الموقف السعودي وعروبة لبنان أو حكايتنا مع بلاد فارس

الأربعاء 2016/03/02

لن تنتهي التداعيات التي سببتها صدمة سحب المملكة العربية السعودية للهبة المقدمة للجيش اللبناني قريبا. لا شك أن السعودية، طالما دعمت الدولة اللبنانية، سواء داخليا أو في المحافل الدولية، وساهمت في إنهاء الحرب الأهلية الطويلة التي غرق فيها لبنان، وساعدت على إعادة إعماره في كل مرة تعرض فيها للاعتداءات الإسرائيلية، وخصوصا بعد حرب 2006 الأخيرة.

في المقابل كانت سياساتها التقليدية المعتدلة، خصوصا بعد اغتيال رفيق الحريري، تكبح أحيانا جماح بعض أطراف الفريق السيادي وتلزمه بتقديم تنازلات موجعة؛ الأمر الذي ساهم في إضعافه وترهله بشكل فقد معه روح المبادرة والصمود، فأصبح عاجزا عن مواكبة السياسة السعودية الجديدة التي تبلورت مع العهد الجديد تجاه سياسات إيران العدوانية والمعتمدة على حزب الله الذي يستغل، صفتيه “اللبنانية” و”العربية”، من أجل القيام بما تعجز عنه إيران التي تريد أن تظهر كدولة منضوية في المنظومة الدولية. فيقوم بالاعتداءات على عدة مستويات؛ السياسية والإعلامية والمذهبية وحتى الأمنية، غير عابئ بنتائجها على الوضع الداخلي ومورطا للحكومة.

يضاف إلى ذلك عجز مكونات 14 آذار عن مواكبة السياسة السعودية المستجدة للكف عن تقديم تنازلات سياسية من دون قعر تهدد وجود لبنان نفسه، والتي تشاركت مع خصمها في تبادل المصالح الخاصة والمحاصصات، التي يوظفها الفريق الآخر للاستيلاء على الدولة برفق وتروٍ؛ بما يذكرنا بتجربة قتل الضفدعة بوضعها في مياه فاترة وإشعال نار هادئة تحتها تقتلها دون أن تحس.

لقد تحول لبنان إلى تابع ومنفذ للسياسة والأجندا الإيرانيتين؛ فالنأي بالنفس كان صيغة لعدم تعميق الخلاف الداخلي تجاه الأزمة السورية، وليس للنأي بالنفس عن العروبة للالتحاق بإيران وخدمة مصالحها. كما أن الحفاظ على الوحدة الوطنية لا يتعارض مع العروبة كما يزعم وزير خارجيتنا، الذي نفى رئيس الحكومة تمثيله للسياسة اللبنانية! فهل وصل بنا الأمر في لبنان إلى أن ننقسم بين عرب وفرس؟

الحكومة السابقة، التي كانت أقرب إلى حزب الله، كانت تعترض على ما كان يقوم به الوزير السابق، عدنان منصور، بينما تسكت هذه الحكومة عن تصرفات أكثر انحيازا وتطرفا في زمن حرج.

استعادت إيران مع الملالي الفورة الكبيرة التي سبق أن قامت بها منذ أكثر من ألفي عام ودامت 50 عاما. وللاستفادة من دروس الماضي، وللإضاءة على الحاضر، سأورد مختصرا لحكايتنا مع بلاد فارس بحسب المؤرخ البريطاني إي إتش غومبريتش.

يكتب أنه حصل أمر غريب جدا، يصعب فهمه، بين سنتي 550 و500 قبل الميلاد.

على سلسلة الجبال العليا التي تجري شمال منطقة بلاد الرافدين، تعيش قبيلة برية جبلية منذ فترة طويلة. كانت لدى أفرادها ديانة غاية في الجمال: كانوا يعبدون الضوء والشمس وآمنوا بأنهما في حرب مستمرة مع قوى الشر المظلمة. هذا الشعب الجبلي هو الفرس.

على مدى المئات من السنوات كان يهيمن عليهم الآشوريون، ومن بعدهم البابليون. في أحد الأيام كانوا قد وصلوا إلى حد الاكتفاء من هذه السيطرة. وكان حاكمهم سايروس ذا شجاعة وذكاء استثنائيين، وهو لم يعد مستعدا لتحمل الظلم الذي يتعرض له شعبه. قاد سايروس فرقة من خيالته جنوبا إلى سهل بابل. تطلع البابليون من علياء حصونهم وضحكوا على فرقة المقاتلين الصغيرة التي تجرأت على مهاجمة مدينتهم. غير أن هؤلاء نجحوا في تحقيق هدفهم باستخدام الشجاعة والدهاء؛ (الصفة التي تبدو ملازمة لهم حتى الآن). وعليه فقد أصبح سايروس سيد هذه المملكة العظيمة. كانت أول أوامره هي إطلاق سراح كل الناس الذين أسرهم البابليون، وكان من بينهم اليهود، الذين عادوا إلى ديارهم في بيت المقدس وكان ذلك في العام 538 ق م، (الذين حفظوا الود في عدة مناسبات قريبة رغم البروباغندا). لكن ملوك الفرس لم يقنعوا بالمملكة العظيمة التي حصلوا عليها؛ بل توجهوا لاحتلال مصر، ونجحوا في المهمة. سقطت مصر وتم خلع الفرعون. أصبحت هذه القبيلة الفارسية القديمة سيدة كل العالم القديم تقريبا. لكنهم لم يكونوا قد سيطروا على بلاد الإغريق بعد، كانت تلك هي الخطوة القادمة.

حكم داريوش إمبراطورية الفرس الشاسعة، والتي امتدت من مصر إلى حدود الهند، إلى درجة لم يكن لشيء أن يحدث في أي مكان في العالم إلا بأمر منه. عبّد داريوش الطرق حتى تنتقل أوامره بلا تأخير إلى أقصى بقاع مملكته. وكان يتجسس حتى على أهم موظفيه ومزرياناته، عن طريق مخبرين معروفين بـ”عيون وآذان الملك”، (كما حالهم الآن). وجّه هذا الملك أنظاره نحو آسيا الصغرى حيث مدن الإغريق على سواحلها.

لم يعتد الإغريق أن يكونوا جزءا من إمبراطورية عظيمة، لها حاكم يرسل أوامره يعلم الله من أي موقع في قلب آسيا، متوقعا الطاعة الفورية. كان العديد منهم تجارا أغنياء، معتادين على إدارة شؤونهم بأنفسهم واتخاذ قراراتهم الخاصة ولم تكن لديهم أي رغبة في أن يحكمهم ملك فارسي، ولم يكونوا ليدفعوا أي ضريبة. لذا ثاروا وطردوا الحكام الفرس… وقد كتب لهم الانتصار بعد صراع. والسبب أن السفن الإغريقية كانت أكبر حجما وأسهل قيادة، والأهم من ذلك أنهم يحاربون بكل طاقاتهم من أجل حريتهم.

لم يتجرأ الفرس مجددا على الهجوم على الإغريق. كما استطاع الإسكندر هزيمتهم الساحقة في ما بعد. وللتذكير صمدت مدينة صور وقاومت هذا الإسكندر نفسه لـ7 أشهر، بينما تهاوت المدن الفارسية أمامه. علنا نتعظ من التاريخ.

وفي عودة إلى غلبة الفرس، لم يكن الفرس أضعف أو أقل ذكاء من الإغريق، بل العكس تماماً. ولكن الإغريق كانوا مختلفين. فبينما ربطت الإمبراطوريات الشرقية العظيمة نفسها بقوة إلى تقاليدها وتعاليم أسلافها، اتجه الإغريق، والأثينيون خصوصا، إلى ما هو عكس ذلك تماما. كل سنة تقريبا كانوا يأتون بجديد. كانت الأشياء تتغير باستمرار، وضمن قيادتهم أيضا. هذا ما يفسر لماذا خلال المئة سنة التي لحقت الحروب الفارسية، ظهرت أفكار متجددة في عقول شعب أثينا الصغير هذا، أكثر من تلك التي مرت بعقول شعوب الإمبراطوريات العظيمة في الشرق، من الأفكار إلى الرسم والنحت والمعمار والمسرحيات والشعر والاختراعات والتجارب والنقاشات والجدل.

وانطلاقا مما سبق نقول إن سياسة السعودية الجديدة، المتحررة من التقليد السياسي المعتاد، تجاه إيران العدائية ربما هي الأنجع والأنسب لمواجهة فورة الغرور الفارسي المستعاد والذي لم يدم في التاريخ أكثر من 50 عاما. وستستعيد هذه البلاد حريتها وعزتها ولو بعد حين وبعد الكثير من التضحيات.

في المقابل لا أظن أن الموقف السعودي الغاضب والذي يعاقب الجيش والشعب اللبناني أو العاملين في الخليج العربي هو الشكل الأنسب للرد على إيران.

إن المواجهة من واجب اللبنانيين وممثليهم في الحكومة أو خارجها، لأن الأمر لا يتعلق فقط بالهبة السعودية أو بالتضييق على لبنان اقتصاديا أو على العاملين في الخليج على أهمية كل ذلك. إنه يتعلق بالموقف المبدئي من كون لبنان عربيا بحسب الدستور اللبناني، ولا يمكن لأي مكون في الحكومة التي تمثل لبنان الرسمي أن ينفي هذه الصفة الأساسية عن لبنان واللبنانيين. إن أمن لبنان جزء من الأمن القومي العربي.

إن تقوية مواقف حلفاء الداخل ومطالبتهم بالحزم ومساعدتهم على الصمود والضغط لانتخاب رئيس بأي ثمن (الأمر الذي ارتأى وزير خارجيتنا أنه استغلال رخيص للأزمة) أجدى وأنفع. عاقبوا الجزء وليس الكل.

كاتبة لبنانية

9