المياومون المصريون يقفون في طابور إعانات لا تسد الرمق

بنك الطعام المصري يقوم بتوزيع عشرة آلاف صندوق من المواد الغذائية كل يوم لمواجهة تأثيرات إجراءات التصدي لوباء كورونا على المصريين الأكثر فقرا.
الخميس 2020/04/09
بلا مصدر رزق

القاهرة- يقف سيد شعبان، وهو واحد من ملايين العمال المياومين في مصر، منهكا ومهموما في طابور للحصول على صندوق يحوي مواد غذائية، مثله مثل العشرات من العمّال الآخرين الذين باتوا عاطلين بعد تفشّي فايروس كورونا المستجد.

يقول شعبان الذي وضع قفازات وكمامة بينما يقف أمام مركز لتوزيع المواد الغذائية في القاهرة، “كما ترون، ليس لدي سوى ذراع واحدة تعمل. حتى الآن كنت أكسب رزقي من تقديم المشروبات، الآن لا يدخل جيبي قرش واحد”.

والمركز تابع لـ”بنك الطعام المصري”، وهو جمعية غير حكومية تقدّم مساعدات للفقراء. ووفق البيانات الرسمية، تقترب نسبة البطالة من 10 في المئة ويتجاوز عدد العاملين في القطاع غير الرسمي خمسة ملايين شخص لا يتمتعون بأي شبكة للحماية الاجتماعية.

وسجلت مصر حتى الآن رسميا 1450 إصابة بفايروس كورونا المستجد، بينها 94 وفاة. وللحد من انتشار الفايروس، فرضت السلطات حظرا للتجول في 25 مارس وقررت في الوقت ذاته إغلاقا كاملا للمقاهي والمطاعم والنوادي وكل أماكن التجمعات، وفقد العاملون في هذه الأماكن الدخل القليل الذي كانوا يحصلون عليه.

مصاعب جديدة تلوح في الأفق مع تطبيق دول خليجية يعمل بها الملايين من المصريين قيودا على الحركة، وهو ما قد يقلل بشكل حادّ التحويلات النقدية من العاملين في الخارج

وقال تيموثي قلدس الباحث غير المقيم بمعهد التحرير للسياسة في الشرق الأوسط، “مصر تواجه تحديا هائلا في محاولة إبقاء السكان في البيوت، فكثير من الأشغال لا يمكن أداؤها عن بعد كما أن ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر ويحصلون على أقل من دولارين يوميا”.

وقلّص حظر التجول ساعات العمل لمن مازالوا يعملون في وظائف كما أن من يعملون في الخدمات الحكومية لا يمكنهم زيادة دخلهم بالعمل في أشغال إضافية مثل قيادة سيارات الأجرة ليلا مثلما اعتادوا.

ومنذ منتصف مارس الماضي، يوزع “بنك الطعام المصري” مساعدات غذائية لمواجهة التأثيرات الهائلة لهذه الإجراءات على المصريين الأكثر فقرا. وكان شعبان، وهو أب لطفلين يقطن في حي مدينة السلام الفقير بشرق القاهرة، يعمل نادلا في مقهى شعبي إلى أن حرمه الفايروس من مصدر رزقه.

ويقول “ليست لدينا تأمينات اجتماعية يمكننا الاعتماد عليها. لم أكن لآتي إلى هنا لو لم تكن لديّ حاجة حقيقية”.

ويقول محمد سعيد، 36 عاما، وهو نجار وأب لثلاثة أطفال بينما يقف خلف شعبان في الطابور، “منذ أن بدأت هذه الأزمة ونحن نجلس في بيوتنا من دون أي مدخول مالي”. ويضيف، “لا نعرف كيف نوفّر الطعام لأولادنا. ولو، لا قدّر الله، حصل شيء لأي منهم، لن استطيع أن أدفع فاتورة أي مستشفى”.

الصندوق يحتوي على أرز ومعكرونة وزيت وسكر ولحم معلب، وهي أقل بكثير من احتياجات الأسر الفقيرة
الصندوق يحتوي على أرز ومعكرونة وزيت وسكر ولحم معلب، وهي أقل بكثير من احتياجات الأسر الفقيرة

ويؤكد رئيس “بنك الطعام المصري” محسن سرحان أن جمعيته الخيرية تعمل على توزيع عشرة آلاف صندوق من المواد الغذائية كل يوم. ويحتوي الصندوق على أرز ومعكرونة وزيت وسكر ولحم معلب، وهي أقل بكثير من احتياجات الأسر الفقيرة.

ويضيف، “شعرنا أن الاقتصاد يتباطأ بسبب فايروس كورونا فأطلقنا في منتصف مارس مبادرة لمساعدة شريحة واسعة من المجتمع تأثرت سلبا” بما يحدث.

وتعهد بنك الطعام بتوزيع 500 ألف صندوق في محافظات مصر الـ27. وتشارك قرابة خمسة آلاف جمعية أهلية محلية في توزيع المساعدات. ويقول “إننا في وضع طارئ. نحن بحاجة إلى توفير غذاء لمئات الآلاف خلال بضعة أسابيع… الوقت مهم جدا الآن”.

وقرّر الرئيس عبدالفتاح السيسي الاثنين تقديم مساعدات اجتماعية للعمال الأكثر فقرا قيمتها 500 جنيه لكل منهم (أقل بقليل من 30 دولارا) شهريا لمدة ثلاثة أشهر بغرض إعانتهم في هذه الظروف الصعبة. ولكن هذه المنحة هي، برأي خبراء، مسكّنا ليس أكثر.

وقال خالد إبراهيم (58 عاما) الذي يعمل في مقهى أغلق أبوابه “قدّمت طلبا… وقالوا لي تعالى استلم المبلغ بعد يومين. وجئت بعد يومين وقالوا لي ارجع بعد أسبوع”. وأضاف وهو يقف مع 15 آخرين في أحد مكاتب البريد “أنا محتاج، وأريد أن أدفع الإيجار لكني لا أستطيع”.

ويقول الباحث المتخصص في الشؤون العمالية في العالم العربي في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن آدم هنية، “الفايروس سيؤدي بالتأكيد إلى زيادة كبيرة في عدد العمّال الفقراء في دول مثل مصر”.

ويضيف، أن الفايروس والتداعيات الاقتصادية الناجمة عنه يمكن أن تؤدي إلى “مجموعة من النتائج غير المتوقعة” بينها “خلل في إمدادات المواد الغذائية” و”ضغط هائل على النظام الصحي للبلاد”.

قلّص حظر التجول ساعات العمل لمن مازالوا يعملون في وظائف كما أن من يعملون في الخدمات الحكومية لا يمكنهم زيادة دخلهم بالعمل في أشغال إضافية

ويحذّر هنية من أن هذا “سيؤدي بلا شك إلى احتجاجات اجتماعية”، مضيفا “إذا تم القياس على تاريخ مصر، فسيترتب على ذلك تصاعد القمع والمزيد من الإجراءات السلطوية”.

ومع تزايد أعداد المصابين بالفايروس كل يوم، يعبّر محمد سعيد عن خوفه من المستقبل. ويقول “الوضع جعلني أفكر في أن أغادر وأترك كل شي ولكن لا يمكنني أن اترك أسرتي”. ويضيف “نحن لا نتسول ولكن الحياة بالفعل توقفت”.

ويقول ياسر ناجي البالغ من العمر 48 عاما وهو يجلس القرفصاء مع آخرين من عمّال اليومية الباحثين عن عمل تحت أحد الجسور العلوية في القاهرة إنه ينتظر منذ أسبوعين فرصة للعمل في أحد مواقع البناء حتى يتمكّن من إطعام أسرته.

وقال ناجي وهو يجلس بجوار أدواته في حي السيدة عائشة بالقاهرة “عندي خمسة أطفال في المدارس ولم أعمل منذ 16 يوما”. وأضاف أنه تقدّم بطلب للحصول على المساعدة لكنه لم يتسلّم أيّ أموال. وقبل الأزمة كان ناجي يحصل على 150 جنيها يوميا لكنه يقول الآن إنه يضطر للاقتراض لإطعام نفسه.

ويقول محللون إن مصاعب جديدة تلوح في الأفق مع تطبيق دول خليجية يعمل بها الملايين من المصريين قيودا على الحركة، وهو ما قد يقلل بشكل حادّ التحويلات النقدية من العاملين في الخارج.

20