الميديا الاجتماعية وإعادة تقاسم السلطة

الاثنين 2015/01/05

اشتهر المفكران الإنكليزي “لوك” والفرنسي “مونتسكيو” بالتنظير، في القرنين السابع عشر والثامن عشر ميلادي، لفكرة الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، التي كانت تهدف منذ تلك الفترة إلى الفصل بين وظائف الدولة الأساسية، ممّا من شأنه أن يساعد على الحدّ من الاستبداد والتعسّف والاستعمال الخاطئ للسلطة ضمن مفهوم ممارسة السيادة السياسية. وأصبحت هذه النظرية إلى اليوم إحدى وأهم ركائز الممارسة الديمقراطية.

وشهدت وسائل الإعلام الجماهيرية تدريجيا منذ بدايات القرن العشرين اهتماما بالغا من قبل رجال السياسة، إلى درجة أنه لا يمكن الحديث عن سياسة دون إعلام أو إعلام دون تدخل رجال السياسة. كما أن الحياة السياسية أصبحت لا تستقيم في غياب رأي عام، وأن الرأي العام لا يمكن تشكيله في غياب وسائل الإعلام. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الحياة السياسية في ارتباط وثيق مع وسائل الإعلام بمختلف أشكالها. لقد ازدادت أهمية وسائل الإعلام والاتصال مع مختلف التطورات التكنولوجية التي شهدها العالم، وأصبحت هذه الوسائل قنوات لا مفر من المرور عبرها من قبل مختلف السياسيين ورجال الأعمال والمواطنين ومكونات المجتمع، بهدف التأثير وتوصيل الرسائل الإعلامية وتشكيل الرأي العام. وبالتالي أصبحت سلطة جديدة، اصطلح على تسميتها بالسلطة الرابعة نسبة إلى السلطات التقليدية الثلاث.

ويرتكز مفهوم السلطة الرابعة على فكرة أن وسائل الإعلام التي تنشر وتبث الأخبار والآراء بتقنيات مختلفة لصالح الجمهور، لها تأثير قوي على القضايا العامة وعلى سلوك المواطنين. وفي هذا الإطار تعدّدت نظريات التحكّم والتلاعب بالرأي العام وازدادت قضايا الثلب عبر وسائل الإعلام.

وتبقى وسائل الإعلام، مهما اختلفت الآراء حولها، سلطة لا مفر منها داخل المجتمع، تراقب أداء السياسيين وتوصل صوت المواطنين إلى الجهات المعنية وتحقّق في الشأن العام. ولكن هذه السلطة المملوكة والممارَسة أساسا من قبل المؤسسات الإعلامية، بمختلف أشكالها، أصبحت تعيش منذ بداية القرن الحادي والعشرين وضعية جديدة أو إن صح التعبير مزاحمة جديدة من قبل وسائل الاتصال غير المؤسسية عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

إن نشر الأخبار وعرض الآراء عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات الإلكترونية وعبر ما يعرف اصطلاحا بالميديا الاجتماعية، أصبحا يمثلان سلطة جديدة لا تقل أهمية عن سلطة وسائل الإعلام المؤسسية أو التقليدية، بل في بعض الأحيان يتجاوزانها سرعة وتنظيما في التأثير على المواطنين وتشكيل الرأي العام.

ورغم النقد الموجه إلى الميديا الاجتماعية من حيث عدم الدقة في نشر الأخبار، وعدم الالتزام بالمعايير الأخلاقية المتبعة في مجال الصحافة والإعلام، إلا أن الواقع يظهر بداية زعزعة عرش السلطة الرابعة، التي أصبحت مضطرة إلى إعادة تقاسم سلطة الإعلام مع لاعبين جدد.

فالدور الذي كانت تضطلع به المؤسسات الإعلامية في ترتيب أولويات الأحداث محليا ودوليا، لم يعد حكرا عليها. فالميديا الاجتماعية أصبحت تلعب الدور البديل في إعادة ترتيب الأولويات. ومن هذا المنظور وجّه العديد من الباحثين في الإعلام والاتصال نقدا إلى نظرية “الأجندة” (Agenda Setting) التي تعتبر أن وسائل الإعلام تتحكّم في ترتيب أولويات الأحداث داخل المجتمع.

كما وجه نقد مماثل إلى نظرية “السكوت الحلزوني” (Spiral of Silence) التي تُعبّر عن الخوف من عدم اهتمام وسائل الإعلام برأي الأقليات داخل المجتمع، باعتبار أن الميديا الاجتماعية أصبحت وسيطا حرّا لنشر رأي الأقليات.

من جهة ثانية، أثبتت بعض الدراسات أن عددا كبيرا من مستخدمي المواقع الإخبارية لا يهتمون بشكل كبير بالمقال المنشور، بقدر ما يهتمون بالتعليقات المرتبطة به، والتي تحمل وجهات نظر مهمة، لا تتماشى بالضرورة مع كاتب المقال.

لقد أصبح المدون والمشارك عبر الميديا الاجتماعية منتجين جديدين للمضمون، مهما اختلف الجدل حوله، وباتت من الواضح إعادة تقاسم سلطة الإعلام مع لاعبين جدد عبر شبكة الإنترنت.


أكاديمي وخبير إعلامي – مملكة البحرين

18