الموضوعية لبناء السلطة الرابعة

الاثنين 2015/05/18

ابحث عن الحقائق القاتلة تلك التي تصيب في مقتل، وإلا فإنك كالجّراح الذي يمسك بمشرطه ولا يجرؤ على إجراء العملية لمريضه. وحده العمل الدؤوب من يوصلك إلى التفوق والتميز، كانت هذه نصائح تيم سباستيان الكاتب والصحفي البريطاني المعروف ببرنامجه الشهير “هارد توك” بقناة بي بي سي البريطانية.

هذه نصائح قدمها لي تيم سباستيان على هامش لقائي به في مؤتمر الخليج لسلسلة التوريدات والخدمات اللوجستية في نسخته الثانية المنعقد بالعاصمة العمانية مسقط خلال الفترة من 15 إلى 16 أبريل 2015.

ترك هذا المؤتمر في عقلي تساؤلا طرحته على محمود بستكي الرئيس التنفيذي لدبي التجارية لماذا لم نرى حتى الآن منافسا لمنطقة جبل علي في منطقة الشرق الأوسط كاملة؟ رغم الاستثمارات الضخمة للبنية التحتية، وما هي عوامل النجاح المفقودة لدى الموانئ والمناطق الحرة في الشرق الأوسط؟

فأجاب بدبلوماسية ذكية، نحن نرحب بالمنافسين، ونتمنى الخير للجميع، أعتقد أنه من الطبيعي أن يكون هذا جوابه فهو ينطلق من فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد “المنافسة تخلق الأقوى ويخاف منها الضعيف”

استضاف المؤتمر شخصيات هامة في القطاع اللوجستي العالمي والإقليمي، وما يلفت الانتباه فيه هو محاورة تيم سباستيان لوزير النقل والاتصالات العماني ورؤساء الموانئ الأوروبية، وكعادة سباستيان فقد أمطر محاوريه بالأسئلة التي تخبرك عن مدى عمق بحثه لموضوعات حواره، وكذلك سرعة بديهته. فاقتنصت الفرصة لأحاول أن أفهم فكره وأن أتوصل إلى بعض أسراره المهنية.

يقول سباستيان، في عالم الإعلام لا تسأل سؤالا دون أن تعرف إجابته، وإلا ستصدق أي إجابة تقال لك. عندما تحاور شخصية ما اسأل عنها أعداءها وأصحابها، فلا أحد يخلو من النوعين. لا تسأل سؤالا مبني على رأي الآخرين دائما ابني أسئلتك على الحقائق، الحقائق ولا شيء غير الحقائق.

أيها القارئ الكريم، لي هنا وقفة عند الفكر الموضوعي، فالموضوعية ليست الحيادية كما يخلط بينها. فالموضوعية مبدأ هام في الصحافة، تتطلب الإنصاف والنزاهة لطرح الحقائق، وإلا لن تكون للصحافة سلطة تسمى بالسلطة الرابعة. أما الحيادية فهي كما وصفها مارتن لوثر كنج “إن أسوأ مكان في الجحيم مخصص لأولئك الذين يقفون على الحياد في المعارك الأخلاقية الكبرى”.

تساؤلي هو كيف يمكن أن يكون الإنسان موضوعيا؟ كيف يستطيع أن يتجرد من العاطفة والمعتقدات والأيديولوجيات ولا يرى فقط سوى الحقائق؟ ليس أمرا سهلا فالموضوعية تتطلب قراءة معمقة، والاستعداد لنزع إيمانك السابق لأي معتقد كان. لا شك أن ذلك يتطلب شجاعة غير عادية لذا فالفكر الموضوعي لا يمتلكه الأُناس العاديون خصوصا ما إذا كانوا يعيشون في مجتمعات عاطفية، تكتنفها الكثير من الأيديولوجيات، فالإنسان دائما ابن بيئته.

لا أحد يحتكر الحقيقة، هذا مبدأ يؤمن به سباستيان فهو يبحث عن الثغرات التي تنتج عن عدم مطابقة تصريحات من يحاوره وبين أفعاله على أرض الواقع. فإذا ما رأى أن أقواله لا تطابق أفعاله فقد وقع في كماشة سباستيان التي لا ترحم. ومن هنا كسب هذا المحاور المخضرم مصداقية فكل من يتابعه تأسره حدة المواجهة، لذا لا أظن أن الكثير من المسؤولين لديهم الجرأة لمحاورته.

تيم سباستيان المحاور الشرس على منصة الحوار، تراه شخصا ودودا خارج المنصة، فسألته كيف استطعت أن تجمع بين الصفتين؟ فأجاب أنا لا أخلط بين الأمور الشخصية والعمل. قاعدة تبدو بسيطة، لكن هي بعيدة عن مجتمعاتنا ومن يتصف بها يصبح شخصية غير محبوبة.

كم تمنيت أن يستفيد شبابنا الإعلاميون من وجوده في مسقط والاستفادة من فكره، وتجاربه، والبعد عن السلبية بالقول ليست لدينا الحرية الإعلامية التي يتمتع بها سباستيان. بناء على تجربتي، فإن مساحة الحرية بالصحافة العمانية تحترم النقد الموضوعي البّناء البعيد عن الشخصنة، فقد نشرت لي جريدة عمان مقالات تنقد أداء الاقتصاد المحلي. لا تسمحوا لليأس أن يخطف طموحاتكم، فمن السهل أن يستسلم الإنسان للإحباط ويتعذر بعوائق قد تكون موجودة ويقوم بتضخيمها، لكن عليه أن يتذكر أن صاحب الطموح يفرد جناحيه لا يعيق طيرانه شيء في وقت أصبح العالم فيه قرية صغيرة.

18