المونديال يجدد أزمة صيام اللاعبين

المنتخبات العربية في حيرة بسبب تزامن معسكرات الإعداد مع شهر رمضان مع الاستعداد للمشاركة في المونديال.
الأحد 2018/04/08
منتخب السعودية يرفع درجات التأهب للمونديال

القاهرة – لا تقتصر القضية على الدول العربية والإسلامية فحسب، بل باتت أزمة عالمية بدأت مع انتشار اللاعبين المسلمين في الملاعب الأوروبية، وإذا كان اللاعب من حقه التمسك بالفريضة من عدمها، فقوانين الاحتراف لا تعرف إلا السير وفق وحدات تدريبية قاسية، تتطلب الالتزام ببرامج تغذية تناسب الجهد المبذول. وأمام تناقض الآراء حول الأزمة بين الإباحة والتحريم، يأخذ كل لاعب بما يناسبه وفقا لقدراته البدنية، فمنهم من يصر على صيام نهار رمضان رغم التدريبات القاسية، ومنهم من يفضّل استخدام رخصة التيسير.

وقبل أشهر من انطلاق كأس العالم المقام في روسيا منتصف يونيو المقبل، بدأ الحديث عن هذه القضية لشعور مدربي المنتخبات العربية المشاركة في المونديال بأزمة حقيقية، بسبب تزامن شهر الصوم مع الاستعداد للمشاركة في المونديال، ويسابق مسؤولو المنتخبات الزمن من أجل إيجاد حل مناسب، إما بالبحث عن فتوى تجيز إفطار اللاعبين، أو برامج تغذية مناسبة لمن يصر منهم على الصوم.

ويشارك في المونديال أربعة منتخبات عربية هي، تونس والمغرب والسعودية ومصر، إضافة إلى منتخب إيران وقوامه بالكامل من اللاعبين المسلمين، وخاضت تلك المنتخبات معسكرها الإعدادي الأول في مارس الجاري، تخلله عدة مباريات ودية على أن تبدأ معسكرها الأخير في مايو المقبل وقبل شهر واحد على العرس الكروي. ويشهد مايو ثلاث مباريات ودية للمنتخب المصري، تقام جميعها في شهر رمضان أمام منتخبات، بلجيكا وكولومبيا والكويت على الترتيب، فيما يلعب المنتخب السعودي ودياته أمام بيرو وإيطاليا وألمانيا.

 

ظلت قضية صيام لاعبي كرة القدم في شهر رمضان مثار جدل لسنوات وتصدرت موائد الحوار في كبرى المؤسسات الدينية، لكن إلى الآن لم يتم الاتفاق على فتوى واحدة بشأن إفطار اللاعبين في نهار رمضان، وإذا ما كان الأمر حلالا أم حراما، ولعل حالة الانقسام التي يشهدها العالم تعود لتناقض وجهات النظر بين أكبر مؤسستين إسلاميتين في مصر وهما، الأزهر الشريف ودار الإفتاء، ليبقى الأمر بيد اللاعب نفسه ومدى قدرته على التحمل

ويعتبر المنتخب السعودي الأسوأ حظا، لأنه يستهل مبارياته بالمباراة الافتتاحية أمام المنتخب الروسي (المضيف)، ضمن منافسات المجموعة الأولى في آخر أيام شهر رمضان، بينما يخوض الفراعنة المباراة الأولى ضمن المجموعة نفسها، في اليوم التالي أمام منتخب أوروغواي.

وفي هذا الصدد قال المدير الفني لمنتخب مصر الأرجنتيني هيكتور كوبر، إنه لا يمكن أن يدرب لاعبيه نهارا دون أن يشربوا قطرة ماء، كما أنه لا يمكن أن يجري تدريباته ليلا، وأضاف في تصريحات له، “أريد أن يكون اللاعبون جاهزين، ويجب ألا نمنح منافسينا نقاطا مجانية لتفوقهم”.

وأضاف، كوبر، أن المدربين سيواجهون مشكلة حقيقية، لأن اللاعبين سيتوقفون عن تناول الطعام منذ شروق الشمس وحتى غروبها، لذا فالأمر لم يكن سهلا أثناء التدريبات، في الوقت نفسه فهو لا يمكنه منع لاعبيه من الصيام، لكن كوبر كشف عن طريقة لمواجهة الأزمة بتعاقد اتحاد الكرة المصري مع شركة تغذية إنكليزية، لوضع برنامج تغذية خاص للاعبين يراعي فترات الصيام والنوم وكل الأمور حتى يظهر لاعبو المنتخب بأفضل مستوى.

فتوى تجيز الإفطار

في الوقت ذاته ينوي مسؤولو الكرة في مصر، الرجوع إلى دار الإفتاء المصرية أملا في الحصول على فتوى تجيز إفطار اللاعبين، لكن تلك الفتوى التي يسعى إليها منتخب مصر أثارت جدلا واسعا في السعودية، بعد أن حصل عليها لاعبو المنتخب السعودي الأول لكرة القدم، من أجل الاستعداد لمونديال روسيا.

وانقسمت الآراء بين معارضين اعتبروا أن المباريات ليست من الضروريات التي تبيح الإفطار، وطالبوا الهيئات الدينية بالتصدي لتلك الفتاوى، واستشهدوا بأخبار أثيرت في أثناء مونديال 2014 بالبرازيل، أفادت بأن بعض لاعبي المنتخب الجزائري واجهوا المنتخب الألماني في الدور الثاني للبطولة وهم صائمون، رغم حصولهم على فتوى رسمية تبيح لهم الإفطار، أما المؤيدون فقد سلموا بأن مشاركة المنتخب في المونديال واجب وطني.

والقضية من الناحية الدينية لا تزال محل خلاف بين العلماء، ولم تجد من يحسمها حتى الآن، بل إن هناك تناقضا في الرأي بين الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، وهما من أكبر المؤسسات الإسلامية في العالم، وبلغ الخلاف ذروته في عام 2009، وقت أن أقرت دار الإفتاء بجواز إفطار اللاعبين أثناء المباريات الرسمية.

واعتبرت الفتوى أن اللاعب المرتبط بعقد مع ناديه مثله مثل الأجير وهو ملزم بأداء عمل معين، لكن إذا تأثر بالصوم فمن حقه الأخذ برخصة الإفطار، في حين رفضت الفتوى نفسها الإفطار في التدريبات، وهي الفتوى التي قوبلت بعاصفة من الانتقادات الحادة من قبل الأزهر الشريف، رغم أن مفتي الديار المصرية الأسبق نصر فريد واصل، سبق له أن رفض إفطار اللاعبين في رمضان.

وشن علماء الأزهر وقتها هجوما حادا على دار الإفتاء، لأنه لا يمكن إجازة إفطار اللاعبين بسبب لعب الكرة، وقد فصل مركز الأزهر للفتوى في هذه القضية وكتب عبر موقع الأزهر الرسمي قائلا “يشترط لوجوب الصيام على المسلم الإقامة، فلا يجب الصيام على المسافر”.

أسود الأطلس في قمة الجاهزية للعرس العالمي
أسود الأطلس في قمة الجاهزية للعرس العالمي

واستشهد المركز في ما نشره الشهر الماضي بما جاء في سورة البقرة من قول الله، “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون”.

واستكمل المركز فتواه موضحا، أنه إذا سافر الإنسان مسافة القصر جاز له أن يفطر مادام في سفره، و إن لم ينو الإقامة أكثر من ثلاثة أيام في المكان الذي سافر إليه، أما إذا نوى المسلم الإقامة أربعة أيام فأكثر انقطع عنه وصف السفر، ووجب عليه الصيام وإتمام الصلاة”.

وانتهت الفتوى أنه لا يجوز للاعبي كرة القدم الإفطار، إذا نووا الإقامة في سفرهم أربعة أيام فأكثر، ويمكن أن يجروا تمريناتهم، ومبارياتهم في الليل ليسهل عليهم الأمر، وإن لم يتمكنوا من إقامة التمرينات أو المباريات ليلا، وصاموا وشق عليهم الصيام مشقة بالغة لا يمكنهم تحملها ففي هذه الحالة يجوز لهم الإفطار للمشقة، ولا يجوز لهم الإفطار ابتداء لتوقع المشقة، فلا يجب التهاون بحرمة الشهر الكريم.

القضية ذاتها سببت أزمة في الجزائر، وقت أن شارك منتخبها في كأس العالم الأخيرة بالبرازيل، واستخدم اللاعبون رخصة الإفطار التي منحتها لهم دار الإفتاء المصرية، وهي الفتوى التي جاءت مخالفة لفتوى صدرت من رئيس لجنة الإفتاء بالمجلس الإسلامي الأعلى، الشيخ محمد شريف قاهر، والذي أجاز إفطار اللاعبين الجزائريين أثناء خوض المباريات في حالت أهّلهم إلى الدور الثاني من البطولة.

وقال الشيخ الجزائري، إنه استند في هذه المسألة إلى فتوى للشيخ المصري محمد الغزالي، الذي أفتى بجواز الإفطار عند اللعب، وإن بعض المذاهب الإسلامية تجيز الأخذ في هذه القضية بحكم المسافر، الذي يجوز له أن يفطر في رمضان إلى أن يعود إلى بلاده، في المقابل عقب عضو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ محمد مكركب، بأنه لا يجوز الإفطار في نهار رمضان من أجل اللعب.

قدرات اللاعبين

إذا لم تتفق جهات الفتوى على رأي واحد منذ سنوات وحتى الآن، ما يؤكد أن الكرة ألقيت في ملعب اللاعبين أنفسهم، وعليهم الأخذ بما يتناسب وقدراتهم الجسمانية، لا سيما مع دخول المنتخبات على بطولة هي الأكبر على مستوى العالم، ويحلم كل لاعب في تقديم أفضل ما عنده، أملا في الظفر بعقد احتراف يكون بمثابة نقلة في مشواره، أما بالنسبة للصوم فبات اللاعبون هم أصحاب القرار.

مايو يشهد ثلاث مباريات ودية للمنتخب المصري، تقام جميعها في شهر رمضان أمام منتخبات، بلجيكا وكولومبيا والكويت علي الترتيب، فيما يلعب المنتخب السعودي ودياته أمام بيرو وإيطاليا وألمانيا

ويرى لاعب الأهلي أيمن أشرف، أنه في حال تواجده ضمن القائمة المشاركة في المونديال، سيظل ملتزما بالصوم رغم مشقة التدريبات، على أن يلتزم بتعليمات أخصائي التغذية، ويحرص على تناول كميات كبيرة من المياه والعصائر لتعويض الفقد، في حين قال لاعب الزمالك طارق حامد، إنه سيلتزم بأي قرار تصدره إدارة المنتخب في هذا الشأن.

لكن هناك لاعبين خاضوا معارك مع مدربيهم بسبب الصيام، حتى إن أحد لاعبي الأهلي في  فترة التسعينات من القرن الماضي أكد لـ“العرب”، أن مدرب الفريق أجبره على الإفطار قبل خوض مباراة قارية، ويروى قائد منتخب الفراعنة السابق أحمد حسن موقفا مشابها، وقال لـ“العرب”، إنه عند مواجهة المنتخب الزامبي في تصفيات كأس العالم 2010، فضل أغلب اللاعبين استخدام رخصة الإفطار، لكنه أصر هو على الصيام.

على نطاق أوسع عانى اللاعبون المسلمون المحترفون في أوروبا، الذين تمسكوا بصوم شهر رمضان، وإن كلفهم ذلك الابتعاد عن المباريات، وهو ما رأته الأندية الأوروبية إخلالا بعقود الاحتراف، وكان الخلاف سبب نشوب مصادمات عديدة منها، أزمة البرتغالي جوزيه مورينيو، وقت توليه تدريب إنتر ميلان، مع الغاني سولي مونتاري، بسبب إصرار على الصيام، ولم يشرك مورينيو اللاعب طوال شهر رمضان سوى دقائق قليلة، ومن القصص الشهيرة لجوء المدرب لاستبداله بعد 15 دقيقة فقط.

كان أحمد حسن أيضا طرفا في هذه النوعية من الأزمات، وقت كان يلعب في صفوف فريق أندرلخت البلجيكى، وكان حسن يصر على الصوم في مخالفة لرغبة مدربه، وكذلك نجم منتخب المغرب السابق نورالدين النيبت، وقت تواجده في صفوف ديبورتيفو الإسباني، وقد هدده مدربه بالاستبعاد من التشكيلة الأساسية.

الغريب أنه وبرغم اختلاف المؤسسات الدينية الكبرى، فإن الاتحاد الدولي لكرة القدم، تعامل مع الأمر بشكل أكثر ذكاء، ونشر من قبل دراسة لعضو اللجنة الطبية بالاتحاد الجزائري عبدالمجيد ياسين الزرقوني، تتحدث عن أن الصيام يساعد في تنقية النفس وطول التأمل، كما أن آثاره ترتبط بالصفات الروحية والقدرات المادية، فضلا عن أن أجساد اللاعبين تتكيف مع ذلك.

22