخرون أمام أبواب منازلهم، فيما تحولت بيوت أخرى إلى مقار عسكرية.

واستحدث أهالي قوقجلي السوق في الشارع الواقع عند مدخل القرية والذي تحول إلى ممر إلزامي للنازحين الفارين من المعارك في الموصل. ويقول حسين حيدر (24 عاما) وهو أمام بسطته لبيع الخضار إن الزبائن الأساسيين في السوق هم “النازحون الموجودون هنا”. ويضيف “الشغل كثير والناس يأتون يوميا للشراء، والبضائع تصل يوميا من مدينة أربيل”.

ويقاطعه شقيقه محمد الذي يقف إلى جانبه قائلا “قبل أن يدخل داعش كنا نشتغل في الطلاء، ولكن توقفت حركة البناء تماما حين سيطروا على الموصل، فبدأنا ببيع الخضار”، مضيفا “لا أحد يستغني عن الأكل”.

خلف بسطة حسين ومحمد، وقفت شاحنات محملة بصناديق الخضار تسلم البضائع للتجار.

عند طرف السوق المكتظ، يجلس نازحون على الأرض بين الحقائب والأكياس ينتظرون أن تأتي سيارات لتقلهم إلى مناطقهم التي طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها.

وتقول حصة التي تغطي جزءا من شعرها الأبيض بحجاب أسود اللون وتزين ذقنها بوشم عربي تقليدي، “نحن من قرية السفينة (جنوب الموصل)، أتينا إلى هنا منذ شهر وننتظر السيارات لتقلنا إلى بيوتنا المحررة.. لقد تعبنا كثيرا”.

20