الموهبة واحدة لا تتغير سواء خلف القضبان أم خارجها

بعد انتعاش الحريات.. يساريو تونس وإسلاميوها يتنافسون في منشورات أدب السجون.
الاثنين 2021/01/18
ليس كل من ذاق السجن أديبا بالضرورة (لوحة للفنان عمر نصيرات)

في العشرية الأخيرة بعد الثورة التونسية صدرت الكثير من الكتب الأدبية التي كانت ممنوعة في السابق لأسباب سياسية، فوجدنا روايات ومذكرات وحتى رسائل ويوميات ومقاربات فكرية، كتبها مناضلون من داخل أسوار السجون التونسية. لكن اللافت أن القيمة الفنية لهذه الكتابات تتفاوت، بين الجيد والسطحي البسيط، حيث ليس شرطا أن كل ما كتب داخل السجن من أدب هو أدب حقيقي.

صدر أخيرا في تونس كتاب “عزيزتي حورية”، وهو عبارة عن رسائل كتبها الإعلامي والمناضل السياسي التونسي الهاشمي الطرودي (1944 ـ 2015) لزوجته عندما كان في السجن، إبان حكم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، والذي ضيّق الخناق على جماعة “آفاق” اليسارية في أواخر ستينات وبدايات سبعينات القرن الماضي.

تزامن هذا الإصدار مع رحيل رفيق الطرودي، في نفس الحركة، الكاتب والمفكر التونسي جيلبير نقاش، يوم 26 ديسمبر، مما جعل الإعلام المحلي يسلّط الأضواء مجددا على ما يعرف بـ”أدب السجون”، خصوصا وأن نقاش، قد سبق له أن أصدر كتابه الشهير “كريستال” الذي هو عبارة عن يوميات خطها المناضل التونسي اليهودي في سجنه على أوراق علب السجائر ذات العلامة المعروفة في تونس، والتي تعني فيما تعنيه، مجازا: الشفافية والصلابة.

كما تزامن الكتاب مع إصدار كتاب آخر للمناضل والمفكر التونسي محمد الكيلاني بعنوان “التاريخ المنسي: مذكرات مناضل وطني”.

الحقيقيون والمزيفون

رسائل تبرز قضايا اليسار ومشاكل السجن
رسائل تبرز قضايا اليسار ومشاكل السجن

جاء كتاب “عزيزتي حورية” بعد كتاب “عزيزي مفتاح” لرفيقه نزيل سجون بورقيبة، عمار العربي الزمزمي، في نفس الفترة، والذي سبق له أن ألّف “ذاكرة تأبى المصادرة” في إصرار من هؤلاء الكتّاب على تدوين وتوثيق يومياتهم في السجون ضمن ما أفرجت عنه الرقابة في سنوات الجمر، إبّان المحنة التي حلّت بـ”تجمّع الدّراسات والعمل الاشتراكي التّونسي” المعروف اختصارا بحركة “آفاق”.

قدم عبدالكريم قابوس، الناقد والموثق التونسي الذي واكب ورافق الهاشمي الطرودي، في جميع نشاطاته الكتاب بقوله “رسائل ليست ككل الرسائل بقلم أنيق وتحرير أدبي فيه دقة وعمق.. الهاشمي الطرودي، يبدع في الوصف وخاصة لغة الحب وإثارة القضايا الكبرى منها رسائل جاءت عن طريق البريد والعديد من الوثائق السرية هربت على ورق لف السجائر، وتتعلق بقضايا اليسار ومشاكل السجن”.

ويعلق قابوس على كتاب “عزيزتي حورية” بقوله “تقرأ الكتاب فتجدك بكل بهجة في زنزانة دون أن يكون لك إحساس بالحبس.. عبقرية أخرى يفتقها الهاشمي الطرودي، الذي لا يساوم في اللغة والأسلوب”.

توالت المؤلفات الأدبية وكتب السير الذاتية التي تتحدث عن الحياة السجنية في تونس، أثناء حكمي بورقيبة وبن علي، خصوصا بعد ثورة 14يناير. وراوحت هذه المؤلفات بين الغث والسمين، من حيث أساليب التناول واللغة الأدبية والأمزجة السياسية، لكن معظمها جاء ملتصقا بالواقع وبعيدا عن المعطى التخييلي، ذلك أنها استندت إلى تجارب شخصية معاشة، وكُتبت بالكثير من الصدق والبوح، والنزوع نحو التوثيق بعيدا عن المبالغات واستدرار العواطف التي عادة ما تطغى على مثل هذه الكتابات.

ومن هذه الكتابات التي لفتت انتباه النقاد والدارسين، وانقسمت آراؤهم بين مناصر إلى حد التعاطف، ومتحفظ متشدد في المعايير الفنية إلى درجة القسوة والإجحاف، نذكر “حراقة” و”غصة” لبشير الخلفي و”مضايا: صراع الذاكرة والجدار” لمراد العوني العبيدي، وفيها يفصح الكاتب عن ذلك بقوله “هدية لمن عاشوا السجن وهدية لمعرفة الحقيقة”، ويقول واصفا هذه الجدران “شاهقة تلك الجدران، تحجب حتى الشمس، بالكاد تزور أجسادنا وتمرّ رويدا وتتمهل كأنها تزورنا وتمسح عنا بؤس البرودة وندى الجدران المشبعة بكل الآهات وبكل الرسائل المكتوبة والمقروءة، الجدار صامد، صامت”.

كثيرة هي المؤلفات الأدبية وكتب السير الذاتية التي تتحدث عن الحياة السجنية في تونس، لكن ليست كلها بالجودة المطلوبة

أما الكاتبة هيفاء زنكنة، فتحدثت في “دفاتر الملح” عن تجربة السجن السياسي لتسع عشرة امرأة من السجينات التونسيات أو ممن أعتقل أحد أفرادهن.

وثمة من الكتابات السجنية التي خطها إسلاميون أو تعاطفت معهم في محنتهم أيام حكم بن علي مثل “الشتات وحصاد الشتات” لخديجة اللومي، و”سنوات الجمر.. مذكرات عالم سجين” لمنصف بن سالم، وجاء على الغلاف عبارة “شهادات حية عن الاضطهاد الفكري واستهداف الإسلام في تونس”.

كثرت وتعددت المنشورات التي يتحدث أصحابها عن السجون في تونس حتى ليخيّل للمرء أن تونس واحدة من أشرس الدكتاتوريات في العالم، وأشبه بأنظمة عسكرية في أميركا اللاتينية وأفريقيا.

ليس الأمر استهتارا بأنشطة حقوقية كثيرة نال أصحابها عقوبات ظالمة، لكن من الطبيعي الإشارة إلى ظاهرة المزايدات التي طالت ما يعرف بـ”الأدب السجني” في تونس حتى كادت العملة المزورة أن تطرد العملة الصحيحة، فيتساوى عندئذ مناضلون حقيقيون وكتاب وفنانون عباقرة مثل المناضل نورالدين بن خضر والسينمائي نوري بوزيد، والإعلامي الهاشمي الطرودي واليساري جيلبير نقاش والمناضل محمد الكيلاني، من جهة، مع من ارتكب الجرائم في حق الدولة والمجتمع، من جهة ثانية.

المثقف والأغاني الشعبية

الحقيقة أن الأدب السجني، يحوي بدوره حساسيات مختلفة تتوزع بين عائلات فكرية وانتماءات أيديولوجية مختلفة بل ومتباينة، فلا يجمع بين هؤلاء غير جدران السجن وقسوة السجان الذي لم تكن تفرق عصاه العمياء بين من دخل الزنازين انتصارا للحريات ومن دخلها أيضا محتجا ومتحفظا على تلك الحريات.

وهذا الجدال مازال قائما في تونس بين القوى الديمقراطية والإسلاميين، الذين يتباهى الكثير منهم بـ”نضالاته” ضد نظامي بورقيبة وبن علي، وتكفلت حكومات ما بعد 14 يناير 2011 لهم بتعويضات مادية مجزية، انتقدتها جهات كثيرة، واعتبرتها “نضالات مزيفة ومدفوعة الثمن”.

اللافت للانتباه أن الإسلاميين وحدهم، طالبوا بالتعويضات واستشرسوا في ذلك، عكس اليساريين وبقية الحقوقيين الذين عانوا مرارة السجن وعاشوا ظلمة زنازينه دون المطالبة بـ”ثمن نقدي” يعوض نضالاتهم، كما صرح جيلبير نقاش، الذي رحل منذ أيام عن سن يناهز الثمانين عاما.

يوميات المفكر التونسي جيلبير نقاش في السجن
يوميات المفكر جيلبير نقاش في السجن

وكانت السلطات التونسية قد اعتقلت نقاش في سبتمبر 1968 وحكمت عليه بـ14سنة سجنا لنشاطاته السياسية مع حركة “آفاق” اليسارية المعارضة، وتعرض لشتى أنواع التعذيب، إلى أن أفرج عنه بعد 10 سنوات، وبقي بعدها تحت الإقامة الجبرية والمراقبة الإدارية، وذلك في أبشع أنواع الظلم الذي سلطه نظام بورقيبة على مناضلي اليسار الذين تشتت شملهم، مما سمح بعدها للتيارات الإسلامية بالبروز والنشاط العلني، ظنا من مستشاري بورقيبة أنهم بذلك سوف “يعدّلون الكفّةّ” نحو التوازن السياسي والاجتماعي.

وهناك فئة ثانية من رواد أدب وفن السجون في تونس، لم تلق حظها من العناية والاهتمام في الإعلام الرسمي، وهي ما يعرف بـ”فن الزندالي” نسبة إلى أقدم وأكبر السجون في العاصمة التونسية.

وفي هذه المعتقلات التي كان يُحشر فيها سجناء الرأي العام مع سجناء الحق العام أي تلك الفئة من مرتكبي الجرائم المدنية والجنائية، كان جميع النزلاء يعيشون على إيقاع ما يعرف بفن المزود (آلة نفخية شعبية) وينظم أصحابه أغنيات تبكي الغربة والوحشة وتحن إلى الأم والحبيبة والأصدقاء. وكان من أشهر هؤلاء المطرب الشعبي صالح الفرزيط، والذي جايل وعايش معظم المساجين السياسيين فتعلم منهم وتعلموا منه، واشتهر بأغنيته المؤثرة “ارضي علينا يا الأمّيمة رانا مضامين”.

ولعل المشهد الأكثر تعبيرا عن هذا الحوار الخفي بين المثقف اليساري وفنان “الزندالي” هو تلك اللقطة الآسرة في شريط “الزندالي.. نشيد السجون التونسية” للسينمائي علاء الدين زعتور، يظهر فيها ولأوّل مرة، السجين السياسي جيلبير نقّاش، وهو يغني “الزندالي” على وقع الحركة الرابعة في السمفونية التاسعة لبتهوفن، ويتحدث أيضًا عن ظروف أغنية “الدّيسات”، وهي المسّمى بالفرنسية للغرفة رقم 17 بسجن 9 أفريل، والتي جمعت سجناء حركة “آفاق” واليسار التونسي في السبعينات، ويُعرف بأنها أكبر غرفة عزل بالسجن المذكور.

طبع هؤلاء الذائقة العامة في تونس منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي، ويرقص لنغماتهم الكبار والصغار على مختلف تصنيفاتهم، لكنهم لم يحظوا بأي اعتراف رسمي ما عدا بعض الأعمال السينمائية كشريط علاء الدين زعتور، وآخرين مثل “فن المزود” لسنية الشامي، والفيلم الروائي الطويل “صفائح من ذهب” للسينمائي السجين السياسي السابق نوري بوزيد الذي ذهب بالكاميرا إلى نفس هذا الهامش، وكذلك طرق آخرون الموسيقى السجنية وأعادوا لـ”الزندالي” بريقه وألقه المسلوب.

ولعله من الجدير أن نذكّر بأن الكتابة الأدبية والفنون الموسيقية، شأن إبداعي وإنساني يحتفي بالتخييل ولا يعترف بالواقع إلا من حيث كونه ملهما للخيال، لكن أدب السجون، يجد لنفسه الرواج في العالم العربي ويأخذ تصنيفا مغايرا لكونه شأنا شخصيا ولا ينبغي له التورط في الخيال والمبالغة.

هذه المصداقية وحدها، لا تضمن له التصنيف كجنس فني وأدبي، فليس كل سجين مبدع كما لا يُطلب من كل مبدع أن يرمي بنفسه في التهلكة ويصبح سجينا سياسيا.

14