المونديال علاج للضغوط الحياتية عند المصريين

الهوس الاجتماعي بكرة القدم يبدو منطقيا في كأس العالم لكن اختيار جمهور الكرة للمقاهي يفسره كثيرون بتوق الشباب لمناخ أكثر حرية واستقرارا.
السبت 2018/06/23
لا شيء يشغل بال المصريين حاليا غير الهموم الرياضية

القاهرة- عرفت المقاهي في مصر الاختلاط بين الشباب والفتيات منذ زمن، لكنه زاد مع حمّى كأس العالم، التي جعلت الكثير من الفتيات والسيدات يقبلن على مشاهدة البطولة العالمية ويتفاعلن معها، بل والبحث عن أماكن عامة للتجمع فيها، فالمشاهدة تحلو وسط “الشلة”.

وساعدت مواقع التواصل الاجتماعي على زيادة العلاقات الاجتماعية والتفاعل بين الشعوب العربية، فهذا يتابع مباراة للمغرب مجاملة لصديقه الذي يعيش في الرباط، وهذه تشاهد المباراة تضامنا مع صديقتها في الرياض، وهكذا.

وحرص الشاب المصري الثلاثيني باسم منصور على حجز أماكن لأربعة أفراد في أحد مقاهي مدينة السادس من أكتوبر، بغرب القاهرة، لمشاهدة أولى مباريات منتخب بلاده في المونديال، وكان الذهاب إلى المقهى أول خطوة في قائمة التجهيزات التي أعدّها منصور لأسرته، المكوّنة من أبوين وطفلين (5 و10 سنوات). كانت هناك أقل من عشر دقائق تفصلهم عن موعد المباراة، وكان الأب يتحدث في عجالة وقال لـ”العرب”، إن “زوجته برغم أنها ليست من المهتمين بكرة القدم، لكنها أرادت مشاهدة المباراة في المقهى”. فالمتابعة هناك ذات مذاق مختلف بحسب روايات صديقاتها المولعات بكرة القدم، لافتا إلى أن التجهيز للمباراة بدأ بشراء قمصان المنتخب لأفراد الأسرة، والأعلام، فضلا عن أنه قدم إلى المقهى قبل المباراة بيوم كامل لحجز الأماكن.

باسم منصور: التجهيز للمباراة بدأ بشراء قمصان المنتخب لجميع أفراد العائلة
باسم منصور: التجهيز للمباراة بدأ بشراء قمصان المنتخب لجميع أفراد العائلة

وخففت مشاهدة مباريات منتخب مصر وكأس العالم عموما من ضغوط الحياة اليومية لدى المصريين وكانت ملجأهم للفرار من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فهي تجمع بين الاستمتاع والترفيه في آن واحد. ولم تتذمر الفتيات بمشاهدة المباراة في المقهى وهنّ واقفات على أقدامهن  وفي ايديهنّ المشروبات المتنوعة، إن جئن متأخرات، ويلتقي رواد المقاهي الشعبية والمقاهي الراقية في عشق كرة القدم ويحرصون على الاستمتاع في جو مليء بالحماس والألفة في مشهد يزيل الفوراق العميقة بين الطبقات الاجتماعية.

وأكدت راندا أيمن (24 عاما)، أنها كانت حريصة على ارتداء “تي شيرت” أحمر طبعت عليه صورة لاعب منتخب المصري محمد صلاح، وصنعت من علم مصر غطاء لرأسها.وقالت راندا لـ”العرب”، إنها كانت مكلفة بشراء “تي شيرتات” لأصدقائها الذين شاهدوا معها مباراة مصر أمام روسيا، وعددهم 10 شباب وفتيات، واتفقوا على الالتقاء في المقهى قبل المباراة بساعة كاملة، وقد تقاسم الشباب الانفعالات والغضب عندما تأخرت مصر في إحراز هدف أمام نظيره الروسي.

ولم تشفع صرخات راندا وزميلاتها، فهذه تقفز من على مقعدها وتخرج من فمها صيحة عالية اعتراضا على فرصة ضائعة، وأخرى لم تتوقف عن قضم أظافرها خوفا من أن تسفر الهجمات المستمرة للمنتخب المنافس على هدف.وتحوّل بذلك أغلب روّاد المقهى من الشباب والفتيات إلى نقاد رياضيين بعد أن كانوا نقادا لواقعهم الاجتماعي والسياسي. فمثلا يتبادلون الحديث عن ضرورة تعديل تشكيلة منتخبهم الوطني.

وأشار ياسر عبدالله (19 عاما)، لـ”العرب”، أنه اتفق مع شقيقاته الثلاث للحضور إلى المقهى لمشاهدة أغلب مباريات المونديال وليس مباريات المنتخب المصري فقط، فهو يعشق متابعة منتخبات، البرازيل وإسبانيا وألمانيا، ولفت إلى أنه وأسرته من رواد هذا المقهى لأنه يعرض المباريات على شاشات عملاقة.

ويكشف الحدث الرياضي عن مدى التضامن بين مختلف الفئات العمرية في مصر الذي بدد فوارق اجتماعية فالكل سواسية في دعم وتشجيع منتخبهم الوطني. وتفسر المتابعة الشعبية لكرة القدم دوما    بما  تعززه  المناسبات الرياضية الكبرى  من   الشعور بالانتماء، لذا فإن الهوس الاجتماعي بكرة القدم يبدو منطقيا في كأس العالم  لكن اختيار جمهور الكرة للمقاهي يفسره كثيرون بتوق الشباب لمناخ أكثر حرية واستقرارا.

وأوضح هاشم بحري، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، لـ“العرب”، أن “المناخ العام يؤثر في اختيارات الفرد، لذلك نلاحظ هوسا جماعيا بمتابعة المباريات في التجمعات العامة كالمقاهي”. وبيّن أن الغالبية من الفتيات والشباب، يهربون من ضغوط الحياة إلى متابعة كرة القدم، والتي تخرج طاقاتهم المكبوتة عبر الهتافات والصيحات، فضلا عن متعة المشاهدة وحالة السعادة الناتجة في حال فوز فريق المفضل. ولفت بحري إلى أن أجواء المقاهي تصنع علاقات اجتماعية بين الشباب والفتيات، وإن كانت ظرفية، وتؤثر بالإيجاب على حالاتهم المزاجية.

20