الموصل والملعونون: أميركا والطائفيون

الخميس 2015/06/11

سجل التاريخ أنه في الليلة الفاصلة بين 9 و10 يونيو 2014 سقطت مدينة الموصل بيد مسلحين يرتدون الدشاديش السوداء واحتلوا صوبيها الكبيرين، ولم يجدوا في شوارعها غير البدلات لعشرات الآلاف من الجنود والشرطة، فحرقوها ابتهاجا بانتصار خرافي لا يحصل إلا في أفلام الخيال.

وسيتحدث التاريخ عن أن هؤلاء المقاتلين الذين ظهروا قبل ثلاث سنوات بأشكال مختلفة، يهدفون إلى إقامة “الدولة الاسلامية في العراق والشام” اختزلها التداول الشعبي والإعلام بمصطلح “داعش”، وأنهم يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية كما جاء بها النبي محمد، ونشر رسالته الدينية في الشرق الأوسط، يتزعمهم شخص اسمه “أبو بكر البغدادي”، حاصل على شهادة دكتوراه من الجامعة الإسلامية في بغداد، كانت القوات الأميركية اعتقلته ثلاث سنوات يوم غزت العراق في 2003، وبدخوله الموصل منتصرا بـ”معجزة” أعلن أنها أصبحت عاصمة دولة الخلافة، وأنه خليفة المسلمين وعلى الجميع تنفيذ تعليماته.

بدأت تطبيقات هذه التعليمات في 19 يوليو 2014 بقيام أفراد داعش بكتابة حرف “نون” على كل بيت يسكنه مسيحيون إشارة إلى أنهم نصارى، وكتابة حرف “راء” على كل بيت يسكنه شيعة إشارة إلى أنهم “روافض”، وأفتوا بإبادتهم وتحويل ملكية بيوت المسيحيين في الموصل إلى “عقارات الدولة الاسلامية”، وهدم وحرق الكنائس الثلاثين التي يعود تاريخها إلى 1500 سنة.

كان المنطق في تفسير ما حدث لا يستقيم حينها إلا بالقول إن ما حصل هو عملية تسليم لها احتمالان لا ثالث لهما: إما خيانة كبار قادة الجيش، أو تلقيهم تعليمات من قيادتهم العامة بالانسحاب. ذلك لأن دراما الأحداث غطت على من كان السبب الرئيس فيما حل بالعراق من كوارث وفواجع، كشفت عنه زعيمة الأقلية في الكونغرس الأميركي نانسي بيلوسي من أن إدارة جورج بوش زيّفت الحقائق على الشعب الأميركي بشنها الحرب على العراق، بناء على افتراضات خاطئة، واعتراف الديمقراطيين بأن سبب تدهور الوضع الأمني في العراق يعود إلى قرار الغزو الخاطئ الذي فجّر الصراع الطائفي فيه.

لسنا بصدد ما قاله محللون بأن سقوط الموصل كان مؤامرة من دول مجاورة، أو ضغط عسكري على مرشح دولة القانون ليتخلى، وقتها، عن تشكيل حكومة أغلبية، أو أن ما حدث كان بتدبير من نوري المالكي لخلق ظرف يفوض حكومته باستمرار، إنما بصدد ما يفرضه الواقع الآن في الإجابة عن سؤالين:

هل أن أميركا جادة فعلا في إنهاء وجود داعش في العراق؟

وهل تمتلك الحكومة العراقية الحالية استراتيجية سياسية وعسكرية تمكنها من إنهاء داعش؟

بلقاء باراك أوباما حيدر العبادي، 8 يونيو الجاري، مارس كلاهما تسويقا إعلاميا أكثر منه نوايا صادقة وعملية لإنهاء داعش. فمع أن أوباما وصف العبادي بـ“شخص يمكن الاعتماد عليه”، فإنه غمزه قائلا “يجب أن يشعر السنة والأكراد والشيعة بأنهم ممثلون في الحكومة”، ما يعني أن الادارة الأميركية لديها مخاوفها بخصوص الحكومة العراقية، وتحديدا في موقفها من السنة، لأن الشيعة هم الحكومة، والأكراد قوة رئيسة في مواجهة داعش تحظى بدعم أميركي لولاه لكانت شوارع أربيل حمراء.

هل تمتلك الحكومة العراقية الحالية استراتيجية سياسية وعسكرية تمكنها من إنهاء داعش

أشرنا في مقال سابق بـ“العرب”، واعتمادا على دراسات تخصصية لثلاث مؤسسات عالمية مرموقة، إلى أن اتجاهات الأحداث تسير وفق استراتيجية تهدف إلى تغيير خارطة الشرق الأوسط، تقودها أميركا عبر آليتين: عسكرية تكمل ما فعله بول بريمر بحل الجيش العراقي، وسيكولوجية تنهك العراقيين باحتراب طائفي يوصلهم إلى أن السلام مع إسرائيل أمر مطلوب، سيما وأن بينهم مكوّن يرى أن إسرائيل دولة ديمقراطية وأنها أفضل من دول عربية. غير أن تحقيق ذلك يحتاج، وفق رؤية أميركا، إلى بقاء داعش سنوات في العراق قالها أوباما علنا، ما يعني أن أميركا ليست جادة في إنهائها، بل تريد لها أن تبقى رغم مخاوف إسرائيل التي عبّر عنها الباحث الإسرائيلي مايكل هيرتسوغ، من أن إسرائيل على دراية كاملة بخطر داعش، وأن بروزها جاء نتيجة منطقية لتأخير المفاوضات مع الفلسطينيين، وأن هناك تداخلات وتقاربا أيديولوجيا بين حماس وداعش، وأنهما فرعان لشجرة واحدة سامة بوصف نتانياهو. غير أن أميركا وإسرائيل يعلمان بأن داعش مشغولة الآن، ليس فقط بتصفية الشيعة، بل إن المتحدث باسم التنظيم أمر أتباعه في كل مكان بقتل “أعداء الإسلام”.

وإذا كانت أميركا ملعونة لذكائها الشيطاني وخبثها ومكرها واسترخاصها أراوح العراقيين، فإن العقل الطائفي ملعون لغبائه ودوغمائيته وعنجهيته التي جسدها المالكي حين أحاط الموصل بجيش طائفي دفع أهلها إلى أن يرحبوا بداعش لا حبّا فيها بل ليخلصوا من جور ما وقع عليهم من تجاوز وإهانات لشخصية معروفة بأنفتها العروبية، ثم زادها يوم وصف المشاركين في ساحات الاعتصام بأنهم “فقاعات” ورفعه لشعار “صارت عدنا وما ننطيها”، مشيعا بين جماهير شيعية مخدر وعيها بسيكولوجيا الضحية المشحون بدافع انتقام تجسّد فيما بعد بأعمال حرق جوامع وبيوت ونهب وسلب في المناطق المحررة التي قام بها الحشد الشعبي بدايات تشكيله وأدانها التيار الصدري ثم المرجعية واصفين من قام بها بميليشيات وقحة وسائبة.

إن قوة بحجم داعش تمتلك مقاتلين يفخخون أجسادهم ويفجرونها من أجل “قضيتها”، ولديها خبرات تقنية عالمية باستخدام سلاحها الأول الحرب النفسية، وتزايد عددها بآلاف المقاتلين من مئة دولة، حسب بان كي مون، واستيلائها على آبار النفط وبيعه، وتبرعات وهبات عربية وعالمية، واحتلالها ثلث مساحة العراق ونصف مساحة سوريا، لن يمكن مطلقا من أن يهزمها طائفيون يخشون حتى من تسليح سنة قاتلوا داعش بضراوة وهزموا القاعدة.

أميركا والطائفيون جعلا العراق ساحة حرب لصراعات إقليمية ودولية لن تنتهي في سنة أو سنتين كما وعد حيدر العبادي بتحرير الموصل، وكانت يداه فارغتين حتى من استراتيجية سياسية، وإن الحال إذا بقي يجمّل إعلاميا بوعود التمني “وإن شاء لله منتصرين” وعمليات كر وفر وتخبط، فليس مستغربا أن تحتفل داعش عام 2020 بذكرى قيام عاصمتهم، ونعزّي أنفسنا بمأتمنا السادس في أم الربيعين.

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

8