الموقع الاستراتيجي لدول الخليج العربي شكل وحدتها الثقافية والحضارية

علماء الآثار والمختصون في الدراسات التاريخية يجمعون على أن أقدم فترة استيطانية للإنسان على أرض دول الخليج العربية تعود إلى مليون سنة قبل الآن. كما أثبتت دراساتهم والآثار التي عثر عليها أن الوحدة الثقافية والحضارية التي تجمع بين معمري هذه الدول اليوم أنتجتها الحضارات المشتركة التي تعاقبت على المنطقة، وهو ما يحتفي به المعرض المشترك لآثار دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي تستضيفه سلطنة عمان خلال الفترة من 20 أكتوبر إلى 19 نوفمبر الجاري.
الاثنين 2015/11/02
إنسان الخليج العربي استنطق بيئته في صنع أدواته وحاجياته

مسقط - اكتشفت على أرض الخليج نماذج من أقدم المجتمعات البشرية التي عمّرت المنطقة في العصور الحجرية حين كان الإنسان يعيش بشكل بدائي وبسيط ويستعمل الأدوات الحجرية في حياته اليومية ويعتمد على الصيد وجمع القوت من خلال المواد المتاحة وفي ظروف بيئية صعبة إلى حد كبير، وهو ما يوضحه كتاب أصدرته وزارة التراث والثقافة العمانية بعنوان “الخليج العربي وحدة حضارية عبر العصور” وزع خلال افتتاح المعرض المشترك لآثار دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

ويؤكد الكتاب أن دول الخليج العربي شهدت منذ العصور المبكرة وحدة جغرافية وتاريخية احتلت معها مكانة مرموقة في تاريخ حضارات الشرق الأدنى نتيجة التفاعل البشري والاقتصادي والثقافي المستمر بينها وبين الحضارات من حولها امتدادا من بلاد السند إلى بلاد الرافدين وسوريا حتى نهر النيل والبحر المتوسط. وهذا ما رسم السمات الحضارية المشتركة والتنوع الثقافي بين شعوب دول الخليج العربي من الكويت شمالا إلى سلطنة عمان جنوبا منذ 6000 سنة قبل الميلاد.

ولجأ إنسان الخليج العربي في مرحلة العصور الحجرية إلى استخدام المتوفر لديه من البيئة لصنع الأدوات التي تمكنه من كسب قوته والدفاع عن نفسه ومنها الحجر والعظم والخشب.. وكان أقدرها على البقاء والديمومة تلك المصنوعة من الحجر، وقد تطورت هذه الصناعة عبر العصور حتى وصلت إلى مستوى من الدقة والمهارة في الصنع ونوعية الحجر المستخدم، ولهذا سمّيت هذه الفترة بالعصور الحجرية.

وبمرور الزمن تطورت حياة إنسان الخليج، فاكتشف تقنيات جديدة مكنته من صنع أنصال حجرية من لب الأحجار منشورية الشكل تمكن فيما بعد من تطويعها لصنع أدوات أكثر تطورا تسهل عليه التعامل مع الطبيعة القاسية التي نشأ فيها. وفي العصر الحجري الحديث عرف الإنسان لأول مرة حياة الاستقرار وبدأ في التجمع وتكوين المجتمعات بعد التعرف على سبل تربية الحيوان واكتشاف الزراعة. كما توصل إنسان العصر الحجري الحديث إلى اكتشاف تقنيات جديدة لصنع الأدوات الحجرية عن طريق شحذ وصقل أطراف الحجارة، فتمكن من صنع أنواع متعددة من الفؤوس ورؤوس السهام والسكاكين وغيرها.

الخليج العربي شهد منذ عصور مبكرة وحدة جغرافية وتاريخية احتل معها مكانة مرموقة في تاريخ حضارات الشرق الأدنى

وخلال العصر البرونزي شهدت منطقة الخليج العربي تطور ثقافتين رئيسيتين أصيلتين هما: حضارة مجان في الجنوب وحضارة دلمون في الشمال، وقد وردت أسماؤها في النصوص المسمارية في بلاد ما بين النهرين.

وتشمل حضارة مجان حاليا سلطنة عمان وجنوب دولة الإمارات العربية المتحدة وقد أنتجت منظومة ثقافية اجتماعية واقتصادية خاصة بها تقوم على استغلال المنتجات البحرية واستخراج النحاس.

وانطلقت معها أنشطة التبادل والتجارة لهذه البضائع في المنطقة، فكانت تشحن إلى بلاد ما بين النهرين والهند في سفن بحرية كبيرة صنعت في ذلك العصر من عيدان القصب وحزم الخوص.

أما حضارة دلمون فقد تطورت في المناطق الشمالية من الخليج العربي وكانت المراكز الحضرية لدلمون مستقلة سياسيا عن جنوب بلاد ما بين النهرين، لكنها اعتمدت الشكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي نفسه. ونمت مراكزها وتطورت من خلال المبادلات الاقتصادية بين المدن المزدهرة في بلاد ما بين النهرين والمجتمعات الغنية الأخرى.

وبرز العرب في مرحلة قبل الإسلام على مسرح الأحداث التاريخية من مطلع الألفية الأولى قبل الميلاد وشهدت القرون التالية نشاطات ونزاعات متشابكة كان لمنطقة الخليج فيها دور مهم، إذ دخل العرب في تجارة وحروب مع جيرانهم كما يتبيّن من النحت الأشوري الذي يعود إلى عام 853 قبل الميلاد.

المعرض المشترك لآثار دول الخليج العربية أكد الوحدة الجغرافية والتاريخية للمنطقة

وطوال الألف الأولى قبل الميلاد توطّدت العلاقات التجارية بين مناطق الشرق الأدنى وشرق أفريقيا وجنوب آسيا والخليج العربي بحكم موقعه المتوسط على الطرق التجارية المهمة ونشأت مدن في مناطق مختلفة من الخليج العربي اتخذت مواقع استراتيجية على امتداد طرق القوافل التجارية وواصلت ازدهارها في الفترات التي تزامنت مع الأشوريين والبابليين والأخمينيين والبارثيين وفترة خلفاء الإسكندر المعروف بالهلينستية.

وخلال النصف الأول ميلادي تأثرت منطقة الخليج العربي بالصراع بين الروم والفرس للسيطرة على العالم القديم، فتبدد الاستقرار النسبي الذي كانت تتمتع به لتتحول المنطقة إلى مسرح للتنافس بين القبائل في ما عرف بالعصر الجاهلي.

كما ظهرت خلال تلك الفترة ممالك عربية متأخرة موالية للروم أو الفرس، ويعد الغساسنة في الشمال الغربي والمناذرة في الشمال الشرقي مثالين بارزين لتلك الفترة التي سبقت مباشرة ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية.

وكانت منطقة الخليج من أوائل الأقاليم التي وصل إليها الإسلام وأسهم في دعم نقاط الاشتراك الثقافي والتواصل بين الخليجيين في مختلف هذه الدول، وهو ما جعل علامات الحضارة الإسلامية حاضرة في دول الخليج بجميع عصورها، حيث تنتشر المواقع الأثرية الإسلامية في العديد من مدنها ومنها مواقع “الربذة والمابيات وفيد والجار” في المملكة العربية السعودية بجانب موقعي “الدريحانية وقدفع” في دولة الإمارات، كما يعد مسجد سوق الخميس أقدم بناء إسلامي في مملكة البحرين والقلعة الإسلامية التي تعود للقرن الرابع هجري.

وفي الكويت يعد “موقع كاظمة” من أهم المواقع الإسلامية إذ يعود إلى بداية القرن الثالث هجري وفي سلطنة عمان تعد “صحار وبهلاء والبليد” من المواقع الإسلامية إضافة إلى عدد كبير من القلاع والحصون المنتشرة في كل مناطق السلطنة، وفي دولة قطر يعد موقع “مروب” الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع هجري الموقع الإسلامي الأهم وقد عثر فيه على مسجدين وقلعتين.

12