الموقف الأميركي المتوجس من السودان يتجه نحو التغيير

الجمعة 2016/07/08
هل ينتج حوار داخلي مصالحة بين السودان ومحيطه الدولي

واشنطن - نشر مؤخرا بيتر فام مدير أفريكا سانتر التابع لمجموعة التفكير الأميركية أطلانتيك كاونسيل تغطية لتقارير الولايات المتحدة عن الإرهاب في سنة 2015، وهي تغطية ملفتة للانتباه وأثارت استنتاجاتها ردات فعل تتراوح بين التحذير والذهول والخبل. والمثال عن النوع الأخير من ردة الفعل نجده في مفتتح الصفحة 301 من الوثيقة حيث نقرأ “عملت الولايات المتحدة والدولة الفلانية بتعاون على محاربة التهديد الذي يشكله تنظيما القاعدة وداعش في 2015، وشمل ذلك استخدامهما لطرقات العبور والتسهيل داخل البلاد”.

ونظرا لتأكيد وزارة الخارجية بأن الولايات المتحدة “عملت بتعاون” مع هذا البلد لمحاربة التهديد الذي تشكله كل من القاعدة وما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، قد يكون مفاجئا للقارئ بأن تكون المقتطفات أعلاه مأخوذة من باب التقرير الخاص بالدول الراعية للإرهاب إلى حد الاطلاع على أن البلد الفلاني ما هو إلا جمهورية السودان، وهي دولة لا تبدو السياسة الأميركية نحوها متجانسة ولا عقلانية.

وفي حين يوجد لدى الحكومة الأميركية عدد من الملفات المفتوحة مع نظيرتها السودانية، بما في ذلك المشاغل المشروعة التي تخص العنف الدائر حاليا، ووصول المساعدات الإنسانية، والفضاء السياسي داخل هذا البلد الأفريقي، لم تكن هذه هي الأسباب التي دفعت الرئيس بيل كلينتون إلى تصنيف السودان “بلدا راعيا للإرهاب” في سنة 1993 وتركها لاحقا في ذلك الصنف.

وتدعّم تبرير تصنيف إدارة كلينتون باستخدام السودان كمركز تتجمع فيه عدة تنظيمات إرهابية بما في ذلك القاعدة الوليدة بقيادة أسامة بن لادن بفضل الترحيب الذي لقيه من قبل حسن الترابي في منتصف التسعينات، وكان الترابي وقتها رئيسا للمجلس الوطني والأمين العام للجبهة الإسلامية الوطنية. لكن الترابي خسر مناصبه الحكومية بعد خلافه مع الرئيس السوداني عمر البشير في سنة 1999 ودخل السجن مرارا الى حين وفاته بداية هذه السنة. ويلاحظ تقرير وزارة الخارجية الأميركية بشكل جازم بأن “دعم السودان للقاعدة توقف”.

وفي مكان آخر من التقرير وبالتحديد الصفحة 45، تصل وزارة الخارجية إلى حد الاقرار بأن السودان في السنة الماضية قام باعتقال أمينو صديق أوغيوش، المدبر المزعوم لتفجير نيانيان سنة 2014 المرتبط بتنظيم بوكو حرام في أبوجا الذي خلّف أكثر من سبعين قتيلا، وتسليمه لنيجيريا لمحاكمته. كما لم تكن المساعدة التي قدمها السودان للإنتربول في تقفي الإرهابي النيجيري المثال الوحيد لتعاون البلد الجاري مع مؤسسات تطبيق القانون الدولي. فقط منذ أيام قليلة أقرت وكالة الجريمة الوطنية البريطانية بمساعدة الشرطة الوطنية السودانية لها في القبض على أحد أشد المطلوبين من المتاجرين في البشر في العالم وتسليمه للسلطات الإيطالية واسمه مريد الجنرال مدحاني، وهو مواطن إريتري متهم بالوقوف وراء المركبة التي غرقت بالقرب من جزيرة لمبادوزا في سنة 2013 وإزهاق أرواح 359 مهاجرا. في حين كانت العلاقات الأميركية السودانية صعبة في الفترة الممتدة لأكثر من عشرين سنة منذ تم تصنيف هذا البلد الأفريقي “دولة راعية للإرهاب”. وفي الواقع، وصل تقرير الإرهاب الصادر عن وزارة الخارجية في السنة الماضية إلى حد الثناء على تعاون الخرطوم ضد تمويل الإرهاب بشيء من التفاصيل.

وبشكل عام، بدا أن حكومة السودان تعارض تمويل العناصر المتطرفة، فقد قام البنك المركزي السوداني ووحدة الاستخبارات المالية التابعة له، التي أعيدت تسميتها في سنة 2014 لتصبح ‘وحدة المعلومات المالية’، بتوزيع قائمة على المؤسسات المالية تضم أسماء الأشخاص والكيانات المدرجين في القائمة المعززة الصادرة عن لجنة العقوبات الأممية، فضلا عن قائمات الحكومة الأميركية للتنظيمات أو الممولين للإرهاب. وتم تجريم تمويل الإرهاب بمقتضى القرار الأممي 1373 في السودان بمقتضى قانون تبييض الأموال السوداني لسنة 2003.

وواصلت الحكومة السودانية التعاون مع “فريق العمل للتحرك المالي” واتخذت خطوات في اتجاه احترام العايير الدولية في محاربة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وفي سنة 2014 أقر السودان قانونا جديدا لمكافحة تبييض الأموال ومحاربة الإرهاب وصادق على الميثاق الأممي ضد الفساد. لم يقم موظفو البنك المركزي السوداني بتجميد أو حجز و/أو مصادرة ممتلكات في سنة 2014. وواصل السودان التعاون مع الولايات المتحدة في التحقيق في الجرائم المالية المرتبطة بالإرهاب.

ومن سخرية الموقف، مثلما أقر التقرير الأول بصفة عرضية، أن القيود المالية وغيرها المندرجة في إطار العقوبات على رعاية الإرهاب ربما تعيق فعلا قدرة السودان على التعاون في محاربة الإرهاب “يزداد تعطيل قدرة الحكومة السودانية على مراقبة التدفقات المالية الممنوعة بفعل الصعوبات التي تواجه القطاع البنكي السوداني في إيجاد بنوك ملائمة لمعالجة المعاملات الدولية، مما يدفع أغلب السودانيين لنقل الأموال نقدا”.

6