الموقف من داعش يؤجج الصراع بين روسيا والولايات المتحدة

الخميس 2015/04/23
ظهور داعش أعاد إلى الأذهان أول بروز للقاعدة الذي جاء بسبب السلوك الأميركي في الشرق الأوسط

موسكو - مع تفاقم الأزمة الناجمة عن تمدد داعش خارج حدود الشرق الأوسط وما يعقبها من تطورات متسارعة، بدا أن الأحداث تصب في اتجاه يسمح لموسكو وحلفائها الإقليميين في المنطقة بتحقيق بعض المكاسب في أكثر من ملف وإن كانت بدرجات متفاوتة، إلا أن الأمر يتجاوز حدود ذلك حينما يبرز بعد دولي يتمثل في التنافس الروسي الأميركي هناك.

اتهمت روسيا، الولايات المتحدة بالوقوف وراء ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وذلك في أحدث فصل من فصول التوتر في العلاقات بين البلدين التي باتت في تصاعد منذ انهيار النظام الأوكراني السابق الموالي لموسكو العام الماضي.

فقد اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن الإدارة الأميركية بقيادة باراك أوباما ليست جادة في محاربة التنظيم المتطرف، حيث أعاد إلى الأذهان أول ظهور للقاعدة الذي جاء بسبب السلوك الأميركي في الشرق الأوسط. وقال إن "الولايات المتحدة ترفض الإقرار بأن تنظيم داعش ظهر بسبب سلوكها في العراق".

وفي مقابلة أجرته مع إذاعات "سبوتنيك" و"صدى موسكو" و"موسكو تتحدث" أمس الأربعاء من موسكو، كشف لافروف عن اقتراح تقدمت به روسيا إلى مجلس الأمن في وقت سابق لإدراج تنظيم داعش على قائمة المنظمات الإرهابية للأمم المتحدة.

غير أن ذلك المقترح اصطدم بـ"فيتو" أميركي حينما أشار أقدم صقور الكرملين إلى أن "الأميركيين رفضوا، وادّعوا أنه لا يمثل تنظيما منفصلا بل هو امتداد لتنظيم القاعدة”، الأمر الذي يراه مراقبون بأنه إحدى معارك الحرب الباردة الجديدة بين البلدين وفق مبدأ العلاقات الجيواستراتجية في العالم.

1700 روسي انضموا لداعش في أقل من عام، وفق مدير وكالة الأمن الاتحادية الروسي

واعتبر المسؤول الروسي الذي دافع عن موقف بلاده الداعم للعراق وسوريا ضد التنظيم أن داعش عدو بلاده الأول لأن المئات من المواطنين الروس يتوجهون للقتال في صفوفه ثم يعودون إلى موسكو للقيام باستراحة قد تقودهم إلى القيام بأعمال إرهابية في نهاية المطاف، وذلك في معرض رده حول من يشكل التهديد الأكبر بالنسبة إلى روسيا في الوقت الحالي إلى جانب حلف شمال الأطلسي “الناتو” والولايات المتحدة والصين.

ولم يبد البيت الأبيض أي تعليق على تصريحات وزير الخارجية الروسي، غير أنها ستثير حفيظة المسؤولين الأميركيين خلال الفترة القادمة خصوصا أنها جاءت متزامنة مع بدء آخر جولات المفاوضات النووية بين القوى العظمى وإيران لإبرام اتفاق نووي يبدد شكوك المجتمع الدولي.

ويبدو أن المخاوف الروسية من داعش مبررة خصوصا أنها جاءت بعد أسبوعين فقط من كشف مدير وكالة الأمن الاتحادية الروسي ألكسندر بورتنكوف عن انضمام أكثر من 1700 روسي للتنظيم المتشدد ما يعني أن عددهم بلغ نسبة تصل إلى 200 بالمئة خلال أقل من عام.

ولم يكن ذلك السبب الوحيد على ما يبدو بل إن المعلومات التي بحوزة الاستخبارات الروسية تؤكد أن التنظيم نجح في تجنيد عناصر من الجماعات الإسلامية الروسية وخاصة الشيشانية منها في القوقاز والتي كان لها دور في مقاومة الروس، ما دفع أجهزة الأمن الروسية إلى الاستنفار لمنع تدفق المقاتلين الروس نحو الشرق الأوسط.

سيرغي لافروف: واشنطن ترفض الإقرار بأن تنظيم داعش ظهر بسبب سلوكها في العراق

وإذا كان الأميركيون يعتقدون بأن داعش هو وليد صناعة قيصرية من رحم القاعدة التي تأسست لإقلاق راحة الاتحاد السوفيتي السابق، فإن العديد من المحللين يرون أن الاتهامات الروسية لواشنطن في محلها قياسا بموقفها الرافض لإدراج أخطر التنظيمات تطرفا في الساحة العالمية على لائحة الإرهاب الدولي.

ومما لا شك فيه أن روسيا مقبلة على إعادة التفكير في عقيدتها العسكرية والاستراتيجية في ظل التطورات الجيوسياسية التي تحصل في العالم ولا سيما بعد الأزمة المستفحلة على حدودها مع الدول الحاضنة للحركات الجهادية المسلحة ومع بروز محاولات غربية لزعزعة الاستقرار على تخوم الحدود الروسية.

ورغم أن تحديد شكل الشرق الأوسط في ضوء المتغيرات التي دفعت بتشكل تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش، إلا أن خبراء يرون أن هناك عددا من التطورات قد تجعله في مرمى التحالفات السائد حاليا وفق مستقبل علاقات القوى الكبرى المتداخلة فيه ولا سيما القوتين النوويتين العظمتين روسيا والولايات المتحدة.

ويعتقد شق آخر من الخبراء أنه إذا كان تنظيم البغدادي يقدم نموذجا مختلفا عن القاعدة في ممارسته العنيفة، فإن احتمال ظهور دواعش أخرى في دول أخرى من العالم يظل قائما وخصوصا في الدول التي لم تنجح الخلايا المنتمية إلى القاعدة في تحقيق انتصار فيها.

ويتوقع متابعون انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة مع تزايد الدور الروسي خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأمنية والسياسية إلى جانب ترجيح احتمالية زيادة اهتمام القوى الدولية الأخرى كالصين والهند بالمنطقة سياسيا وأمنيا.

وتبقى تأثيرات الحرب على داعش في سياق التفاعلات الإقليمية والدولية محل اهتمام كبير لأن نطاق هذه الحرب والكيفية التي ستنتهي بها تسيطر عليها حالة من عدم اليقين لتداخل المصالح بين الدول الفاعلة هناك.

روسيا مقبلة على إعادة التفكير في عقيدتها العسكرية والاستراتيجية في ظل المتغيرات الجيوسياسية

وأعلنت موسكو في أواخر ديسمبر الماضي تنظيمي داعش وجبهة النصرة منظمتين إرهابيتين وتلك الخطوة، تعني، على المستوى الفيدرالي الروسي، منع نشاط التنظيمين على الأراضي الروسية ومحاكمة من ينتمي إليهما من الروس بقوانين مكافحة الإرهاب.

وكشف تقرير نشرته مجلة “دير شبيغل” الألمانية في عددها الأخير أن سمير عبدمحمد الخليفاوي، العقيد سابق في مخابرات القوات الجوية في عهد صدام حسين والملقب بـ”حجي بكر”، هو من يقف وراء ولادة التنظيم، لكن لا يمكن التأكد من صحة تلك الرواية باعتبار أن كواليس داعش لا تزال حبلى بالمفاجآت.

وتراجعت العلاقات بين موسكو وواشنطن إلى أدنى مستوى منذ نهاية الحرب الباردة بسبب النزاع في أوكرانيا إذ تتهم الدول الغربية موسكو بدعم الانفصاليين عسكريا في شرق البلاد وهو ما ينفيه الكرملين.

5