المولوية.. إيقاعات فنية فرعونية الأصل صوفية الشهرة

يقف المنشد أعلى خشبة المسرح حافي القدمين بجلباب أبيض فضفاض، ولحية بيضاء غير كثيفة مغمضا عينيه ومسافرًا بروحه إلى مكان آخر، ويبقى صوته المتهدج في ألفة محببة للنفس، ينشد أبياتا من الشعر العربي القديم لجلال الدين الرومي، وابن الفارض وغيرهما من أشهر شعراء الصوفية، وذلك تحريرا للروح من السجن الدنيوي للجسد.
الأربعاء 2015/05/20
حالة من الوجد المفعم تهيم بالدراويش لترفعهم إلى عالم روحاني خالص

يتمايل ويدور حوله الدراويش، مرتدين ملابسهم المميزة من جلباب وحزام حول الخصر وطربوش طويل وتنورة زاهية الألوان، تدور في الهواء لتعلو وتنخفض في حركات دائرية، فتخطف أعين الحضور كاشفة عن واحدة من أسرار الإقبال الجماهيري على حفلات فرقة المولوية المصرية.

في كثير من الأحيان لا تكفي المقاعد للجمهور الذي تمتلئ به قاعة العروض، من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، تجمع بينها الرغبة في الإبحار داخل عالم الأحلام الصوفية الذي يصنعه عامر التوني منشد الفرقة ومنشئُها.

أنشأ التوني فرقة المولوية المصرية، عام 1994، ويتمثل نشاطها في إنشاد الشعر العربي القديم ومزجه بموسيقى الحاضر، مع إيقاع صوفي راقص، من خلال المزج بين الحضارتين الإسلامية (الأشعار والموسيقى) والفرعونية (الحركة الدائرية في الرقص).

يقول لـ”العرب” إنه كان يطوف بالموالد منذ كان طفلا يانعا، وكانت روحه تهيم وترحل بعيدًا عند سماعه لإنشاد الطرق الصوفية، ومن وقتها تعلق قلبه بهذا العالم وأصرّ على دخوله والتعرّف على خصوصيّاته عن كثب.

ويضيف التوني أن اسم الفرقة كان محل نقاش حتى تم الاستقرار على المولوية الذي لا علاقة له بالصوفية، كما يظن كثيرون، قائلا: بحثت كثيرًا واكتشفت في النقوش القديمة أنّ الفراعنة كانوا يهيمون بالدوران المولوي والذي يكون لجهة اليسار في حركة دائرية عكس عقارب الساعة، مثل فكرة دوران إعصار يرفع الموج إلى أعلى.

وأشار إلى أنّ تلك الحركة لها علاقة بخلاص الروح وتحريرها وإصلاحها، فالراقص أو الدرويش يشعر بأنّ روحه تطير، وهو ما يساعده على استجلاب كافة الطاقات الإيجابية، ويخلق حالة بديعة للمتلقي يشعر معها بأنه يغسل روحه هو الآخر.

التوني تعمق كثيرًا في دراسة الطرق الصوفية في كافة أنحاء العالم، كما درس في أكاديمية الفنون، وأنجز العديد من الأبحاث التي مكنته من الغوص في التراث العربي حول المولوية والطرق، منذ العصر العثماني حتى عام 1952، ليخرج بمزيج من الموسيقى المصرية والشعر العربي ميّزت فرقته.

عامر التوني: مصر وتونس تحملان راية العرب ضمن أفضل خمس مولويات في العالم

وأكّد أنّ المولوية المصرية تختلف في مذاقها ورونقها عن المولويات الأخرى، وتصنف بأنها من أفضل خمس مولويات على مستوى العالم، مع التركية والهندية والطاجيكستانية والتونسية.

تتبّع التوني آثار الموسيقات الدينية التي تؤديها الطرق الصوفية مثل البيومية والرفاعية والشاذلية، كما درس بعناية الموشحات والابتهالات، وتتبع سير الرسل والأنبياء والصالحين من خلال ما قرأه من كتب تراثية، فتوصل إلى أن أول متصوّف في التاريخ كان يدعى “تحوت فراح” من مدينة ملوي بمحافظة المنيا، الواقعة جنوب مصر، وهي نفس البلد التي تربى فيها التوني، ويعرف هذا المتصوّف لدى الغرب بتون هيرميس أو هيرمتكا أو الهيرميسات.

المنشدون المولويون في مصر كانوا قديمًا ينشدون موشحاتهم على مقامات البياتي والراست والصبا دون آلات موسيقية، معتمدين على عذوبة أصواتهم، وكان يطلق عليها اسم البطانة، أما أعضاء المولوية التركية فهم يعزفون على آلة الناي لتصاحب الإنشاد الديني فتضفي عليه نوعا من الشجن والحنين، في حين استبدل التوني الناي بآلة الكولة المصرية الخالصة، ليُلبس أناشيده طابعا مصريا يميّزها عن غيرها.

يجد مؤسّس المولوية المصرية أنّ هناك علاقة بين الفنّ والدين من خلال ما ينشده، فهو يؤكد أنّ الفنّ يهيم بالروح في عالم الغيبيات والتأمل، ويرتبط بكل ما هو روحاني وغير مادي، مثل التأمل في وجود عظمة الله، ومن هنا جاءت العلاقة بينهما، فالموسيقى الدينية والإنشاد الصوفي وحركة الجسد الدائرية تسبح بك في عالم من الروحانيات، وكلها ترتبط بالتأمل والتدبر بالخالق، فتخلّص الروح من كل ما هو عالق بها من أمور الدنيا.

وتعود نشأة المولوية بشكل عام إلى الشيخ جلال الدين الرومي (1207 هجري -1272 هجري) الذي ولد في أفغانستان، وقضى جزءا كبيرا من حياته في مدينة قونية التركية، وهو أيضًا صاحب كافة الأشعار الصوفية التي كان يتغنى بها بمصاحبة موسيقى الناي.

وتتجوّل الفرقة المصرية في كثير من أنحاء العالم لعرض فنّها أمام جمهور أجنبي يستمع بإنصات كبير للتوني، وهو ينشد أبياتا شعرية بالعربية الفصحى، ويتجاوب معه دون أن يفهم ما يقوله، هذه الحالة فسّرها التوني بقوله “سافرت إلى أمريكا وبلجيكا وسويسرا وفرنسا وغيرها من الدول الغربية، وكان القائمون على تنظيم الحفلات يطلبون مني في البداية ترجمة ما أقوله، ثم أوقفوا الترجمة لاحقا بعد أن وجدوا أنّ الجمهور لا يستمتع عندما نترجم لهم الأبيات التي تؤديها”، فالحالة التي يصنعها بفنه تصله ويستمتع بها دون ترجمة.

الدراويش في مصر أو الجلاليون نسبة إلى منشئ المولوية، جلال الدين الرومي، هم الراقصون وعرفوا أيضًا بدراويش البكاتشية نسبة إلى أصلهم التركي، وكان المكان الذي تعرض فيه المولوية يسمى بالتكية ولا يزال عدد منها باقيًا حتى الآن.

وأكد التوني لـ”العرب” أن الدراويش، بمعنى الفقراء إلى الله، يمثلون جزءا من الحالة الصوفية، فجميعهم يهيمون بأرواحهم في عالم روحاني خالص حتى تشعر أن أقدامهم لا تطأ أرض المسرح، إلا عندما ينتهون ويصفق الجمهور.

هذه الحالة من الوجد الزائد تجعل من الصعب إيجاد درويش جديد ينضم لفرقته، وفي حالة وجوده يحتاج لفترة من التدريب حتى يستطيع مزج روحه بباقي أعضاء الفرقة.

20