الموقف من السعودية يكشف توازنات جديدة للإعلام الغربي

كشفت الهجمة التي شنّتها وسائل إعلام غربية ضد المملكة العربية السعودية ديمقراطية الإعلام الغربي، مثلما كشفت عن قصور في السياسة الإعلامية الخارجية للسعودية، استغلته إيران في محاولة تلميع صورتها وسياستها الجديدة بعد الاتفاق مع الغرب وتحولها من دولة مارقة إلى دولة حليفة.
الجمعة 2016/01/22
على قدر قوة الإعلام يأتي التأثير

لندن- يرى يوهان جالتونج، الحائز على جائزة نوبل البديلة في مجالات أبحاث السلام، أن وسائل الإعلام تميل إلى التغطية السلبية للأحداث، ما يمنح مثيري العنف اهتمام الرأي العام، أما المبادرات التي تدعو إلى السلام فلا تكاد تحظى باهتمام. والتغطية السطحية للأحداث المتعلقة بالعالم الإسلامي في وسائل الإعلام الغربية تؤدي إلى تعقيد كثير من الصراعات والقضايا.

يفسّر رأي جالتونج، الذي أسس بمدينة أسلو أول معهد لأبحاث السلام عام 1959، في جانب كبير منه السبب وراء الهجمة التي شنّتها وسائل إعلامية غربية، مؤخّرا، ضدّ المملكة العربية السعودية، والتي يؤكّد خبراء ومراقبون ونشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي أنها جزء من الثمن الذي طلبته إيران لتوقيع الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة وحلفائها.

ويشيرون، في هذا السياق، إلى أن أغلب وسائل الإعلام التي ركّزت على السعودية هي من الدول الرئيسية التي تبنّت محادثات توقيع الاتفاق، وهي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين بالإضافة إلى ألمانيا. وباستثناء الصين، انبرت مجموعة من وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، في بقية الدول تشنّ حملة على السعودية كان وقودها بالأساس إعدام السلطات السعودية للمعارض الشيعي نمر النمر ضمن47 مواطنا سعوديا تمت إدانتهم بالتورّط في عمليات إرهابية.

واعتبرت وسائل الإعلام الغربية التي سبق ودعت السعودية إلى محاربة الإرهاب واتخاذ مواقف جادة وصارمة ضدّ من يتم اكتشاف تورّطه، أن هذه العملية انتهاك لحقوق الإنسان، لكن اللافت، والمثير للشكوك، هو التركيز على إعدام نمر النمر دون الـ46 الباقين، ما يؤكّد أن الاعتراض ليس حقوقيا أو إنسانيا كما يزعمون بل لدوافع دينية وسياسية بحتة.

إلى جانب تلميع صورة إيران، يعتبر إقدام السعودية على تخفيض أسعار النفط من الأسباب التي تقف وراء هذه الهجمة

وقد خصّصت شبكة سي أن أن الأميركية وبي بي سي البريطانية وأر تي الروسية مساحات كبيرة من نشراتها الرئيسية لمتابعة موقف إيران من عملية الإعدام التي تعتبر شأنا داخليا قضائيا سعوديا. وقد تزامنت هذه التغطية مع مجموعة تقارير، بعضها سابق لعملية إعدام النمر، لكنّه تزامن مع توقيع الاتفاق النووي مع إيران، وبداية الحديث عن تقارب غربي إيراني، والبعض الآخر، استمثر في قضية الإعدام وجاء بالتزامن مع رفع العقوبات الاقتصادية على إيران، رغم معارضة الكثير من السياسيين والرأي العالم في الولايات المتحدة وأوروبا، باعبتار أن إيران تدعم مجموعة من التنظيمات المسلّحة الموجودة على قائمة التنظيمات الإرهابية العالمية.

في سياق هذه الحملة عرضت شبكة سي أن أن برنامجا حواريا تحت عنوان «دعم أميركا للمملكة العربية السعودية يعتبر سيفا ذا حدين» مع المحلل السياسي فريد زكريا، الذي لخص المشكلة أن دعم واشنطن للرياض غذى ظهور التعصب الإسلامي والإرهاب.

ونشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا لوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف يهاجم فيه المملكة العربية السعودية، فيما ينفي كل التهم المتعلّقة بالإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان، وحرية الرأي عن بلاده، التي وصلت بها درجة القمع وتضييق الخناق على حرية الإعلام في الداخل إلى حد منع الأطباق اللاقطة للبث الفضائي.

تجنيد إعلامي

يوهان جالتونج: الأخبار التي ترد عن الشرق الأوسط يغلب عليها طابع العنف

على إثر الهجوم الذي تعرّضت له الصحيفة بسبب مقال رئيس الدبلوماسية الإيرانية غير الموضوعي، نشرت ردّا لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير، لكن ذلك لم يبرّئ ساحة الصحيفة، المقرّبة من البيت الأبيض، وذلك بسبب مجموعة المقالات التي تم نشرها في سياق تلميع صورة إيران على حساب السعودية، من ذلك افتتاحية انتقدت إعدام السعودية لنمر النمر، ونشرت مجموعة آراء ومقالات حملت عناوين من قبيل “لعبة السعودية الطائفية الخطيرة”، فيما كتب مراسلها في البيت الأبيض، ديفيد سانغر، أن “السعودية مسؤولة عن التوتر في المنطقة”.

وفي صحيفة واشنطن بوست كتب نائب رئيس تحريرها، ديفيد إغناتيوس، عن “التخبّط المكلف لقيادة السعودية التي يسيطر عليها القلق”، كما تجنّدت مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية غير المستقلة للحديث بصوت الحكومة الأميركية عن مشاكل في داخل البيت السعودي، و”أن الملك سلمان بن عبدالعزيز يتهيّأ لإعلان ابنه وليا للعهد”.

ولم يختلف الوضع كثيرا في بريطانيا، التي تعدّ الحليفة الرئيسية الثانية للمملكة العربية السعودية، التي جنّدت بدورها أبرز وسائل إعلامها على غرار محطة بي بي سي وصحيفة الغادريان للحديث عن حقوق الإنسان في السعودية، عبر ذكر مؤشرات ومقاييس قد تتناسب مع المجتمع البريطاني لكن لا تتناسب مع طبيعة المجتمع السعودي. ولضمان تأثير أكبر تطرّقت الغارديان إلى قضية “تصدير السلاح للسعودية” ووصفتها بأنها “لعنة تهدد حكومة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون التي تسمح بتصدير الأسلحة للسعودية التي تستخدمها في هجماتها التي خلفت الآلاف من الضحايا في اليمن”.

وذهبت الصحيفة البريطانية إلى حد القول إن السعودية استحوذت على الرقم الأعلى في عمليات الإعدام وإنها نفذت الحكم على 157 شخصا في 2015 فقط، متانسية أن نفس المصدر الذي أخذت منه أرقامها، وضع إيران في أعلى القائمة، حيث نشر موقع “الشبكة الفدرالية لحقوق الإنسان” التي تضم 164 منظمة حقوق إنسان حول العالم، حقائق تؤكد أن إيران تخطت في عام 2015 الرقم القياسي للإعدامات المسجل عام 1989، بعد أن أكدت القيادة الإيرانية تنفيذ 246 حكم إعدام في عام 2015، فيما تتحدث مصادر موثوقة عن 448 حالة إعدام أخرى.

الهجمة الإعلامية الغربية الأخيرة على المملكة العربية السعودية فضحت زيف ديمقراطية الإعلام الغربي، لكن ذلك لا يعني تبرئة الساحة السعودية

ودخلت فرنسا على الخط، عبر مقال لصحيفة “لي ايكو” حمل عنوان “متى ستفلس المملكة العربية السعودية”، يزعم أن الاحتياطات المالية للمملكة ستنفد بحلول عام 2020، بسبب انخفاض أسعار النفط والإنفاق العسكري. من جهتها ركبت ألمانيا على الموجة عبر تصريح مخابراتها أن السعودية تتبع سياسة اندفاعية في المنطقة.

وبعد اعتداءات باريس نشرت صحيفة لوموند مقالا يدعو الغرب لقطع علاقاته مع السعودية، معتبرا أنها من أهم أسباب انتشار التطرف الإسلامي.

وفي تفسير هذه الهجمة تشير صحيفة “الصنداي تليغراف” إلى أن مقاتلي داعش في منبج ينتمون إلى 30 جنسية مختلفة، مضيفة أن البريطانيين يشكلون النسبة الأعلى من بين المقاتلين في منبج يليهم الألمان ثم الفرنسيون، فالمجتمع الدولي يريد أن يستغل إيران لمحاربة داعش، وعلى ما يبدو أن سياسة السعودية العدائية مع إيران لا تخدم مصالح المجتمع الدولي على الأقل في الوقت الراهن، مما قد يبرر إقدام بعض وسائل الإعلام الغربية، المقربة من الحكومات بالأساس، على رفع سقف نبرتها العدائية ضد السعودية مقابل الترويج لنبرة تصالحية مع إيران.

وتعليقا على ذلك، يرى عضو مجلس الشورى السعودي السابق محمد بن عبدالله آل زلفة أن “الإعلام الغربي يركز في الفترة الأخيرة بشكل غير إيجابي على المملكة لعدم فهمه لما يحدث فيها، وكذلك مواقفها من القضايا المختلفة في منطقة ملتهبة ابتداء من اليمن مرورا بالعراق وسوريا ولبنان”. واستطرد آل زلفة، في تصريحاته لوكالة دوتشي فيلة الألمانية، “أن السعودية يؤذيها ما يكتب عنها، ولكنها تفعل ما تراه في مصلحتها وما تراه في خدمة أمنها واستقرارها”.

وفي ردّ على تساؤل حول سبب هذه الهجمة، طالب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ضمن حوار مع سكاي نيوز الغرب بتحديد موقفه بالضبط وما يريده من المملكة العربية السعودية، فالحكومات الغربية من جهة تطالب السعودية بأن تتولى القيادة في المنطقة، ثم بعد أن اضطلعت بهذه المهمة جرى انتقادها.

عادل الجبير: كنتم تطالبون السعودية أن تتولى القيادة والآن تتهمونها بالتهور

ويعتبر خبراء، أنه إلى جانب الرغبة في تلميع صورة إيران، يعتبر إقدام السعودية على تخفيض أسعار النفط من الأسباب التي تقف وراء هذه الهجمة، حيث كانت واشنطن تراهن على ثورة النفط الصخري لكسر اعتمادها على النفط السعودي.

تقصير سعودي

لا شكّ في أن الهجمة الإعلامية الغربية الأخيرة على المملكة العربية السعودية فضحت زيف ديمقراطية الإعلام الغربي، لكن ذلك لا يعني تبرئة الساحة السعودية، على الأقل في ما يخصّ عدم اهتمامها، وهي رائدة الإعلام الفضائي في العالم العربي، بالانفتاح والتركيز على الخارج قبل الداخل، وقطع الطريق عبر استباق الحدث.

فإيران نجحت في توجيه الإعلام الغربي بشكل قوي وبحضور ملفت قابله ضعف في الحضور السعودي، ومن هنا دعا خبراء وناشطون سعوديون وزارات الخارجية والثقافة والإعلام في السعودية إلى مراجعة استراتجيتها الإعلامية تجاه قضايا المنطقة وخلق توازن عند الرأي العام الغربي، حيث يقول الكاتب البريطاني أليستر سلون إن “آل سعود يحظون بشعبية كاسحة في السعودية بعكس ما يصوره بعض الإعلام الغربي”، ومن هنا وجب إيصال هذه الصورة. وهذه المهمة تتطلب مداخلات سعودية قوية باللغة الإنكليزية في الصحافة الغربية. ولعل الغياب الإعلامي السعودي هو السبب في الاستهزاء بالنائب كافشنسكي حين يدافع عن السعودية، ينبغي أن نقوم بدور أكبر وأكثر تأثيرا في الإعلام الغربي، لأنه الأقوى نفوذا وتأثيرا في الشارع والسياسة الغربين. وهي مهمة ليست صعبة، وإن بدت كمن يمشي على حقل ألغام.

الوطن العربي اليوم يحتكم على المئات من الفضائيات جزء كبير منها بأموال خليجية، وسعودية بالأساس، وبعض هذه الفضائيات يبث من عواصم أوروبية، ناهيك عن الصحف المطبوعة والإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. هذه الترسانة الإعلامية عليها أن تكون في مستوى الأحداث الراهنة عبر صنع خطاب إعلامي سعودي وعربي مباشر ومؤثّر يخاطب الآخر بنفس أسلوبه ويواجهه بالحقائق ويعترض محاولات إيران جعل الخليج العربي “خليجا فارسيا”، دون أن ننسى قضية الهوية العربية لمنطقة الأحواز وشعبها، والتي تطمسها إيران، ذات الحكم الديني، التي لا تعترف بحقوق المرأة ولا بحقوق الأقليات وكانت إلى وقت قريب تصنّف على أنها دولة مارقة.

7