الميتافيزيقا المبتسمة: جون دورميسون يذهب في حقل الأمل

الأحد 2014/08/03
جون دورميسون: كتاب صغير لا يؤلم القارئ لو سقط على قدمه

جون دورميسون، كاتب، ممثل، أكاديمي منذ أكثر من أربعين سنة، وهو المدير السابق لصحيفة “لوفيغارو”، يخلّده عمله بالأكاديمية الفرنسية وكذا أعماله الأدبية “مجد الإمبراطورية”، “كرما لله”، “تاريخ الاختلاف” وحديثا “إنه كالعالم شيء غريب في النهاية”، يقدم للقراء مؤلفا جديدا بعنوان ” كأنه حقل من الأمل ” تنشره له ابنته إيلويز.

حين سأله لوران روكيي، عند استضافته بالبرنامج الشهير “نحن لسنا نائمين” الذي تبثه قناتا “فرانس 2” و”تي في 5”، عن مدى سروره بالجمهور العريض من المعجبين أجابه: أحس بسعادة أكبر حين أرى المسنين منهم على الأخص، أما عن العدد الكبير من القراء المعجبين فقد يرجع ذلك ربما إلى أنني عمرت طويلا. وقد تماثل للشفاء بعد مرض عصيب استوجب تدخلا جراحيا وعناية كبيرة من طرف ثلة من الأطباء، فقد غنّى أغنية برازيلية بابتسامة فياضة وحركات أكدت للجميع أنه الآن في كامل لياقته البدنية والعقلية، فلما رأى علامات الذهول بادية في عيون الحاضرين، صرح أنه يتقن اللغة البرتغالية لأنه قضّى مدة بالبرازيل، وأن الأغنية التي ترنّم بها من أغاني الكرنفال البرازيلي يهديها للجمهور بمناسبة مونديال الساحرة المستديرة، مضيفا أنه على أتم الاستعداد لتعويض قلب الهجوم الغائب عن المنتخب الفرنسي فرانك ريبيري.


صيرورة الكون


بالعودة إلى مؤلفه الأخير” كأنه حقل من الأمل” الذي يمزج بين الغيبيات والمعطيات العلمية الدقيقة، يتحدث من جهة عن العقيدة وعن وجود الله، ومن جهة أخرى عن صيرورة الكون منذ الانفجار العظيم ونشأة أولى الذرات حتى يوم الفناء.

فقد عد المحللون الكاتب شقيقا ثالثا للروسي بوغدانوف عالم الفيزياء الشهير الذي أصدر العديد من الكتب التي تتحدث عن وجود الله من خلال تحليل علمي وفلسفي. وتعيدنا طريقة تحليله تلك أحيانا إلى الحقل المعرفي الجميل لزمن ما قبل انفصال العلوم عن الفلسفة، لربما ما كان عليهما أن ينفصلا، مع أنه يستشهد دائما بحقائق علمية حديثة ونظريات ليبنيز، بيرغسون، أينشتاين..

لقد كان غالبا يشاركه بمؤلفاته غريشكا بوغدانوف وهما الاثنان عالمان في فيزياء الفلك والفيزياء النظرية، ولعل أشهر مؤلفاتهما ذلك الذي أُنجز بمعية جون غيتون الفيلسوف الفرنسي المرموق، تحت عنوان “الله والعلم”، وكان محوره تحويل الخلاف القديم بين المؤمن والعالم إلى نقاش أساسي شديد الأهمية يتم فيه تبادل الحجج، الفرضيات والتساؤلات حول مكانة الإنسان ومآله وسط هذا الكون.

على أن جون دورميسون صرح، أنه لا علاقة له ببوغدانوف ولم يقرأ مؤلفاته، رغم الانطباع الذي خلفه كتابه الذي يتكلم أيضا عن الانفجار الأعظم (بيغ بانغ). إنه يحاول تفسير ما وقع في السابق وما سيقع ربما لاحقا، يتحدث عن ألغاز وجود الكون والحياة، ويتساءل عن وجود الله ويذهب أبعد من ذلك. لقد تحدث عن نيته وهو يصدر ذلك الكتاب، مشيرا إلى أنه أراد أن ينجز كتابا صغير لا يرهق القراء ولا يؤلمهم إذا سقط على قدم أحدهم لأنه يكره الكتب ثقيلة الوزن التي تصعب قراءتها حين يكون الإنسان مستلقيا فوق أريكة أو على الفراش. وأضاف من جهة أخرى أن كتابه هذا يعد استمرارا لمؤلفيه السابقين “سأرحل يوما قبل أن أقول كل شيء” و”إنه في النهاية شيء غريب كالعالم” حيث تحدث شيئا ما عن حكاية الكون، من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون، ويعتبره الجزء الأخير لهذه السلسلة، دون أن يكون كتابه الأخير.


ما قبل وما بعد


إنه في الواقع، كتاب ممتع محفز للتفكير والتأمل، بعيد كل البعد عن إصدارات بوغدانوف التي ليست في متناول القارئ العادي. لكنه يحمل على التأمل أحيانا حين يستحضر بعض التعاريف، فالحياة التي نعيشها ليست بسيطة التعريف والمنال، فما بالك بما قبل الحياة وما بعدها.

كتاب يعقد مصالحة بين العلم والدين

“منذ ما يقارب أربعة مليار سنة وقع انفجار كبير، هذا هو الانفجار الجد الذي أعلن عن بداية ما نحن عليه الآن، تفتقت منه أشياء لا يمكن تحديدها، دقيقة غاية في الصغر، بدرجة حرارة وبكثافة تتحدى الخيال، وابتداء من لحظة البدء تلك، بحجم أقل مليار مرة من حبة رمل أو حبة غبار، ظهر الفضاء من عدم، وبدأ الزمن الملازم له يمر، فنشأت منه النجوم والمجرات، الشمس والقمر، الأرض، حرب النيران، أهرام مصر، شلال طروادة، مسرح أثينا، السور العظيم،…” هكذا يبدأ المؤلف ويذهب حتى الحياة الباريزية في يومنا هذا.

لقد جئنا من العدم وسنعود إلى العدم، لكن هذا العدم الذي سبقنا وسيبقى بعدنا، والذي نحس به، بعض الأحيان قريبا، منا في حياتنا اليومية، هذا اللاشيء هو كل شيء في نفس الآن.

هل المصادفة بإمكانها أن تنتج عالما منظما بهذه الدقة المتناهية؟ الجواب المنطقي والذي يوحي به تحليل جون دورميسون هو لا. لكنه عن هذه الملاحظة يشير إلى أن العجيب في الأمر هو إحساسنا بأن الحياة التي نعيشها، وأن كل شيء يحيط بنا هو منسوج بطريقة مقصدها ألاّ نعلم شيئا البتة، وألاّ نستطيع الإجابة قط. حتى بالنسبة إلى العلماء فهناك شيء يدعى جدار “بلانك”، وهذا الجدار ليس جدارا عقائديا أو فلسفيا، إنه جدار علمي مفاده أنه عند جزيء صغير من الثانية بعد الانفجار الأعظم هناك حاجز معرفي لم يستطع أحد الذهاب أبعد منه. وكل الأحاديث عما قبل، فهي من وحي الغيب أو من اختراعنا نحن البشر.


هذه رواية


ولهذا يقول الكاتب: سميت هذا المؤلف رواية، (…) واعتقادا بوجود الله، فقد خلق هذا العالم لنكون سعداء، وإذا كانت لدينا شكوك في حقيقة الماضي البعيد، فبالمقابل لديّ يقين بأن كل شيء سينتهي يوما، وبهذا الصدد لديّ خبر غير سار للجميع، فكلنا سنموت شأننا شأن الديناصورات التي كانت أقوى منا بكثير.

يورد في كتابه أيضا أن الفرق بيننا وبين الكائنات الأخرى هو أنها عاشت حياتها دون أن تأبه بشيء، بخلاف البشر الذين يعتقدون أن كل شيء حولهم خُلق من أجلهم، ورغم عدم اكتراثهم بوجود خالق فقد سالت أنهار من الدماء وارتُكبت جرائم وفظاعات باسم الله.

“إذا كان هذا الكون نتاجا للصدفة، فنحن مجرد تركيبة أشياء تافهة وليس لنا أي فرصة حظ في حياة أخرى، أما إذا اعتقدنا بوجود الله وبقدرته على الخلق، فكل شيء ممكن، من جهة هناك يقين بما يعجز عنه إدراكنا، ومن جهة أخرى فرصة نيل حظنا من المعجزة”. سُئل دورميسون إن كان ذكر هذا ليحمل الناس على الإيمان بالله، فرد أنه إن كان هناك أناس يثيرون إعجابه ويحظون بتقديره واحترامه، فهم أولئك الذين لا يؤمنون لا بالله ولا بالشياطين لكنهم يعملون الخير ويأمرون بالمعروف، فهم لا يعملون ذلك لمجرد وازع ديني كاليهودي، والمسلم أو النصراني، ابتغاء نصيب من الجنة. يقول بهذا الصدد إنه صرح لأحد الأطباء الذين أشرفوا على شفائه وقد كان ملحدا: “ستبوأ مقعدا على يمين الله الذي لا تؤمن به”.

لقد وصفت الناقدة ناتاشا بولوني هذا الكتاب بالميتافيزيقا المبتسمة التي تحاول عقد مصالحة بين العلم والدين، كأنها معزوفة على أوتار التناقضات. وقد رد دورميسون عن هذا التعليق بأنه يجد في نفسه كما في كل نفس بشرية وحدة أُلِّفت من نسيج من التناقضات، وأن من السهولة بمكان أن يصرح أحد بأنه يحب الله، لكن ماذا نفعل كي نحبه؟ فليس هناك أي وسيلة أخرى لمحبة الله غير محبة الناس. فلنحب بعضنا البعض.

13