الموقف من الفدرلة في العراق: حين يبدو التضليل دستوريا

الاثنين 2014/05/19

بعد احتلال العراق عام 2003، قرر الحاكم المدني الأميركي بول بريمر حل أجهزة الدولة العراقية، وإنهاء العمل بدستور 1970، واستبداله بما سمي بقانون إدارة الدولة المؤقت، الذي وضعه بريمر بالتوافق مع مجلس الحكم الانتقالي. شكّل الأخير من 25 شخصية عراقية ممن كانت في المعارضة، وقد رُعي في ذلك تنوعهم العرقي والمذهبي بدعوى إشراك جميع المكونات في حكم “العراق الجديد “. نص قانون إدارة الدولة المؤقت على تكريس صيغة الحكم الفيدرالي، أي اعتبار المحافظات الكردية الثلاث إقليما قائما بذاته، وبالتالي إبقاؤها وفق صيغة الحكم الذاتي التي كان عليها بموجب قانون 1974، والذي منح الكرد هذا الحق بعد صراع طويل مع الدولة العراقية آنذاك.

جاء بعد ذلك الدستور الدائم الذي صاغه مجلس الحكم، متضمنا موادا إضافية حول المسألة الفيدرالية، كالمادة (119) التي تعطي الأحقية لأية محافظة بشكل منفرد أو مجموعة محافظات بأن تنتظم بإقليم، يتمتع بصلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية واسعة، وذلك وفق المادة (121) التي نصت على ذلك. إقليم كردستان استفاد منها ليتحول إلى إقليم شبه مستقل عن الحكومة المركزية، تصرف له مستحقات مالية من الموازنة العامة تصل إلى 17 بالمئة من حجم الناتج العام، جعلته يتمتع بنوع من الازدهار الأمني والاقتصادي. هذا ما شجع لاحقا العديد من سياسيي مجالس بعض المحافظات، التي بقيت تعاني من مشكلات التهميش والإهمال تحت الحكم المركزي المطالبة بتحويل محافظاتهم إلى أقاليم أسوةً بإقليم كردستان، مستندة في ذلك على المادة (119) انفة الذكر، ومتعللة بممارسات الحكومة المركزية، التي يقودها التحالف “الشيعي”، في الإقصاء والهيمنة ضد المجموعات الطائفية الأخرى، واستئثارها بالسلطة والثروة، وابتعادها عن مبدأ الشراكة وفق المحاصصة الطائفية و هو ما مثل جزءا من الأزمة.

الحكومة المركزية حاربت تلك الدعوات بقوة، والتي صدرت عن محافظتي ديالى ونينوى “السنيّتين” بحجة أن الأقلمة تناقض مبدأ وحدة العراق والذي نصت عليه المادة رقم واحد من نفس الدستور، والتي تقول إن “العراق دولة اتحادية واحدة بنظام برلماني ديمقراطي وإن الدستور هو الضامن لوحدة العراق”. هنا يظهر كل طرف مدعوما بنص دستوري، حيث تتمسك رئاسة الوزراء بالمادة رقم واحد للحفاظ على سلطتها المركزية، ويستند المطالبون بالأقلمة على المادة (119) من الدستور نفسه. الصراع هنا إذن يبدو حول تطبيق مواد الدستور، حيث يرى الطرف الحكومي أن تمسكه بالمادة رقم واحد ضمان لوحدة العراق، بينما الطرف الآخر يتمسك بالمواد التي تنص على الحق في إقامة الأقاليم، كحل لقضايا التهميش والإقصاء والتنمية، والتي فشلت الحكومة المركزية في حلها.

الحقيقة تقول إن الصراع حول هذه المسألة أبعد من الخلاف حول نصوص الدستور وتفسيراتها، فمنذ اليوم الأول للاحتلال كان تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم “كردي، سني، شيعي”؛ هو الرؤية الأميركية المعلنة، كتمهيد للذهاب أبعد من ذلك فيما بعد، وهذا ما توافقت عليه كل الأطراف السياسية الطائفية ومنها التحالف الشيعي الحاكم، والذي اعتمد عليه الاحتلال في صياغة قواعد العملية السياسية والدستور، والذي يؤسس لذلك.

إن ممانعة القوى الطائفية الشيعية للأقلمة ليس حرصا منها على وحدة العراق كما تروج، بهدف تضليل وتعبئة الشارع الشيعي بهذه القضية، كلما طالب الآخرون بالإقليم، كما أن المطالبة بتحويل المحافظات السنية إلى أقاليم، ليس نابعا من حرص القوى الطائفية السنية على إنهاء التهميش وإنجاز التنمية كما تحاول تضليل الشارع السني بذلك، وهم أساسا من وضعوا وروجوا لهذا الدستور الذي يؤسس لكل تلك المشكلات والصراعات! فالقضية بشكل أساسي تتعلق بالمصالح الإقليمية والدولية، وبصراع القوى السياسية من أجل المكاسب، غير آبهة بالمشاكل الداخلية التي تمس واقع المواطنين. إيران التي تعتبر المحرك الأبرز لمعظم القوى السياسية الشيعية، يشكل لها الإقليم “السني” الذي سيشرف على المناطق الغربية الحدودية مع سوريا، عائقا في الوصول إلى عقمها الاستراتيجي حيث تعتبر سوريا كذلك، ولاسيما أن القوى السنية الطائفية موالية لدول الخليج، بالإضافة إلى أن الأقلمة ستوفر رقابة نسبية على الموازنة، حيث ستبدو حركة الأموال الخارجة من المركز إلى الأقاليم أكثر وضوحا، وهذا الأمر لا يروق للقوى المركزية التي تستثمر تفردها بالمؤسسات لنهب القدر الأكبر من عائدات النفط، وتسييره لصالح إيران، التي يعتبر العراق بالنسبة إليها المورد المالي الأكبر في ظروف الحصار التي تعيشها، كذلك القوى السياسية السنية، تسعى إلى الحصول على حصتها من الكعكة.

المصلحة الأميركية تكمن في حسر النفوذ الإيراني، وتوفير المناخات الأنسب لإحكام سيطرة شركاتها النفطية بشكل أكبر على أقاليم متنازعة وإعادة تشكيل الخارطة وفق تلك المصالح، والمضي بتنفيذ خطة “بايدن” المعلنة التي ستتخذ أبعادا إقليمية أيضا.

في ظل هذه التجاذبات والصراعات حول الأقلمة والمركزة، يظهر ميل شعبي كبير في العراق، غير آبه بما يحاك في أروقة السياسة، باحثا عن تغيير فعلي خارج الأطر الدستورية والسياسية الهزيلة، تمثل في الاحتجاجات الشعبية التي عمت محافظات الوسط والغرب، والتي طالبت ولا تزال، بإنهاء المحاصصة وتغيير الدستور، وتتبعها في ذلك اتجاهات في المحافظات الجنوبية الشيعية بدأت تتلمس الخديعة وخاصة بعد أن دفنت العملية الانتخابية الأخيرة أي آمال في التغيير السياسي حيث بدت بشكل واضح للجميع أنها مجرد إعادة إنتاج لنفس الوجوه والبرامج والأيديولوجيات وبالتالي لنفس الأوضاع الخدمية والمعيشية المزرية التي تعيشها القطاعات الشعبية في تلك المناطق.

6