المولود عربي والاسم أجنبي

الثلاثاء 2017/05/09

تصاحب عبارة أنا حامل رحلة بحث عن اسم للمولود، تشترك فيها كل العائلة والأصدقاء والمقربين وأحيانا الغرباء والقاصي والداني والكبار والصغار. وترتسم على محيا الزوجين فوضى عارمة من الحروف المتشابكة قد يتجاوز فك شفراتها والظفر بمعنى واضح أو مبهم التسعة شهور.

ولا تتوانى المرأة الحامل عن فتح القواميس وإنهاك محركات البحث على شبكة الإنترنت بحثا عن اسم الطفل حتى قبل أن تعرف جنسه إن كان ذكرا أم أنثى.

ومن الطريف أحيانا أن ينتهي الأمر بالصغير إلى أن يحمل اسم الطبيبة التي أشرفت على ولادته أو أن يتم إيقاف رحلة البحث المضنية على يد إحدى الممرضات حين تتكفل بتسميته، أو أن يخطئ عون البلدية السمع فينحرف باسم المولود عن المخطط العائلي ويردد على أسماع الأسرة عندما تتفطن إلى ذلك وتحاول استفساره عما وقع، بكل لامبالاة “كان عليكم التركيز الآن لا حل أمامكم سوى اللجوء إلى المحكمة لإصلاح هذا الخطأ”، وطبعا أغلب أولياء الأمور يرفضون الانصياع إلى هذه الفكرة بحجة أنهم لا يريدون لصغيرهم أن يقف على حداثة سنه أمام هيئة المحكمة الموقرة.

حتى أن اختيار اسم للمولود المرتقب كان سببا في ثراء فتاة بريطانية بالغة من العمر 16 عاما، إذ أسست موقعا على الإنترنت يضم شبكة معلومات للأسماء الإنكليزية تزيد على 4000 اسم، علما وأنها تضيف نحو 30 اسما جديدا للموقع كل شهر، لفائدة الأزواج الصينيين الراغبين في تسمية أطفالهم بأسماء إنكليزية حتى يتسنى لهم تسجيلهم في جامعات بريطانية.

واللافت أن أسماء المواليد تتجدد وفق معايير كل عام جديد، وتتحدد إطلالتها بحسب مقتضيات موضة هذه السنة أو تلك وتعرف تغييرات جذرية، إذ قد تنتقل من أحداث الصيحات إلى إحياء المعاني القديمة والأصيلة، لكنها اتخذت في السنوات الأخيرة منهجا آخر ارتبط ارتباطا وثيقا بالأحداث العالمية. وكانت الانطلاقة مع ثورات الربيع العربي حيث انتعشت تسمية الأبناء بالأسماء الدينية مواكبة لظهور بعض التنظيمات المتشددة، في حين شهدت قائمة الأسماء منذ مطلع هذه السنة العديد من التجاذبات، بين إقرار دول أجنبية حظر بعض التسميات العربية وبين تفاعل مجتمعات عربية مع أسماء مشاهير أجانب.

وتقاسم عدد من مواليد دول عربية في الآونة الأخيرة الشهرة والأضواء مع أصحاب الأسماء التي سجلت بشهادات ميلادهم، وصارت صورهم وهويّتهم تتناقل على منصات مواقع التواصل الاجتماعي وفق قراءات متباينة، وحظي الأبناء وآباؤهم باهتمام إعلامي كبير، فتح قاموسا جديدا يضاف إلى قواميس الأسماء العربية التي تحمل في أغلبها معاني ودلالات تحكي تعاقبا حضاريا ترعرع في تربة عربية صرفة وتأصل في خارطة هذه المجتمعات.

ولم يرجع أولياء الأمور أسباب اختيار الأسماء هذه المرة كما في السابق إلى أنه اسم جده أو جدته أو خالته أو عمته أو تطبيق لمنام أحد أفراد الأسرة أو نذر نذرته الأم ولا لأن الطالع الفلكي أجاز هذا الاسم وحذر من ذاك، وإنما لأن العلاقات السعودية الأميركية تحسنت في عهد الرئيس دونالد ترامب، وصارت أفضل مما كانت عليه في عهد باراك اوباما، ما دفع أبا سعوديا إلى فكرة اختيار اسم إيفانكا ابنة ترامب لمولودته، في حين زعم شاب سوري من ريف بانياس أن اختيار اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمولوده امتنانا منه لمساعدة روسيا لبلاده، وشعر زوجان سوريان مقيمان بكندا أنه يتعين عليهما أن يقدما الشكر بشكل أو بآخر إلى رئيس الوزراء الكندي، ولهذا سميا وليدهما باسم جاستين ترودو.

ويرى العديد من النشطاء أن موجة هذه الأسماء غير العربية ستضع الجيل الصاعد في مواقف محرجة مستقبلا، وأن لا فرق بينها وبين بعض الأسماء الغريبة التي دأب الأجداد، لا سيما في المناطق الداخلية على تسمية أبنائهم بها وكانت محل استنكار ونفور.

صحافية تونسية

21