الموضوعية الجديدة.. حركة ألغتها النازية

لوحات تشكيلية تشبه المرايا الباردة تتوسل بالفن كسلاح.
الأحد 2020/06/28
تفاصيل عادية تحدثنا بالكثير

ظهرت حركة الموضوعية الجديدة في ألمانيا ما بين الحربين، وفرضت حضورها على أنقاض التعبيرية، رغم أنها استفادت من مدارس أخرى كالدادائية، لاسيما وعي دعاتها بضرورة تحمل المسؤولية السياسية وأداء واجبهم الاحتجاجي، تجاه الطبقة البورجوازية التي قادت البلاد إلى الحرب.

رأت “الموضوعية الجديدة” النور في برلين (1918-1933) عقب الحرب العالمية الأولى، في ظرف عاشت فيه ألمانيا المهزومة أزمة اقتصادية خانقة، وقد جمعت الحركة عدة فنانين ومثقفين أمثال أوتّو ديكس، وماكس بيكمان، وجورج غروز، وجّهوا نقدا حادّا للمجتمع الألماني ونعتوه بالنفاق، والتواطؤ مع بورجوازية جشعة. كما عبروا عن رفضهم الالتزام الشخصي والتطلعات الرومانسية للتعبيريين، ودعوا إلى نبذ المثالية الرومانسية.

والمعلوم أن التعبيرية كانت الشكل الأكثر حضورا في ألمانيا، إذ شملت أوجها متعددة من الحياة العامة كالرقص والمسرح والفن المعماري والشعر والأدب، علاوة على الفن التشكيلي بطبيعة الحال. وقد عكست أعمال أنصار الحركة الجديدة تنوع المجتمع الألماني، المشتت بين آثار حرب مدمرة ونازية صاعدة. هذه النازية التي سوف تنتقم منهم عقب سقوط جمهورية فيمار عام 1933 بمصادرة أعمالهم وتصنيفهم ضمن ما أطلقت عليه البروباغندا الهتلرية بـ”الفنانين المنحرفين”.

الغرابة والقلق

لم تنشأ الحركة عقب بيان تأسيسي يضع المنطلقات والغايات، بل جاءت التسمية لاحقا إثر معرض أقيم في مدينة مانهايم عام 1925، ويقال إنها متأتية من العنوان الذي اختاره مدير متحف كونتسهاله، غوستاف فريدريخ هارتلاوب، للمعرض ليقدّم فنانين كانوا يعملون وفق رؤية ما بعد تعبيرية.

في ذلك المعرض، التقى ثلاثون فنانا حول ضرورة التعبير عن المأساوي في المجتمع الألماني الذي سحقته الحرب، وسلبته الأزمة الاقتصادية الحادة حقه في حياة كريمة، فبرغم انتهاء أفظع حرب في تاريخ البشرية حتى ذلك التاريخ، وإقرار السلام في باريس عام 1918، لم يستطع الألمان أن ينهضوا ويستعيدوا قوتهم الاقتصادية.

وكان من تلك المجموعة من شاركوا في جبهات القتال، وعاشوا ويلات الخنادق، وشاهدوا أشلاء البشر متناثرة على الثلوج وفي الهضاب والغابات والوديان، أمثال أوتو ديكس، وجورج غروز، وهانس ريختر، وأوسكار شليمر.

الحركة الموضوعية الجديدة ظهرت في نفس الفترة التي ظهرت فيها السريالية واستفادت من الدادائية كما استفاد السرياليون

وكانت أعمالهم تحمل رسالة احتجاج على الحرب وعلى المجتمع الذي ولّدها. وقد وصف المشاركون أنفسهم الحركة الوليدة بـ”ما بعد التعبيرية”، قبل أن يستقر الرأي على “الموضوعية الجديدة”.

ظهرت الحركة في نفس الفترة التي ظهرت فيها السريالية في فرنسا، واستفادت من الدادائية كما استفاد السرياليون، وكان الدادائيون أول من استعملوا الفن كشكل من أشكال الاحتجاج الأخلاقي والثقافي والسياسي وكسر إرغامات الخطاب الفني وكذلك الحدود الجغرافية.

قدّم أنصار الحركة  صورة مرعبة عن واقع المجتمع الألماني بين الحربين بأسلوب فنّي جديد، وجعلوا من عاهات ضحايا الحرب رمزا لفئة من الشعب استغلها الأثرياء لأجل رهانات سياسية لا تقيم وزنا لحياة البشر، يتجلى ذلك في أعمال من سبق ذكرهم وفي أعمال فنانين آخرين أمثال غرتفريد بروكمان، وهاينريش هورله، وماكس بيكمان، وألكسندر كانولت، وجورج شريمف، ونيكلاوس ستوكلين، مثلما ركزوا على ثيمة الإيروسية التي تناولوها من زاوية السخرية اللاذعة والكاريكاتير، حيث تبدو النساء في لوحاتهم، وأغلبهن مومسات، فجّات غليظات خبيثات مأجورات يتعاطين الجنس مع زبائن من الطبقة البورجوازية، يتميزون بالجشع والتكبّر وضخامة البطون.

تيارات مختلفة

الفن يعري العقد الاجتماعية
الفن يعري العقد الاجتماعية

أيّا ما تكن الثيمة المتناولة، تلتقي أعمال حركة الموضوعية الجديدة في تصوير مشاهد تنضح بالغرابة والقلق والحيرة، وكأنها تعبير عن غياب قدرة الإنسان الألماني عن التعبير عن أفكاره، في مجتمع صناعي يسحق الفرد، فيبدو الأشخاص مثل دمى تافهة أو كائنات حقيرة، عاجزة عن تمثل العالم العصري في مواجهة عنف الآلة والمال.

لم تقتصر الحركة على الفن التشكيلي، بل فتحت أبوابها لسائر الفنون واستقبلت فنانين من مدن أخرى غير برلين.

ولئن اتفق فنانو الموضوعية الجديدة على العودة إلى الواقع، وخاصة المعيش اليومي، فإنهم اختلفوا حول طبيعة الواقع اليومي الذي ينبغي تصويره: واقع المدن الداخلية الذي يبدو مجمّلا نوعا ما، أم الواقع الفجّ الذي تتسم به حياة المدن الكبرى مثل برلين. ولذلك انقسمت الحركة منذ البداية إلى فرعين متمايزين يعبران، كلٌّ على طريقته، عن نفس الرغبة في العودة إلى الواقع واليومي.

ولكن ما يفصل بينهما ذو طابع سياسي، ففرع “اليمين” الذي يمثل كارلسروه ومونيخ عاد إلى كلاسيكية لازمنية متناسقة، بينما اختار فرع “اليسار” المتمركز في “برلين الحمراء” رؤية باردة وكلبية للمجتمع (والكلبية هي مدرسة فلسفية تدعو إلى العودة إلى الطبيعة وتستهتر بالأعراف الاجتماعية والرأي العام والأخلاق المتعارف عليها). وظلت الموضوعية الجديدة حكرا على الساحة الألمانية حتى نهاية العشرينات، حيث تخطت حدود ألمانيا لتصل إلى إيطاليا وفرنسا.

الحركة لم تقتصر على الفن التشكيلي، بل فتحت أبوابها لسائر الفنون واستقبلت فنانين من مدن أخرى غير برلين

وهذا ما أشار إليه هارتلاوب منذ البداية، إذ لاحظ عودة إلى الواقعية كردة فعل للتقلبات التي أحدثتها الحرب، مثلما ميّز نمطين من التفكير وتسجيل الواقع، وفق تخطيط سياسي ذي قطبين: واقعية يمينية وواقعية يسارية. أحدهما محافظ حدّ الكلاسيكية وجدت جذورها في اللازمنية، بعد أحلام وفوضى (من التعبيرية إلى الحرب)، وداوت تمجيد المادية والأشياء المستديرة. والثاني فجّ في حداثته، يريد أن يظهر الفوضى عارية كما تفرزها المرحلة، في نوع من الاندفاع البدائي الذي يصل حدّ الانفجار التّامّ، دون العودة إلى النفس، إلى الذات المبدعة.

لقد تجلت الفروق بين الجناحين من خلال الطريقة التي يدرك بها الفنان الواقع اليومي ثم يرسمه، وكذلك من خلال أنماط تمثله. فبينما عاد الكلاسيكيون إلى الثيمات التقليدية كالمناظر المجمّلة، والطبيعة الميتة، والبورتري، اختار الحقائقيون مشاهد قريبة من السريالية. ما يعني أن فريقا كان يُظهر الأشياء والأنماط اللازمنية، دون أن تكون بالضرورة ذات صلة بمرحلتها، فيما الفريق الثاني يعرض أسوأ ما في المجتمع الذي يعيش فيه من نفاق البورجوازية، والتعريض السياسي، والبغايا، والجرائم الجنسية، ومشوّهي الحرب…

وحسبنا أن نتأمل لوحة “لاعبو السكات” لأوتّو ديكس، فهي تندرج في جمالية ممارسات الحركة الدادائية، ولكنها تمثل ثلاثة من معوقي الحرب، أولئك الذين ينعتون بالوجوه المشوّهة. كلهم يحملون أجهزة تضخّم بشاعتهم وتفقدهم إنسانيتهم. كما أن لعب الورق فيه تذكير بتسلية المرابطين في الخنادق ليزجّوا الوقت، ولكنها ترمز أيضا إلى مفهوم الحظّ والصدفة، الذي يتبنّاه الدادائيون. وأوتّو في هذه اللوحة يعبر عن موقف كلبيّ، ليس من مشوّهي الحرب، بل من عبثية الحرب، وفظاعة عواقبها.

أو لوحة “الآليون الجمهوريون” ذات المنحى السياسي، وفيها ينبه جورج غروز إلى نهاية الديمقراطية والفكر، ويشبّه المارة بماثلات ملابس أضرت بها الحرب، فهم يحملون أوسمة الصلبان الحديدية، ولكنهم مبتورو الأعضاء. أولئك الضحايا الذين يستعينون بآلات لقضاء شؤونهم، لم يجدوا مكانهم في مجتمع مدني ينبذهم ويحتقرهم، وكأن تضحياتهم ذهبت هدرا. ويمثل الإطار مدينة بلا روح، مصنّعة بقوة.

واقع بلا مساحيق

اهتمام بالواقع في أكثر مظاهره دناءة ووضاعة
اهتمام بالواقع في أكثر مظاهره دناءة ووضاعة

وبصرف النظر عن ذلك التمايز القائم على أساس سياسي، برزت داخل الحركة ثلاثة تيارات: تيار حقائقيّ (نسبة إلى مدرسة أدبية وموسيقية ظهرت في إيطاليا في أواخر القرن التاسع عشر، تدعو إلى تمثيل الحقائق برمّتها على غرار المدرسة الواقعية في فرنسا). هذا التيار متجذر في السياسي والاجتماعي يقدم تمثلات تقع بين الكلبية والقسوة والفظاظة. وتيار كلاسيكي استفاد أتباعه من الإيطاليَّين كارلوس كارّا، وجورجو كيريكو في رسم الدمى الميكانيكية والهياكل المهجورة. وتيار سحري واقعي ابتكره فرانز روه ومثّل أحيانا جسرا بينه وبين السريالية من جهة اللامعقول، والفنتازيا والعلوم الموازية.

ورغم أن عودة إلى الأصول اجتاحت أوروبا في تلك الفترة، حيث تخلى بيكاسو عن التكعيبية، وعاد دي كيريكو إلى الفن الميتافيزيقي، مثلما عاد ماتيس إلى الأفق المنظوري والمدرسة الطبيعية، فإن رموز الموضوعية الجديدة، ولاسيما جورج غروز وأوتّو ديكس، من الذين عملوا ضمن الفرع البرليني للدادائية، كانوا قد قطعوا صلتهم بالثيمات الصوفية والطوباوية للتعبيرية، واهتموا بالواقع في أكثر مظاهره دناءة ووضاعة ليصوروا إيكونوغرافيا عن قيعان المدن لم يسبق لها مثيل في أوروبا.

وجملة القول إن الموضوعية الجديدة تتميز برغبة تصوير الواقع بلا مساحيق، وهي تقع بين التوصيف والحكم، وتقدم للمجتمع الفاسد لما بعد الحرب مرآة باردة، متوسلة بالفن كسلاح.

أما من جهة الشكل فتتميز باستعمال رسم جليّ إضافة إلى طريقتها الدقيقة في استعمال الألوان، بعكس التعبيرية. وأنصارها سعوا جهدهم للتنديد بالحرب والنزعة العسكرية، مثلما اجتهدوا في وصف حقيقة العالم الذي يحيط بهم، دون التستر على ملامحه العنيفة والصّادمة، كما بيّنوا في أعمالهم العذاب النفسي والمادي الذي ورثه الألمان عن الحرب، وندّدوا بالأزمة الاجتماعية وظروف الحياة في المدن المعاصرة.

14