"المولودة" لنادية كامل.. المخرجة السينمائية روائية

السينمائية المصرية ناديا كامل تكشف في حكايات "المولودة" التفاصيل الدقيقة للمجتمع المصري.
الأحد 2019/03/24
رواية كامل.. فانتازيا الواقع في صلته بالذاكرة الأدبية والفكرية وعوالم السينما

من الروايات ما يوحي لك بالفن التشكيلي بخطوطه وألوانه الغريبة،  ومنها ما يوحي بالمسرح وشخصياته واصواته، ومنها ما يأخذك إلى التاريخ وحوادثه ووقائعه، ومنها ما يحمل القارئ على محمل البوح الشعري، لكن من الروايات أيضا ما يحيل القراء على فانتازيا الواقع في صلته بالذاكرة الأدبية والفكرية وعوالم السينما. وهذه الأخيرة تنطبق على رواية الكاتبة السينمائية ناديا كامل الصادرة مؤخراً تحت عنوان “المولودة”.

هذه رواية تقوم على المذكرات والتجارب الشخصية لكاتبتها نادية كامل المُخْرِجة المصرية التي ولِدَت في القاهرة عام 1961. دَرَسَت الكيمياء والميكروبيولوجيا قَبْل أن تتجه للسينما. عملت كَمُسَاعِدة إخراج لعطيات الأبنودي ويوسف شاهين ويسري نصرالله. ألَّفَت وصوَّرت وأنتجت الفيلم الوثائقي “سلطة بلدي” الذي لقى تقديرا كبيرا. صدرت الرواية هذا العام عن “دار الكرمة” في القاهرة، تقع في 551 صفحة من القَطْع المتوسط.

تروي الرَاوِيَة حكايتها الشخصية منذ طفولتها، وتكشف لنا التفاصيل الدقيقة للمجتمع المصري في ثنايا الحكايات، إلى جانب أنها تَعْبُر بنا لشخصيات شهيرة، تروي تفاصيل من حياتهم التي شاهدتها بعينيها، تحكي ببساطة وعفويَّة كل ما يَجُول بذاكرتها الحيَّة المتوقِّدة، وهي المسؤولة الوحيدة عما تحكيه، فالكتاب ينتمي لفن السيرة الذاتية ويدخل في باب التراجم.

والدها مصري يهودي، وأمها إيطالية مسيحية، تَقَابَل والدها ووالدتها في مصر في عشرينات القرن الماضي، تزوجا وأنجبا ماري إيري روزنتال التي عاشتْ في القاهرة ثُمَّ انضمتْ إلى الحركة الشيوعية والعمل السري، دخلتْ السجن وأحبتْ صحافيا ومناضلا مصريا وتزوجت منه.

تحكي وهي في السبعين لابنتها عن مصر أخرى، ليست الموجودة الآن، بأحوالها وناسها.. من الحكايات الظريفة التي ترويها، أنه قد نشأت علاقة بينها وبين ابن الجيران وهي طفلة، كانت لا تستطيع أن تُجْرِي العمليات الحسابية فجاءتها فكرة جهنمية، أن تستغل وجوده في الشُّرفة، وكتبت بالطباشير على خشب الشيش مسألة الحساب 2+6= فكتب لها على الحائط “8” وظلت تنقل الإجابات في الكراسة، كانت تُلْقِي له بالفاكهة ويُلقي لها نوعا آخر من الفاكهة، حَتَّى لاحظت الجارة ذلك؛ فأخبرتْ أمها وانتهتْ العلاقة البريئة.

تروي عن ذكريات المجتمع المصري في ذلك الوقت والذي كانت أفراحه تنتهي دائما بمشاجرة تحدث لأتفه الأسباب، وإذا بالفَرَح والرقص ينقلبان لمعركة شديدة تنتهي في قسم الشرطة.

تتذكَّر سينما “بارادي” على اعتبار أنها من أحلي المُتَع التي كانت تشعر بها وقتها، فقد كانت سينما “بارادي” تُقَدِّم وقتها ما يسمى “خِدْمة الخُشَاف” وهي خدمة مجانية تُقَدَّم لكل حامل تذكرة للسينما، يجلسون على مناضد عائلية، قَبْل العرض، وتأتيهم أطباق الخُشَاف من فواكه الموسم وعليها الصنوبر واللوز والبندق والتين المجفف، وفور أن يتم الانتهاء من أكل طبق الخُشَاف المجاني يبدأ العرض.

جسد الإنسان كله من دون عري أو تعر
​​​جسد الإنسان كله من دون عري أو تعر (لوحة: مروان قصاب باشي)

يدخل زوجها سعد كامل السِّجن بعد تقديم قضية الجبهة الوطنية للمحاكمة ثُمَّ يتم القبض عليها بعد أيام قليلة، ولا تعرف السبب، وتم الحكم عليها بخمس سنوات مع الشُّغل، وبدأت رحلتها في السجن.

تحكي عن ثلاث سجينات ليست لهن أي علاقة بالشيوعية، قابلتهن في سجن مصر، تحية كاريوكا، وعلية توفيق زوجة يوسف صِدِّيق عضو مجلس الثورة والثالثة زوزو ماضي الممثلة.

تحية كاريوكا في السجن

تدخل تحية كاريوكا السجن فينقلب رأسا على عقب، كل الأمور تصير مشدودة على قدم وساق، المسجونات، سياسيات وغير سياسيات، السجَّانات بكل الرُتَب يحاولن أن يَعْبُرن أمام زنزانتها، فقط ليلمحن شكلها، حتي الضباط، بل أيضا مدير السجن نفسه كان يأتي خصيصا إلى زنزانة تحية كاريوكا، ليس فقط من أجل السلام عليها، بل ليعرضوا عليها خدماتهم وإن كانت في حاجة لشيء.

أصبحت تحية كاريوكا رئيسة السجن، شاهدوا منها ما يؤكد أنها مسؤولة عن تغذية الإنسانية كلها وليس ضيوفها فقط، كانت تشتري الأشياء من خارج السجن، وهذا غير مسموح به، اشترت كاكاو ولبنا وكانت تعطي كل صباح السَّجينات عندما يذهبن إليها بعد أن تأمر بفتح الزنزانة.

كانت تتمرَّن يوميا، وتؤكد أن التمرينات من أجل ليونة العضلات التي رُبَّما جَفَّت، وهذا يمنعها من الرقص، والسجينات كن يمارسن التمارين الرياضية معها، ويتعلَّمن حركات البطن الدائرية منها، وفي أثناء ذلك تحكي الحكايات وتُجِيب عمَّا يشغل بال السجينات.

تحية كاريوكا متماسكة، لم تهتز، على الرغم من أن مفهومها السياسي كان عاما جدا، وبفضلها مَرَّت على السجينات أربعة أشهر بسهولة.

السجينة علية توفيق

الحكيُ البرئ في "المولودة"
الحكيُ البرئ في "المولودة"

كانت عكس تحية كاريوكا، في الجسد والشخصية، فهي رفيعة، قصيرة، بَشْرتها رقيقة بيضاء، شعرها خفيف مُمَوَّج، تحية كاريوكا تحب فنون التمثيل والرقص، أما علية فقد كانت تحب الشِّعر، كانت ممتلئة بالحماس، تقول دائما شِعرا وطنيا، طوال الوقت، وبالذات أبيات أبي القاسم الشابي:

إذا الشعب يوما أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي

ولا بد للقيد أن ينكسر

كانت علية إذا تحمَّست في السجن لقضية أو لفكرة سياسية تصعد فوق أي شيء أمامها وترفع يدها وهي تهتف “إذا الشعب … ” بحماس وطني شديد، كانت خبرة في عالم ضباط الجيش والبوليس، تفهمهم جيدا، عقلية مغايرة لعقلية تحية كاريوكا تماما. تحصل على طلباتها بمنطق بسيط مع الضباط، كانت السجينات في حاجة للقطن، لاستخدامه في العادة الشَّهرية، وقد منعه الضابط لأنه لا يعرف لماذا تستخدم السجينات هذه الكميات من القطن، ذهبتْ علية توفيق للضابط وقالت له أن يسأل زوجته لماذا تستعمل السيدات القطن، اعتذر الضابط بعد ذلك وصرَّح باستخدامه.

لم يكن معروفا السبب الذي تم سجن علية توفيق من أجله، فقط ما سمعته عن صراعات داخل الجيش أو داخل البوليس، كانت علية الزوجة الثانية ليوسف صديق، وقد كتبت مذكراتها مؤخرا، مذكرات عن هذه الفترة وأيامها في السجن.

لم تدخل السجن في قضية سياسية كتحية كاريوكا أو علية توفيق، فلم يكن لها في السياسة، كانت تُهْمَتها مخدرات أو آداب، لم تكن التُهمة واضحة، ولم تعرف الرَاوِية أبدا ما انتهت إليه القضية.

أرادت السجينات السياسيات عَزْل زوزو ماضي عنهن فلم تسمح لهن بذلك، أصرتْ أن تكسبهن، وعرفت كيف تحتويهن جميعا، احتوت الضباط والمسؤولين بشكل مختلف عن تحية كاريوكا وعلية توفيق، ببساطة، استخدمتْ معهم القُدْرة المادية، ولا تعرف الرَاوِية إن كانت زوزو قد أَهْدَتْ للمسؤولين في السجن بعض الهدايا، كانت تطلب من ابنتها إيفون طلبات لا نهاية لها، وتأتي إيفون يوميا ومعها الشاي والعصائر وأشكال المأكولات المختلفة، والحلويات والشكولاتة، والملابس، تبهر الجميع باستعراضها المادي.

كان هناك شيء آخر ميَّز زوزو ماضي في السجن، كانت تحكي القصص بطريقة تشد القلب، تحكي للبنات عن قصص الحب التي يرغبن فيها، وتمثل القصص أمامهن، لقد استخدمت مع السجينات السياسيات الحكايات، ولم تستخدم القدرة المادية حَتَّى أن الرَاوِية تعتبرها حكاءة درجة أولى وسيناريست ممتازة. لقد سَحَرَت الجميع واستطاعتْ أن تتجاوز النظرة التي نظرن بها إليها كسجينة مخدرات أو آداب، سَحَرَتْ الجميع، المسؤولين والسجينات.

كانت لها نظرية في الجسد، تقول إن الإثارة الجنسية موهبة تشبه كاريزما الكاميرا، نوع من كاريزما الجسد، جسد الإنسان كله من دون عري أو تعر، كانت تقول إن تأثير الجنس على شخص عبارة عن كيمياء ليست لها علاقة بمقاييس الجمال، كانت تأخذ السجينات السياسيات لعالم ليس لديهن خبرة فيه، خرجتْ زوزو ماضي من السجن تمثل ولم يعرفن هل قضيتها مخدرات أم آداب.

محسنة توفيق: السجينة الموهوبة

في سجن القناطر، ومن عنبر المعتقلات الجديدات كانت تقعد هناك على طرف شباك العنبر، سجينة تغني للمسجونات أغاني أم كلثوم، كان الصمت يسود العنابر ساعتها ولمَّا سألت الرَاوِية عن اسمها قالوا: ممثلة جديدة، موهوبة، اسمها محسنة توفيق، لم تتعرَّف عليها إلا بعد مرور ما يقرب من خمس عشرة سنة عن طريق رعاية النمر، وكان معهم وداد متري.

تسرد أيضا من ضمن ذكرياتها عن استغفال المحتل للشعب، تروي عن الطلاينة الذين كتبوا على الجدران w v.e.r.d.i – فيردي، مؤلف أوبرا عايدة الشهيرة، وحرف w اختصار فيفا بمعنى يعيش أو يحيا، أي عاش فيردي، ولكن الحقيقة أن كل حرف من حروف فيردي كان يرمز لكلمة من شعار سياسي وطني ضد الاحتلال، الشعار هو “عاش فيتوريو إيمانويلي ملك إيطاليا (Viva Vittorio Emanuele Re d’Italia) شعار وطني ينادي بمَلِك لإيطاليا الموحَّدة، مَلِك متوَّج من الشعب والقوى الوطنية، ولم يفهم النمساويون أن هذا الشعار ضدهم إلا بعد مُدَّة.

تتذكَّر أن جمال عبدالناصر كان في يوغسلافيا عند تيتو أوائل الستينات.. يقولون إن شخصا قد نجح في وضع ورقة في يد تيتو وهو مع عبدالناصر، مكتوب فيها “واحد من الشيوعيين قُتِل في مصر داخل المعتقل بسبب التعذيب” شُهدي عطية، قرأ تيتو الورقة ونظر لعبدالناصر وقال: أحد الشيوعيين مات في السجن عندكم. قال عبدالناصر: لا أعلم. كيف يكون بطل من أبطال “باندونج” للسلام وعدم الانحياز والاشتراكية ويقوم بعمل صفقات مع بلد اشتراكي بينما المعتقلات مليئة بالشيوعيين والتعذيب قائم.. عبدالناصر أرسل يعزل المأمور الذي حدثت الحادثة تحت إدارته ولم يقم بمراجعة جهاز التعذيب والمباحث.

    فؤاد حداد يطلب زيادة راتبه

    تقول إن فؤاد حداد كان من الذين تم رفع الحظر عنهم وانفتحت لهم إمكانية التعيين في المؤسسات الصحافية والثقافية وتم تَعْيِينه في “روز اليوسف” بمرتب صغير فأتى يشكو لسعد كامل؛ على اعتبار أن سعدا يمكنه أن يقوم بمحاولة لزيادة مرتب فؤاد حداد، لأنه متزوج وله ثلاثة أولاد، فؤاد حداد الموهوب الحسَّاس وهو يعي قدراته جيدا، خليط غريب من الحساسية والثقة، كان يشرح لسعد بمنهى الجديَّة: أنا أكبر شاعر شعبي في مصر، حاليا، ليس معقولا أن يعاملوني بهذه الطريقة. ولم يكن فؤاد حداد يعلم أن سعدا نفسه كان عمله في الأخبار على كف عفريت، فلم يستطع فعل شيء.

    أما أجمل الذكريات بالنسبة لها مع يوسف إدريس، عندما كانت هي حاملا وكانت زوجة إدريس حاملا، اقترح أن يذهبوا جميعا للعين السخنة من الصَّباح الباكر لقضاء يوم على البحر. ركبوا سيارة الفولكس، بعد أن وصلوا أحضر يوسف إدريس الشمسية وقام بتهيئة المكان للصيد ثُمَّ لم يستطع الصيد بسبب شقاوة ابنه، فقد أهلكته متابعة الصبي على الشاطئ، وفي نهاية اليوم جَمَعَ إدريس أدوات الصيد ووضعها في السيارة وعادوا، استغربت هي كيف استطاع إدريس أن يبذل كل هذا المجهود ويظل متيقظا بكامل طاقته، يهتم بكل شيء حوله، ويصنع كل الأشياء بنفسه، طاقة مرعبة.

    وتستمر الحكايات ولا تنتهي عن عبدالستار الطويلة وثروت عكاشة وبهجت عثمان وزكريا الحجاوي وسيد مكاوي وصلاح حافظ وغيرهم الكثير مما يزخر به كتاب المَوْلُودَة.

    12