"الموضة" في الفلسفة.. شعور بالنفوذ يولده الخضوع

الاثنين 2014/01/27
تتطور الموضة عبر العصور مع حاجتنا إلى الاختلاف

باريس- المفكر الألماني جورج سيمل (1858 - 1918) هو من الأعلام الذين كان لهم تأثير بيّن خلال القرن العشرين. اقترح نظرة جديدة وعميقة إلى الحياة الاجتماعية وتراجيديا الوضع البشري المعاصر. وراهن في مجالي علم الاجتماع والفلسفة على حدّ سواء أنه يمكن من أية نقطة على وجه الأرض إرسال مجسّ إلى أعماق النفس لربط الإجراءات الشكلية الأكثر بساطة بأدق القرارات حول معنى الحياة ونمط العيش.

ظل سيمل مغمورا في بلاده، حيث تجاهلته الجامعات الألمانية، فأدورنو عدّه منظّر الـ”ربّما” والـ”تقريبا” فيما وصفه لوكاتش بـ”مونيه الفلسفة”، وكذلك في فرنسا بسبب الانتقادات الحادة التي قابله بها إميل دوركايم الذي رأى في “نسبية” سيمل و”علاقته” المعلنة بالفلسفة وعلم النفس خطرا على الصبغة العلمية التي يريد دوركايم إضفاءها على علم الاجتماع، وعاب عليه خصوصا تجريدية “الشكل” التي اقترحها، لأنها في نظره غير مشروعة وتقوّض مبدأ “طبيعة الأشياء”، وفضل عليها “الحاوي” الذي يختلف عن “المحتوى”، فيما رأى سيمل أن مبدأ الشكل يوحي بتصوّر ديناميكي وغير جامد للفعل الاجتماعي. ولم يعد له الاعتبار إلا في شيكاغو بعد وفاته، حيث ساهم إرفنغ غوفمان وريمون بودون في إبراز نبوغه وتعريف الفرنسيين بآثاره، والاستفادة منها في تطوير مناهج البحث، حتى لقّب بـ”فرويد المجتمع″ وعدّه فلاديمير ينكيليفيتش، الذي ساهم في التعريف به في فرنسا، أعلى قامة من أستاذه برغسون.


علاقات متبادلة


اختار سيمل مقاربة تخالف التقاليد الفكرية الألمانية التي اعتادت أن تقرن علاقات العلوم الاقتصادية والسياسية والأخلاقية بعضها ببعض، وقدّم تصوّرا سوسيولوجيا منذورا ليس لدراسة المجتمع بوصفه قاعدة أساسية يكون الأفراد نتاجها، بل لدراسة أشكال الفعل المتبادل بين الأفراد داخل المجتمع. ويعدّ مبدأ التفاعل نقطة أساسية في فكر سيمل، ويفسره بقوله: “لا بدّ أن ننطلق من فكرة أن كل شيء في علاقة ما بكل شيء، وأن بين أي نقطة في العالم وكل نقطة أخرى قوى وعلاقات متبادلة، وأن تحليل الواقع لا بدّ أن يتم انطلاقا من أيّة نقطة في العالم نشاهدها من آفاق متعددة. فالحقيقة تكمن في العلاقات بين تلك الآفاق، من خلال ربط الصلة بين حقيقة كل واحد، وليست في مبدإ أوّلي يؤسس الفكر”.

ومن ثمّ، كان علم الاجتماع لديه مصبوغا بتلك الرؤية الثنائية المضادة للطوباوية: المجتمع ليس معطى طبيعيا، بل هو سياقُ جمعٍ وتفاعلٍ بين الأفراد، حيث دائما ما تتشكل، في سعيهم إلى الاتحاد والتعاون، أشياء مضادة، كالبعد والتنافس والتضاد نفسه. ويبيّن كيف أن الموضة مثلا تبلور اتجاهين سيكولوجيين متعارضين، التوق إلى المحاكاة والبحث عن التميّز.

كتاب فلسفة الموضة لجورج سيمل

في كتابه “فلسفة الموضة”، الذي صدر في برلين عام 1903 وأعيد نشره مؤخرا في باريس عن دار “آليا”، يشرح سيمل كيف أمكن للموضة أن تقوم بمزيج مذهل بين حركات وأفعال متضادّة. فارتداء الملابس والتحلي بأدوات العصر والصبغة وصيحات الموسم، أو اتخاذ قناعات جديدة وأحكام معيارية مبتكرة وحتى التلفظ ببعض التعابير التي لم تكن معهودة، هي في الوقت نفسه مجاراة للآخرين باتباع التيار، والتميّز عمن تخلفوا عن الركب، إما لأنهم لا يملكون الإمكانات المادية أو بعد النظر المزعوم للخروج من الزحام. فالموضة تجمع بين الامتثالية الجمعية والتظاهر بالقرار الفردي، بين الخضوع لإملاءات تعسفية والمطالبة بالجدة الفردية.

ذلك أن الفرد الذي يستقل بذاته ينضمّ في الحقيقة إلى المجموعة، ويظن أنه قادر بانخراطه فيها على مغادرة تلك المجموعة عن طريق فرادته. أي أن كل فرد يسلك سلوك الآخرين فيما يوهم بأن قراره ذاتي. فالموضة في رأي سيمل هي “شعور بالنفوذ يولده الخضوع″.

هي تقليد لأنموذج، تشبع الحاجة إلى سند اجتماعي، وتقود الفرد إلى طريق الجماعة، وتضفي عنصرا كونيا يجعل سلوك كل فرد مجرّد مثال. ولكنها تشبع في الوقت نفسه حاجته إلى التميّز. وذلك بتغيير المحتويات التي تعطي موضة اليوم سمات مخصوصة تميّزها عن موضة الأمس والغد. ويضيف بأن الموضة طبقية بالأساس، لكل طبقة موضتها، وأن الطبقة العليا سرعان ما تتخلى عن موضتها حالما تبدأ الطبقة السفلى في الاستحواذ عليها.


تحرر واستلاب


في هذا الكتاب، كما في كتبه الأخرى، يرسم سيمل ملامح حداثة تحرّرُ المرءَ وتستلبُ إرادته في الوقت ذاته. ولئن استطاع أن يتحدث عن المال والمدينة والحلي والفقر والحداثة والممثلين والفنانين والأطلال والجسور وما إلى ذلك من مواضيع اعتبرها معاصروه ساذجة تافهة، فلأنه أدرك باكرا أن الفلسفة لا يحددها صنف من الأشياء المشروعة، وإنما يحددها استعداد فكري مخصوص تجاه ظواهر الكون والحياة.

هذا التضافر الفكري يوجهه خيط رابط ألا وهو ازدواجية الفرد والمجتمع والحياة وتعدد أوجهها. فسيمل هو بمثابة مزود للافتراضات، وسط أشياء متباينة في واقع مليء بالمفارقات. ينطلق في تحليله من جدلية الأشكال والمحتويات، لأنه على قناعة بأن الحياة، لكي تفصح عن نفسها، تمرّ حتما عبر الأشكال. وبذلك أنشأ نظرية في المعرفة، ليست انعكاسا سلبيا للواقع، بقدر ما هي تساعد على بنائه.

يقول فريديريك فَنْدنْبرغ، مترجم أمهات كتب السوسيولوجيا الألمانية: “إن أعمال جورج سيمل غالبا ما قوبلت في فرنسا على نحو يحصرها في سوسولوجيا الحياة اليومية، والحال أنها تشمل مقاربات فلسفية ولاهوتية وجمالية وسيكولوجية فضلا عن عنايتها بالظواهر المجتمعية “.

لقد قابل النقاد كتابه هذه المرة بترحاب وإجلال كبيرين، لخصه أحدهم بقوله: “ما كان يعاب سابقا على المفكر الألماني، أي انطباعيته واهتمامه بالأشياء الصغرى التي لا قيمة لها في الظاهر، هو اليوم ما يمثل جدة آثاره وتفرّدها”.

16