الموقف من الجوائز الأدبية

الخميس 2015/05/28

تتعاقب المواسم، والموقف من الجوائز الأدبية في بلاد العرب لا يتغير، فردود الأفعال تتخذ كالعادة أوجها ثلاثة: وجه الفائز الذي يرى في اصطفائه من بين خلق كثير تتويجا لجهده وتكريما لمسيرته واعترافا بمكانته. ووجه الخائب الذي يجد لفشله أعذارا ليس أقلها الطعن في اللجان والقدح في صدقية موازينها، ومن النادر أن يعترف باستحقاق المنافس، فضلا عن تهنئته. ووجه اللامبالي، الذي نفض يديه من الجوائز ومحفزاتها ونتائجها، وآثر الاشتغال على نصه بعيدا عن الأضواء.

والحق أننا نولي الجوائز من الأهمية فوق ما تستحق، وننظر إليها كحكَم فصلٍ بين جيّد الأدب ورديئه، والحال أنها مسابقة لها شروطها وذائقة القائمين عليها وأمزجتهم، ولو قدّر للعمل الفائز أن يعرض أمام لجنة أخرى لبوّأت غيره، فالأدب ليس علما صحيحا، وتقويمه قد يختلف من ناقد إلى آخر. ومن ثم لا يمكن اعتبار قرار هذه اللجنة أو تلك مقياسا أسمى نزن به العمل في المطلق، فكم من عمل رائع تغاضت عنه لجنة غونكور مثلا، كرواية سيلين “سفر إلى آخر الليل”، وكم من عمل متوسط كللته، كرواية “حجر الصبر” لعتيق رحيمي، وكم من عمل ظل خارج القائمة القصيرة قبل أن يفرضه أحد المتنفذين في اللجنة، كما حصل لرواية ليدي سالفير “لا للبكاء” التي أقحمت في المنافسة الأخيرة بين كمال داود ودفيد فوينكوس وفازت عليهما بالضربة القاضية. بل إن غونكور تمنعت حتى على بعض الفائزين بجائزة نوبل من الكتاب الفرنسيين مثل أندري جيد وسارتر وكامو وكلود سيمون ولوكليزيو. ولكن الطريف أن من تتجاهله الجوائز يكون سعيدا، كحال البرتغالي فرناندو بيسّوا الذي عبر عن ذلك بقوله “أحمل بداخلي وعي الهزيمة مثل راية نصر”.

ذلك أن الجوائز هي حدث عابر، والأحداث العابرة شيء، وحداثة الأعمال المنذورة للدوام شيء آخر. وإذا كانت لذة الشهرة زائلة بزوال زمنها، خصوصا إذا انبنت على زيف ومحاباة، فإن العمل الفني الحق ليس مرهونا بزمن، إذ يمكن أن يخلد للنوم عشرات السنين وحتى القرون كما هو الشأن مع روائع التوحيدي.

في كلمة ألقاها أخيرا بمناسبة منحه جائزة ثربانتس، نوبل الآداب الأسبانية، صرح خوان غويتيسولو “أن أكون محلّ تبجيل من المؤسسة الأدبية يدفعني إلى الشك في نفسي، ولكن أن أكون في نظرها شخصا غير مرغوب فيه، فهذا يؤكد وجاهة موقفي من حيث السيرة والعمل. من علياء شيخوختي، أحس قبول هذا التكريم كضربة سيف في الماء، كاحتفال لا فائدة من ورائه”.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15