الموضة تتخلى عن الأرستقراطية للنزول إلى قاع المجتمع

الاثنين 2017/01/16
ابتعاد عن الصورة النمطية للجمال الأنثوي

بوينس آيرس - ابتعدت حملات تصوير عروض الأزياء عن الصورة النمطية للجمال الأنثوي المقدم من خلال إطار له رونق أنيق، لتنزلق إلى عالم المهمّشين، والذي بالرغم من أنه يطرح صورة قد تكون صادمة إلا أنها تتسم بالواقعية.

وأصبح من الطبيعي مشاهدة صور لعارضات تظهر فيها خلفيات لجدران غير مطلية أو شوارع ريفية متربة أو تحتوي تفاصيل من رسوم غرافيتي غير قانونية في مدن فقيرة كأحد أشكال المعطيات الجمالية الجديدة في عالم الموضة.

وبعيدا عن تفسيرات عالم الموضة التي ترغب بعض الدور والعلامات التجارية عكسها بكاميراتها عبر تقديم رؤية سطحية لمجتمع هامشي دون التعمق في الواقع، فإن هناك بالفعل تيارا يميل إلى استخدام ثنائية الجمال الأنثوي وملامح الفقر الاقتصادي من قبل عدسات بعض المصورين.

ومن ضمن المصورين الذين ابتعدوا عن هذا المفهوم السطحي، البوليفي جيدو فوينتيس والذي انطلق من حلمه لتحسين وضع شابات جميلات فقيرات يعانين اقتصاديا عبر الموضة، فقرر إنشاء وكالة للموضة، ولكنها ليست في أي مكان بل في حي “لا فيا 31” . ويعد هذا الحي من أفقر أحياء العاصمة الأرجنتينية والذي زاد حجمه بصورة كبيرة خلال العقد الأخير وتتناقض بناياته بشكل كبير مع تلك المجاورة لها في الأحياء الثرية.

وبدأ الحلم أثناء الاحتفال بعيد الطفولة في 2008 حينما أقيمت خشبة مسرح كبيرة في مدخل الحي لتقديم عرض للأطفال. وكانت تلك اللحظة التي تخيّل فيها فوينتيس بتحويل هذه المنصة إلى خشبة مسرح لتقديم عروض الأزياء لكي تنتقل ساكنات الحي الأكثر جمالا من هامشية قاع المجتمع إلى محيط أفضل، وقد ولدت جميعهن في الأرجنتين لأسر بوليفية باراغوائية، بيروانية وأرجنتينية.

ويعتزم فوينتيس تقديم عرض مع فتيات الحي وتأهيلهن مجانا لكي يتعلمن أسرار المجال بما في ذلك كيفية الوقوف أمام عدسات الكاميرا في جلسات التصوير، وقواعد “الكات ووك” أو أسلوب سير عارضات الأزياء على البساط بحذاء مرتفع وأساليب استخدام مساحيق التجميل لإبراز الملامح بل وارتداء فساتين من تصميمه.

ويوضح المصور أن الهدف من فكرته كان “دفع الفتيات لتخطي الطموح الذي فرضه عليهن آباؤهن بخصوص النضج من أجل العناية بأشقائهن الصغار أثناء تواجدهم في العمل يوما تلو الآخر”.

ومن منطلق الدأب والمثابرة والسعي وراء تحقيق الحلم أمام واقع معاكس، أقيم هذا العرض لأول مرة في 2009 وحظي باهتمام إعلامي محلي ودولي، ولكنه لم يكن بالصورة التي يأمل فيها فوينتيس، حيث ظهرت عناوين تحقيرية وتعليقات مسيئة على الشبكات الاجتماعية بخصوص أن هذا الأمر يضر بسمعة العارضات خاصة حينما يتعلق الأمر بفتيات فقيرات تشير أغلب ملامحهن إلى انحدارهن من سكان أصليين، ولكن كل هذا لم يتمكن من إيقافه، حيث كان يحلم ببرنامجه المفضل “أمريكاز نيكست توب موديل”، والذي تديره العارضة السمراء تيرا بانكس.

وفي 2011 وأثناء زيارتها لبوينس آيرس عقب قضاء 10 سنوات في أوروبا كمصورة ومخرجة أفلام وثائقية، قررت خولييتا سانس إجراء مقابلة مع فوينتيس، من أجل التعرف عليه وتقديم حياته اليومية للجمهور. ولتحقيق ذلك قضت سانس معه ومع أبرز عارضتين لديه سونيا وديلا أياما كاملة لتوثيق أكاديميته لعالم الموضة.

وأسفر هذا المشروع عن فيلم وثائقي شارك خلال العام 2015 في مهرجان “بافيسي” الأرجنتيني ليبدأ مشواره في مهرجانات أميركا اللاتينية ويحصد جوائز في عدة أقسام من هذه المنافسات.

وحينما عرض فيلم “جيدو موديلز” في نوفمبر 2016 بإحدى قاعات العرض، فإن صحافة الموضة نقلت أصداء شاعريته وضمّتها في خطابها ومنشوراتها. وحدث هناك تغير بالفعل خلال السنوات السبع التي فصلت بين بداية فوينتس لمشروعه في ذلك الحي المهمّش والوقت الحالي.

وتقول المخرجة “كنت أرغب في إظهار سحر وجمال العالم الذي ابتكره جيدو. حظي بتغطية إعلامية كبيرة ولكن لم يوفّه أي أحد حقه، كانت كل الأنباء صفراء بشكل رهيب ونقطة تركيزها هي النقاط الأكثر سوءا داخل الحي. كنت أرغب في إظهار عمق هذا الشخص وإثبات أن الجمال موجود في كل مكان، فقط إذا رغب المرء في رؤيته”.

وصور الفيلم الوثائقي في حي “فيلا 31” وفي رحلة بالحافلات نحو مدينة كوتشابامبا مسقط رأس فوينتيس، حيث ذهب مع سونيا وديلا للمشاركة في عرض ومقابلة تلفزيونية، سعيا لتحقيق النجاح خارج بوينس آيرس.

وتقول سانس “أعتقد أن ما جذب انتباهي بخصوص الموضة في هذا المشروع هو مسألة إظهار الوجه الآخر. إنها موضة ولكنها في نفس الوقت شيء معاكس لها. إنها موضة ترغب في إحداث تأثير اجتماعي مولود من ارتجال وإبداع شخص يتمتع برؤية فريدة بعيدة كل البعد عمّا تمليه التيارات والصور النمطية وبالتالي جماعات السلطة، فبكل تأكيد هناك قلة تحتكر تحديد ما هي الموضة وما ليس كذلك”.

21