الموقف الأميركي بعد رسائل النصرة ومعركة حلب

السبت 2016/08/06

تزداد العقبات في طريق المفاوضات الأميركية – الروسية المتعلقة بالتوصل إلى توافق على خطة عسكرية لاستهداف جبهة النصرة في سوريا؛ فالمفاوضات التي تعثرت بسبب تعنت الجانب الروسي ورفض تقديم تنازلات سياسية، واجهت عقبات جديدة بإعلان جبهة النصرة فك ارتباطها بتنظيم القاعدة من جهة، وإطلاق الفصائل العسكرية في مدينة حلب ومن بينها جبهة فتح الشام، النصرة سابقاً، معركة “الملحمة الكبرى” لفك الحصار عن المدينة، من جهة أخرى.

يبدو بديهيا أن فك ارتباط جبهة النصرة بصورة اسمية مع تنظيم القاعدة لا يجعل منها منظمة معتدلة بالنسبة للولايات المتحدة. في واقع الأمر خطاب زعيم التنظيم أبومحمد الجولاني لم يترك مجالا، ولو بسيطاً، لتأويل الخطوة التي اتخذها على أنها فك ارتباط تنظيمي وأيديولوجي، وخصوصاً بعد المديح الذي كاله لأيمن الظواهري وأسامة بن لادن. وهو ما استدعى ردا أميركيا سريعاً بإعلان عزمها استهداف “جبهة فتح الشام”، وبأن خططها مع روسيا لن تتأثر بتغيير اسم جبهة النصرة.

ولكن خطاب زعيم النصرة يبقى محكوما باللحظة الحاسمة وشديدة الإحراج والمتمثلة في إعلان الانفصال عن تنظيم القاعدة، بكل ما يعنيه ذلك من خضوع للأمر الواقع، الدولي والمحلي، ووضوح الرغبة في التنصل من أعباء تنظيم إرهابي لا يمكن حصر قائمة خصومه لا دوليّا ولا إقليميا. ما ينبغي مراقبته هو سلوك جبهة النصرة بعد خطاب الجولاني، إذ يبدو أنها تتجه نحو سياسة جديدة، لا تستهدف التحول إلى “تنظيم معتدل”، وإنما الخروج فحسب من لوائح الإرهاب كما هو حال بقية الكتائب السلفية في سوريا.

جرى الحديث خلال الأيام الماضية عن أن خطوة جبهة النصرة الجديدة تسببت في انشقاق عدد من قياداتها فضلاً عن المئات من الجنود لديها. تراقب أجهزة الاستخبارات الأميركية التحولات التي تجري حالياً داخل جبهة النصرة وسيحرص التنظيم على إظهار تلك التحولات وخصوصاً ما يظهر منها حقيقة انفصاله عن القاعدة. كما دفعت جبهة النصرة بمتحدث إعلامي ليتحدث باللغة الإنكليزية إلى قناة “سي أن أن” الأميركية، وليقول علناً إن التنظيم الجديد لا يتلقى التعليمات من أي جهة خارجية، وأن نطاق عمله محصورٌ في سوريا. هي رسائل موجهة لأميركا تحديداً بعد أن أعلنت النصرة أن الهدف الرئيسي لفك الارتباط هو “سحب الذرائع”، ما يعني أنها تراهن على أن تنجح سياستها الجديدة في إيقاف العمل العسكري الأميركي – الروسي الذي يبدو حتمياً، أو أن تزيد من احتمالات فشله في حال تم إطلاقه.

وبقدر ما كانت خطوة فك الارتباط موجهة للجانب الأميركي، كانت -أيضا- موجهة لجنود جبهة النصرة و للداخل السوري بمدنييه وفصائله العسكرية. بالنسبة إلى مقاتلي النصرة، سوف تزيد تلك الخطوة من ارتباطهم بالتنظيم وخصوصا أن العدد الأكبر منهم سوريون هدفهم قتال النظام السوري حصراً ولا يقاتلون معها باعتبارها فرعاً من تنظيم القاعدة. لن تحافظ النصرة على مقاتليها فحسب، بل ستتيح لها تلك الخطوة رفع وتيرة عمليات تجنيد السوريين. أما بالنسبة إلى الفصائل العسكرية السورية فسيشجعها ذلك على تعاون أكبر مع جبهة فتح الشام وصولاً إلى تأسيس تحالفات عسكرية وسياسية. وأخيراً فإن الخطوة سوف تزيل الحرج عن الدول الإقليمية الداعمة، من دون أن تدعم النصرة بالضرورة، ولكن يرجح أن تزيد دعمها للائتلافات العسكرية التي ستكون النصرة جزءًا منها.

وقد برزت انعكاسات الخطوة من حيث العلاقة الأوثق مع المعارضة السورية وزيادة الدعم الإقليمي من خلال إطلاق معركة حلب. اندفعت النصرة نحو المعركة بكل قوتها في ما يمكن أن يفسر على أنه رسالة موجهة للولايات المتحدة تؤكد على أن فك الارتباط بتنظيم القاعدة قابله تعزيز الارتباط بفصائل الثورة السورية، وأن الارتباط الأخير لم يعد بالإمكان فصم عراه. وليس سراً أن أميركا تراهن على، وتطلب، فك ارتباط فصائل الثورة السورية بجبهة النصرة إذ يعتبر ذلك أحد أهم نقاط الارتكاز التي تقوم عليها الخطة العسكرية المنتظرة مع روسيا.

تمارس جبهة النصرة السياسة على مستوى متقدم لأول مرة بمحاولتها وضع أكبر قدر من العراقيل أمام اتفاق روسي – أميركي على ضربها، ولا يمكن استبعاد أن تتمكن من إفشال ذلك الاتفاق أو إضعاف إمكانية تنفيذه بعد إعلانه، وخصوصاً أن الاتفاق يعاني أساساً من إشكالات ويواجه انتقادات حادة داخل البيت الأبيض حتى من قبل وزير الدفاع. ومن المرجح أن تزداد حدة تلك الانتقادات إذ تبدو الخطوة الأميركية عدمية بالمعنى السياسي، خاصة أنها ستضعف معسكر الثورة السورية على العموم وهو ما سيزيد من تعنت الأسد المتعنت أصلا والذي يمنع أي تقدم سياسي.

وأخيرا، فإن اندفاع جبهة النصرة لخوض معركة كبرى تهدف إلى فك الحصار عن 300 ألف مدني سوف يزيد من الموقف المحرج الذي تقبع فيه الإدارة الأميركية. تشاهد الأمم المتحدة والعالم أجمع بسلبية مذهلة هذا المستوى المرعب من إبادة المدنيين في سوريا وحصار ما يناهز مليونَيْ إنسان يفتك بهم الجوع في مشهد ينتمي إلى القرون الوسطى. ويا لها من مفاجأة ومفارقة أيضاً، أن تقوم القوى الإسلامية شديدة التطرف والموسومة بالإرهاب، وعلى رأسها جبهة النصرة سابقاً، بوضع مهمة تحرير المدنيين على رأس أولوياتها، فيما تهاجمهم الولايات المتحدة مساهمة في تأبيد حالة الموت والحصار في سوريا.

كاتب فلسطيني سوري

9