الموصل: داعش يضعف وأزمة إنسانية تبدأ

الاثنين 2016/10/24

معركة استعادة الموصل من داعش، ليست مثل معركة الأنبار، فلا أمل للتنظيم بعدها ببقائه في العراق. حسم المعركة لصالح القوات العراقية وقوات التحالف، يعني تفتيت ما كان يزعم عن وجود دولة إسلامية مفترضة للتنظيم وطرده من أكبر معاقله.

كما يمكن اعتبار هذه المعركة الأخيرة لزعيمها الغامض، الشيخ الشبح، أبوبكر البغدادي، الذي لم يظهر إلا في شريط فيديو واحد، غداة احتلال الموصل في يونيو عام 2014 من قبل تنظيمه، وصور خروجه من وكره في سبتمبر الماضي، معركة ربما سيقتل فيها.

لا يستطيع تنظيم داعش البقاء إلى ما لا نهاية مدافعا عن معقله، وذلك لأسباب عدة، من بينها أن خمسة آلاف من مقاتليه لا يستطيعون السيطرة أو الدفاع عن مدينة تعدادها أكثر من مليون ونصف المليون، وأغلب سكانها ينظرون إلى أنفسهم أسرى لدى هذا التنظيم.

كما أن خطته الدفاعية التي أطلق عليها اسم “الخندق”، القائمة على خطوط دفاعية تتمثل في حفر الخنادق، وهي التسمية المستوحاة من معركة الخندق التاريخية التي تعود إلى القرن السابع الميلادي، ووضع حواجز إسمنتية ومصدّات على جميع مداخل الموصل لعرقلة أي تدخل، لا بد أن تفشل أمام زخم أكثر من أربعين ألف مقاتل من قوات الجيش العراقي، تنظم إليهم قوات التدخل السريع، التي تجيد بالضرورة حرب الشوارع، وهو أسلوب معركة لا يجيده التنظيم قدر إجادته استخدام الانتحاريين والدفاع بكتائب تسمى الانغماسيين وجيش العسرة، ذلك ما يسمى مشاغلة أو محاولة لتأخير تقدم قطعات عسكرية مقاتلة، لا غير.

تداعي التنظيم وضعفه بأثر خسائره المتوقعة في المعركة، وهو الذي توّعد الموصليين بالعقاب الشديد في حالة هروبهم من المدينة، سيتيحان للكثيرين منهم النزوح إلى خارجها، لتبدأ عند ذاك أزمة إنسانية من نوع آخر، أزمة تقدرها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأكثر من نصف مليون نازح. وهي موجة نزوح، كبيرة، ستفترض تداعياتها الإنسانية المتشابكة والمعقدة، وهو ما لم يشهده العراق منذ احتـلاله عام 2003، وما خلفه من اختلالات قاسية أضرت كثيرا بالعراقيين.

لذا يبدو تأكيد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، في كلمته التي ألقاها خلال حفل افتتاح الاجتماع الرفيع المستوى في باريس حول مستقبل الموصل، بضرورة إدارة معركة الموصل بـ”مثالية”، خاصة على الصعيد الإنساني لضمان حماية السكان المدنيين المعرضين للخطر، لا يرقى إلا إلى مستوى دعوة سياسية تتأمل إجابات من دون حلول.

خلال العشرة أيام الماضية استطاع أكثر من 50 ألف موصلي الهرب إلى مخيم الهول بالحسكة على الحدود السورية العراقية، وهو من المخيمات التي ينعدم فيها تأمين أبسط الشروط الإنسانية، عدا اكتظاظه باللاجئين السوريين

لقد جاء هذا المؤتمر بمشاركة عشرين دولة، بعد ثلاثة أيام من بدء إعلان معركة استعادة الموصل من هيمنة التنظيم، وهو الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات، تلك التي تتعلق بمدى استعدادات المجتمع الدولي لتأمين إجراءات تحد من تفاقم أزمة إنسانية محتملة، حيث تشير العديد من الوقائع على الأرض إلى صعوبة احتوائها في حالة حدوثها؛ بدءا بنزوح عشرات الآلاف من المدنيين قسرا، والذين سيجدون أنفسهم محاصرين بين خطوط القتال، أو حتى باستخدامهم كدروع بشرية، وفي ظل عدم وجود ممرات تدعوهم للوصول إلى مناطق آمنة.

وتاليا ما ستسفر عنه حالة ملء الفراغ الذي سيخلفه داعش بعد هروبه من الموصل، مع تداخل وتقاطع الأجندات السياسية والأمنية والطائفية، لجهة أطراف سياسية داخلية وإقليمية، التي تنذر توجهاتها المختلفة باشتباكات محتملة لمرحلة ما بعد داعش، في وقت أعربت فيه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن مخاوفها الحقيقية من أن تؤدي معارك الموصل الى كارثة إنسانية، وربما تسفر عن أكبر أزمة نزوح إنساني حصلت في السنوات الماضية، مع توقعات مضافة من العديد من الوكالات الإنسانية ومنظمات إغاثة، افترضت أن ما لا يقل عن 700 ألف شخص سيكونون بأمس الحاجة الى مساعدات طارئة على شكل مأوى وغذاء وماء ودعم طبي.

الواقع على الأرض يؤكد البعض من هذه المخاوف، إذ أنه خلال العشرة أيام الماضية استطاع أكثر من 50 ألف موصلي الهرب إلى مخيم الهول بالحسكة على الحدود السورية العراقية، وهو من المخيمات التي ينعدم فيها تأمين أبسط الشروط الإنسانية، عدا اكتظاظه باللاجئين السوريين.

وفي مقابل هذه المواقف وتوقعاتها الصادمة، يشير المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بغداد، إلى إقامة 5 مخيمات فقط، قادرة على استيعاب 45000 ألف نازح، جراء قلة الدعم الدولي الذي وصل إلى نسبة 48 بالمئة مما كان مرصودا له من مبالغ.

إنه من الحرج بحق، بل من المخجل، أن المجتمع العالمي الذي عرف منذ أشهر استعدادات المعركة المتوقعة في الموصل، هو الآن بانتظار ما ستؤول إليه الأمور على المستوى الإنساني، خاصة في ظل حكومة اكتفى رئيسها حيدر العبادي بدعوة أهالي المدينة إلى التعاون مع القوات الأمنية، مقابل وعود بالبناء وتحقيق الاستقرار.

ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي والبعض من ضباطه الضالعين يذكّرون بما آل إليه أمر ثاني أكبر مدينة عراقية بعد بغداد الذي لا يزال حرا طليقا من دون مساءلة، فيما أهالي الموصل باتوا محاصرين ومهجّرين ونازحين.

كاتب عراقي

7