"الموصل" فيلم تسجيلي أميركي يبحث في ما بعد تحرير المدينة العراقية

مخرج أميركي يتتبع خطوات صحافي عراقي عايش أهوال داعش، والفيلم يتميز بإيقاع مكثف ورؤية واضحة.
الأربعاء 2019/09/04
القوات المشتركة نفت أي وجود للطائفية

في العام الماضي عرض مهرجان فينيسيا السينمائي الفيلم الإيطالي التسجيلي الطويل “داعش غدا: الأرواح المفقودة في الموصل” الذي يعتبر أفضل فيلم تسجيلي طويل عن “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) والأكثر توازنا واكتمالا، فهو ليس فقط عن مقاتلي التنظيم وجرائمهم، بل وعن ضحاياه أيضا من “أبناء داعش” أنفسهم وعائلاتهم بعد تحرير مدينة الموصل في يوليو 2017.

فينيسيا (إيطاليا) – في الدورة الحالية من مهر جان فينيسيا عرض خارج المسابقة الفيلم الأميركي التسجيلي “الموصل” (86 دقيقة) Mosul للمخرج دانييل غابرييل. وهو تجربة جديدة تسير على خطى الفيلم السابق الذي عرض في العام الماضي ونعني به الفيلم التسجيلي الإيطالي “داعش غدا: الأرواح المفقودة في الموصل” Isis Tomorrow: The Lost Soulof Mosul وإن اختلفت زاوية التناول.

فبينما كان الفيلم الإيطالي يبدأ بعد ستة أشهر من تحرير الموصل، يبدأ الفيلم الجديد قبل التحرير، في 2016 بعد أن تمكن تنظيم داعش من السيطرة على الموصل بعد انسحاب قوات الجيش العراقي من حولها وترك الكثير من الأسلحة التي نهبها مقاتلو التنظيم.

ويستعرض الفيلم الجديد المأزق الإنساني العراقي متوقفا أمام نماذج للعراقيين الذين انغمسوا في النزاع بإرادتهم كجنود في قوات الجيش أو قوات الحشد الشعبي أو التحالف العشائري، بهدف تحرير المدينة، أو الذين انعكست عليهم أحداث العنف وأصبحوا ضحايا لها.

وكما كان الفيلم السابق يتوقّف أمام الحالة “الإنسانية” لما بعد تحرير الموصل، ويطرح الكثير من التساؤلات حول المصير المنتظر لأعضاء التنظيم وعائلاتهم الذين أصبحوا أسرى في أيدي الجيش العراقي، يتوقّف الفيلم الجديد أمام “مأزق” الاختيار الإنساني، ويتناول المصير المنتظر لأحد الأسرى من قيادات داعش، ويحاول رسم صورة للمستقبل تبدو شديدة الضبابية والغموض، ويتساءل ما إذا كان الوضع الجديد بعد تحرير الموصل، يمكن أن يشهد تحقيق الأمن والأمان والمصالحة والاحتواء، أم ستظل الفُرقة قائمة، خاصة مع تأجّج شهوة الانتقام.

الجرح الذي لم يلتئم

“مأزق” الاختيار الإنساني
“مأزق” الاختيار الإنساني

العنوان الفرعي للفيلم هو “الجرح الذي لم يلتئم في نفسية الأمة”. وهو يشير بوضوح إلى طبيعة المأزق الإنساني القائم. والمدخل إلى الفيلم هو الصحافي العراقي علي الملا، الذي ينتقل من مكان إلى آخر، متابعا كل ما يحدث خلال تلك الفترة الحاسمة في تاريخ الصراع داخل العراق، يجري المقابلات، يسجّل يومياته، يتأمّل فيما يراه ويتوقّف أمام الكثير من الألغاز في حيرة وقلق على المستقبل.

يتابعه في انتقالاته ويرصد هواجسه مخرج الفيلم الأميركي دانييل غابرييل، الذي كان فيما سبق، ضابطا في قسم مكافحة الإرهاب التابع للمخابرات المركزية الأميركية وسبق أن عمل في أفغانستان والعراق، أي أنه يعرف المنطقة جيدا ويفهم ثقافتها، وهذا هو فيلمه الأول، وفيه يتّبع أسلوبا يقوم على التوثيق والتحقيق، ومرافقة بطله الصحافي وجعلنا نرى الأحداث من منظوره كعراقي، وكيف يسبر أغوار كل طرف من الأطراف التي يجمعها الآن هدف واحد هو القضاء على داعش واستعادة الموصل.

وهو ينتقل بين من يرى أنهم يعبرون كأفضل ما يكون عن السنة والشيعة والأكراد والمسيحيين الذين يجتمعون معا ضمن هذه القوات. وعبر أقسام الفيلم المختلفة، حيث يقوم الملا بعمل مقابلات مع عشرة أفراد، يصحب البعض منهم في الهجوم على المدينة في مشاهد حية للاشتباكات العنيفة التي تستخدم فيها الأسلحة الثقيلة، يخاطر فيها بحياته ويقترب كثيرا من الموت، مصوّرا الدمار الذي نزل بالمدينة، مع الكثير من اللقطات التسجيلية (من الأرشيف) لجرائم داعش: قطع الرؤوس، وحرق المسيحيين، وإلقاء المثليين من فوق أسطح المنازل.

ويتوقف الصحافي أمام صبي يرعى قطيعا من الماشية في الضفة الأخرى من نهر دجلة مقابل الموصل. يلاحظ أن الأغنام قد اصطبغت باللون الأسود وكذلك يدي الصبي. يسأله “كيف حدث هذا؟”، يروي له الصبي أن مقاتلي داعش قاموا بصب مواد حارقة فوق عدد كبير من براميل النفط وأشعلوا فيها النيران بعد دخولهم المدينة، وتسبّب الدخان الأسود الناتج عن الاحتراق (والذي استمر كما نرى في الصورة) في صبغ جلود الأغنام باللون الأسود وكذلك جلد يدي الصبي.

ويقول طفل آخر ممّن تمكّنوا من الفرار من المدينة إنه لم يذهب إلى المدرسة منذ أن كان في الصف الرابع الابتدائي، فالمدارس مغلقة. في البداية يلتقي الصحافي برجل يدعى “الشيخ صالح” (يطلقون عليه لقب “التمساح”) وهو أحد القادة العسكريين في الحشد الشعبي (الشيعي) وقد كان محاميا، لكنه ترك المحاماة ونذر نفسه للقضاء على داعش، كما أنه يكتب الشعر.

ثم يلتقي بالمرأة الوحيدة في قوات الحشد الشعبي، وهي “أم هنادي” التي قتل زوجها على يدي تنظيم داعش، وتروي كيف أصرّت على الدخول إلى الجزء الخاضع لداعش من المدينة رغم خطورة الوضع، وتمكّنت من سحب جثمان زوجها لمسافة خمسين مترا والعودة به في سيارة دون أن تأبه للألغام. ورغم أنها من السنة، إلاّ أنها لا ترى غضاضة في القتال ضمن صفوف الشيعة، تطهي الطعام لهم في المساء وتحمل السلاح في الصباح.

البحث عن الانتقام

أسئلة بلا أجوبة مقنعة
أسئلة بلا أجوبة مقنعة

هذه النزعة الانتقامية لدى أم هنادي وغيرها بالطبع، تُقلق علي الملا الذي يتوقّف كثيرا ويتساءل حول ما سيحدث فيما بعد، وهل يستمر الوئام والتكاتف بعد تحرير المدينة، أم ستشهد الموصل الانقسام والفرقة والاقتتال بسبب التعصب المذهبي والطائفي؟ الجميع يؤكّدون له أن العراقيين تخلّوا إلى الأبد، عن الطائفية، وأن الانقسام موجود فقط عند السياسيين في بغداد، لكن الملا لا يثق فيما يُقال له بل يبدي تشكّكه بوضوح.

مع النقيب علاء أحد ضباط الجيش العراقي، يشارك الملا في تصوير بعض المعارك المباشرة، يدخل مع الجنود إلى جزء خطر من المدينة حيث يكمن قناصو داعش داخل البيوت المفخّخة، ويصوّر المخرج عن قرب التعقّب وقتل القناص وكذلك إصابة أحد الجنود مع غياب كامل للخدمات الطبية الحديثة. النقيب علاء، وهو من القوات الخاصة العراقية، يقول إن بوسعه القضاء على داعش وتحرير المدينة في يوم واحد فقط، ولكن الثمن سيكون باهظا من المدنيين الأبرياء.

يروي بعض الناجين من داعش في المناطق المحرّرة كيف كان التنظيم يستخدم السكان كدروع بشرية، وكيف كان مقاتلو التنظيم يحرقون ويدمّرون بيوت كل من لا يتعاون معهم، ويقول أحد الأطفال إنه إذا جاء وقت صلاة المغرب ولم يدخل المسجد كان يمكن أن يفقد حياته على الفور.

مناخ الشك

عارف طيفور من قوات البشمركة الكردية المقاتلة، يؤكد أن الطائفية لا تحرّك قواته، وأنهم قريبون من السنة رغم ما ارتكبه السنة بحقهم من تصفيات جماعية في الأنفال وغيرها. ويتحدّث ضابط آخر عن شعوره بالاكتئاب بعد مقتل أحد زملائه أمام عينيه. ويصوّر الملا برفقة النقيب علاء متحف الموصل حيث نرى كيف نهبت محتوياته أو دمرت. ويقتبس الملا قول أحد الفلاسفة الغربيين: “الأمة التي يدمر تاريخها عليها أن تعيشه من جديد”.

ونرى كيف يجتمع رجل من سكان الموصل اسمه عبدالله مع ابنه الذي لم يره منذ أشهر بعد تحرير المدينة ومع شقيقه، ثم يأخذنا المخرج بصحبة الملا إلى مخيم اللاجئين.. حيث يتم فصل الرجال عن النساء والأطفال. الرجال في السجن حيث يجري استجوابهم لمعرفة ما إذا كانوا من قوات داعش أم أنهم من المدنيين الأبرياء؟ ومناخ الشك والتشكّك سائد بشكل كبير. والملا غير واثق من عدم وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان.

ومن أكثر الشخصيات المحيّرة في الفيلم شخصية ناصر عيسى أحد الأسرى من داعش، وكان يقوم بدور الوعظ والإرشاد للشباب الجديد الذي يلتحق بالتنظيم. إنه ما زال على يقينه وإصراره بأنه سار في طريق الحق: ألا يأمرنا الله بتطبيق الشريعة؟ القانون الوضعي؟ هل الإنسان أفضل أم الله؟ أي زمن الذي تقول إنه تغيّر؟ هل تغيّر القرآن؟ سلبيات؟ إنها ليست سلبيات ففي أي نظام لا يخلو الأمر من الأخطاء.. إلخ.

هذا اليقين المطلق الذي لا يقبل الجدل أكثر ما يقلق الملا ويقلق المشاهدين أيضا. فهل نهاية التنظيم في الموصل هي نهاية للفكر الذي أنتج التنظيم الإرهابي؟ أم هنادي قالت للصحافي صراحة إنها لا تخشى العدو المباشر بل الخوف كله من العدو الكامن في الداخل، فهي تعتقد أن داعش موجود “داخل السلطة في بغداد، في الوزارات وفي المخابرات وفي الشرطة وفي الإدارات المختلفة”، “وهذا هو الخطر الحقيقي”.

“الموصل” فيلم سريع الإيقاع، مكثف، واضح الرؤية، جريء في طرحه، يوجه بطله المرافق للقوات العراقية الكثير من الأسئلة لكنه لا يقتنع بما يحصل عليه من إجابات، فالوضع بأسره يبقى ملتبسا عنده، رهينة للمستقبل.. ويظل المستقبل مفتوحا على الاحتمالات كلها.

16