"المونة" اللبنانية تصارع من أجل البقاء في ظل عولمة الغذاء

يرى خبراء في موضوع التغذية أن انحسار العادات الغذائية التقليدية لصالح الأنماط الاستهلاكية الجديدة أصبح ظاهرة عالمية تصعب السيطرة عليها، حيث باتت العديد من المجتمعات جاهزة طوعا لتقبل كل ما هو خارج عن ثقافتها الغذائية.
الجمعة 2016/09/30
المؤن اطمئنان صحي وتوفير اقتصادي

بيروت - يصارع التراث الثقافي الغذائي في لبنان ومن ضمنه “المونة” من أجل البقاء، بعد أن صار في دائرة خطر التلاشي، في ظل التغيرات التي طالت النظم الاجتماعية المحلية منذ أكثر من عقدين، واندفاع الجيل الجديد باتجاه العولمة الغذائية. وتشمل “المونة” أصنافا من المنتجات الزراعية كالحبوب والخضار والأجبان والألبان والزيت والزيتون، يحفظها اللبنانيون بعد تصنيعها بالطرق التقليدية، وتخزينها خلال مواسم إنتاجها في الصيف، من أجل استخدامها في الشتاء.

وكان جمع المؤن حاجة يلجأ إليها اللبنانيون قبل انحسار نمط الإنتاج الزراعي، وقبل توفر المحال التجارية الكبرى التي تؤمن كلّ أصناف الأطعمة المصنعة والمحفوظة بواسطة المواد الحافظة.

وتلعب المرأة اللبنانية دورا أساسيا في حفظ عناصر التراث الشعبي الخاص بالثقافة الغذائية، وإن كان اندفاعها خارج المنزل مؤخرا بحكم التوجه إلى العمل في شتى الميادين، قد أفقدها جزئيا القدرة والرغبة في الحفاظ على هذا التراث. ويرى باحثون أن التغيّرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع اللبناني في العقدين الماضيين أدّت إلى تغيرات كبيرة في العادات الغذائية. وبالرغم من ذلك لا تزال الأغذية التقليدية تحفظ لها مكانا في الثقافة المحلية.

وقالت حياة الحاج المزارعة في إحدى قرى جبل لبنان “إن العديد من النسوة في المناطق الجبلية على وجه الخصوص، لا يزلن يحضّرن البعض من أصناف المؤن بحكم العادات الموروثة، لما تؤمنه هذه المؤن من اطمئنان صحي وتوفير اقتصادي”.وأشارت إلى أن “كبر حجم العائلة المصغرة يلعب دورا في هذا المجال، فالأسر التي يرتفع عدد أفرادها إلى ستة فما فوق تهتم بتحضير المؤن أكثر من تلك التي ينخفض عدد أفرادها إلى أربعة فما دون”.

الخبراء يرون أن واقع الحال في لبنان لا يبعث على الاطمئنان، وأن التراث الثقافي الغذائي المحلي بات فعلا في دائرة الخطر

وأضافت الحاج “إن اندفاع المرأة باتجاه العمل خارج المنزل، يعيق اهتمامها بتحضير المؤن، التي تتطلب الكثير من الجهد والوقت وتحتاج أحيانا إلى عمل جماعي، كما أن توفر كافة الأصناف المستخدمة في تحضير الطعام في المحال التجارية يغني أحيانا عن تحضير المؤن، بالإضافة إلى وجود أصناف جديدة من الأطعمة الغربية، يطلبها الجيل الجديد، لم تكن معروفة في روزنامة الطعام التقليدي، وموادها الأساسية ليست من ضمن أصناف المؤن”.

ويرى البعض من المتخصصين أن أحد أهم الآثار الثقافية للعولمة تتبدّى في الطعام حيث انتشرت الوجبات السريعة ليس فقط في لبنان، وإنما في أنحاء كثيرة من العالم، وفرضت هذه العادات الغذائية الجديدة نمط حياة جديدا، ترافق مع انحسار التفاعل المباشر بين الناس.

وتابعت الحاج “في ظلّ الشكوك التي تساور اللبنانيين اليوم حول سلامة الغذاء، تأتي العديد من النسوة من سكان المدن إلى مناطقنا لشراء المواد الأولية من المزارع مباشرة، كالخضار والفاكهة والألبان والأجبان، لتحضيرها للمؤن، ولم يكن هذا الأمر مألوفا في السنوات الماضية”.

ويرتبط الطعام والمطبخ، حسبما يرى أخصائيون، بالطبيعة من جهة والثقافة من جهة أخرى ويعتبران من بين وسائل التعبير عن الخاصية الثقافية والاجتماعية.

وتتصاعد التحذيرات من انقراض الكثير من العادات والتقاليد الغذائية المرتبطة بالنظام الإيكولوجي التي يرجع عمر بعضها إلى عمر الثقافة المحلية، بسبب انتشار العولمة الغذائية، وما تشكله من إمكانية إقصاء الثقافات الغذائية المحلية ليس فقط في لبنان، بل في كل المجتمعات.

وقال طوني الحلو “لم تعد للمؤونة حاجة في الزمن الحالي، ومن يقوم بتحضيرها يفعل ذلك بحكم الموروث الثقافي، وهم قلّة. كما أن طبيعة الأطعمة اختلفت لدى أبناء الجيل الحالي، حيث كانت الحبوب تشكّل المصدر الأساسي للبروتينات في الأطعمة التي كان يتناولها أبناء الجيل السابق، وباتت اليوم تؤكل مرّة خلال الأسبوع أو خلال الأسبوعين، بسبب توفر اللحوم من جهة وتأثر الجيل الحالي بالطرق العالمية لتحضير الأطعمة التي وفرتها العولمة الغذائية من جهة ثانية”.

بعض الجمعيات تسعى للحفاظ على ثقافة الطعام التقليدي من خلال تشجيع النسوة في القرى على إنتاج أصناف المؤونة وتسويقها في معارض دورية تقيمها في المدن

ويرى أخصائيون في الشأن الاجتماعي أن التداخل الثقافي الحاصل الذي فرضته وسائل التواصل الحديثة بطريقة عشوائية يشكّل خطرا على استمرار التراث الشعبي الخاص بالثقافة الغذائية في لبنان، بسبب التأثر بالدعاية التي تقوم بها وسائل الإعلام بهدف ترويج أصناف البعض من المأكولات لأهداف تجارية. وأضاف الحلو “أن الوعي الصحي حول مضار ومنافع البعض من أصناف الطعام، ساهم بانكفاء الجيل الجديد عن تناول البعض من أصناف المؤونة ذات السعرات الحرارية المرتفعة مثل المربيات والأورما (المكونة من لحم الغنم المطبوخ مع اللّية والمحفوظة بواسطة الملح) التي كانت ملائمة لطبيعة عمل الجيل السابق، الذي كان يعتمد على الجهد الجسدي الكبير، فيما يعتمد عمل الجيل الحالي على الجهد الذهني بشكل أساسي”.

وتسعى البعض من الجمعيات للحفاظ على ثقافة الطعام التقليدي من خلال تشجيع النسوة في القرى على إنتاج أصناف المؤونة وتسويقها في معارض دورية تقيمها في المدن.

وقالت نائبة رئيسة المجلس النسائي اللبناني وأمينة سرّ جمعية “نور” منى قاصوف “قامت جمعية نور بإنشاء مركز لتصنيع المواد التموينية، وصناعة الصابون وتعبئة زيت الزيتون، في قرية الخلوات بقضاء حاصبيا جنوب لبنان، والهدف من ذلك إيجاد فرص عمل للسيدات اللواتي خضعن للتدريب المهني على تصنيع المواد التموينية بالاستناد إلى أساليب وطرق العلمية. وتقيم الجمعية معارض لبيع هذه المنتجات في بيروت”.

وأضافت قاصوف “بدأنا هذا المشروع عام 1999، ولا يزال مستمرا حتى اليوم، حيث تقوم النسوة بتحضير المواد التموينية في هذا المركز بدلا من تحضيرها في بيوتهن، وتسعى الجمعية إلى مساعدتهن على تصريف منتجاتهن خارج بيئة الإنتاج المحلي في القرى، في إطار التنمية الريفية والاقتصادية والاجتماعية. ومن خلال ذلك تتمّ إعادة إحياء التراث الثقافي الغذائي بأساليب علمية، وصحية، دون استخدام أيّ مواد حافظة”.

وفيما يقلل البعض من خطورة انتشار أنماط غذائية أجنبية في المجتمع المحلي، باعتباره لا يشكل خطرا على الهوية الثقافية، يرى آخرون أن واقع الحال في لبنان لا يبعث على الاطمئنان، وأن التراث الثقافي الغذائي المحلي بات فعلا في دائرة الخطر.

21