"الميركاتو" الشتوي في مصر ساخن جدا

ملايين بيراميدز تجبر الأهلي والزمالك على فتح خزائنهما والاستعانة برجال الأعمال.
الأحد 2019/01/13
الشحات صفقة طال انتظارها

يعتبر موسم الانتقالات الشتوية في الدوري المصري، هو الأكثر سخونة على الإطلاق، لا سيما أن لغة المال حسمت الكثير من الصفقات، وعزز ذلك ظهور نادي بيراميدز (الأسيوطي سابقا)، في ثوب جديد هذا الموسم، بعد أن انتقلت ملكيته إلى رجل الأعمال السعودي تركي آل الشيخ، الذي ضخ مبالغ مالية كبيرة، تخطت 9 ملايين دولار، لتدعيم الصفوف بعناصر قوية للمنافسة على اللقب، وهو ما ورّط ناديي الأهلي والزمالك في نفقات تفوق قدراتهما المادية.

القاهرة – لم يعد صراع الصفقات في الدوري المصري قاصرا على قطبي الكرة الأهلي والزمالك، كونهما الأفضل ماديا، والأعلى من حيث القاعدة الجماهيرية، وعرف العقدان الأخيران صراعا شرسا بين القطبين على صفقات تبرم بمبالغ مالية مقبولة إلى حد ما، ويحدث ذلك مع منافسة على استحياء من بعض الأندية الجماهرية الأخرى، كانت تتهافت على شراء المستبعدين من الأهلي والزمالك.

إلا أن الأرقام التي يشهدها “الميركاتو” الشتوي في مصر، الذي فتح أبوابه مع بداية يناير الجاري، أظهرت ارتفاعا جنونيا في أسعار اللاعبين، فاقت الجنون الذي حدث مع بداية الموسم الكروي في صيف العام الماضي، ويعود السبب إلى دخول نادي بيراميدز في صراع الصفقات، فضلا عن تدخل مالكه تركي آل الشيخ، لتدعيم صفقات النادي الأهلي، قبل أن يدب الخلاف بينه وبين مجلس إدارة النادي، برئاسة محمود الخطيب.

بعدها حوّل تركي وجهته، وبدأ في تدعيم صفقات الغريم التقليدي للأهلي، وهو نادي الزمالك، وباتت أقل صفقة في الأندية الثلاثة تتخطى مئات الآلاف من الدولارات، أما عن الملايين فحدث ولا حرج.

تراجع وأطماع

جاء ظهور فريق النادي الأهلي بمستوى متواضع هذا الموسم، وخروجه من نهائي دوري الأبطال والبطولة العربية، ليزيدا من أطماع منافسيه على اللقب، وعلى رأسهم فريقا ناديي الزمالك وبيراميدز، لا سيما وأن الأخير تمكن من زحزحة أقدام بطل الموسم الماضي، من المنافسة على اللقب، بعد أن فاز عليه بهدفين مقابل هدف، الجمعة، في إحدى المباريات المؤجلة بالدوري الممتاز.

وساهم تراجع أداء الأهلي أيضا في سخونة الصفقات، لا سيما وأن الفريق في ظل ارتفاع أسعار الصفقات، وجد نفسه متورطا لمسايرة السوق، الذي يدار بطريقة إما الدفع وإما ضياع الصفقة لصالح من يدفع أكثر، خصوصا وأن بعض اللاعبين لم يعد لديهم نفس الشغف بالانتقال إلى الأهلي، كونه واحدا من أكبر الأندية في القارة الأفريقية والوطن العربي، وفضّلوا الأموال عن حجم النادي.

ويعتبر اللاعب حسين الشحات حالة استثنائية في الانتماء، في وقت يتسابق فيه اللاعبون على جمع الأموال خلال مشوارهم الكروي بداعي تأمين مستقبلهم، دون أن ينظر أغلبهم إلى حجم وقيمة النادي الذي يرتدون قميصه، على عكس ما كان يحدث في الماضي، بعدم النظر إلى الجانب المادي.

الأندية فتحت خزائنها للتعاقد مع أفضل اللاعبين، وكان السعيد وعمرو مرعي لاعب النجم الساحلي التونسي، بطلي آخر الصفقات الساخنة، بعد انضمامهما إلى نادي بيراميدز

وأسر الشحات لاعب العين الإماراتي السابق، قلوب جماهير الأهلي قبل أن يرتدي قميص النادي، بعد تمسكه بالانتقال إلى بطل الدوري المصري للموسم المقبل، وتنازله عن باقي مستحقاته لدى العين، فضلا عن تنازله عن نسبته في إعادة بيعه، وانتقل اللاعب إلى الأهلي في صفقة مدتها 4 مواسم ونصف الموسم مقابل 5 ملايين دولا، تحملت خزينة الأهلي مليون ونصف المليون دولار فقط، فيما تحمل أحد رجال الأعمال الإماراتيين بقية المبلغ.

 واحتلت صفقة الشحات حيزا كبيرا من تعليقات الجماهير على مواقع التواصل الاجتماعي، وجاء إتمامها بعد أيام من انتقال لاعب الأهلي السابق عبدالله السعيد، ليفتح الباب أمام المقارنات بين اللاعبين الاثنين، خصوصا وأن السعيد قام بتوقيع عقود انتقاله إلى الزمالك، الغريم التقليدي للأهلي، دون علم الأخير، ما صنع خصومة بينه وبين عشاق الأهلي، الذين رفعوا شعار “من يشتري نادينا نحمله فوق الأعناق”.

وحظيت صفقة الشحات باهتمام بالغ من وسائل الإعلام الرياضية في مصر، وذلك قبل أن تتم بصورة رسمية بنحو شهر كامل، نظرا لتمسك مسؤولي العين بتواجد اللاعب، فضلا عن المغالاة في القيمة المادية، لكن عندما لمس مسؤولو الأهلي رغبة الشحات في الانتقال إلى النادي، كثفوا المفاوضات لإتمام الصفقة، بينما أثارت صفقة انتقال عبدالله السعيد إلى بيراميدز جدلا واسعا، وفتحت الباب أمام هجوم محبي الأهلي على اللاعب، خصوصا أن انتقاله جاء في نفس يوم مباراة فاز فيها فريقه على الأهلي بنتيجة (2-1) بالدوري المصري، واعتبرت الجماهير أن السعيد فضّل الأموال عن البقاء في النادي الأهلي الذي صنع مجده وشعبيته.

وفتحت الأندية خزائنها للتعاقد مع أفضل اللاعبين، سواء بالدوري المحلي أو من الخارج، وكان السعيد وعمرو مرعي لاعب النجم الساحلي التونسي، بطلي آخر الصفقات الساخنة، بعد انضمامهما إلى نادي بيراميدز، ويحصل السعيد على 15 مليون جنيه (ما يقارب 850 ألف دولار)، في الستة أشهر المتبقية من الموسم الجاري، على أن يتضاعف المبلغ بداية من الموسم المقبل.

صفقة جدلية

المثير في صفقة السعيد هو دخول نادي الزمالك طرفا فيها، ولم يلتزم مسؤولوه الصمت، وخرج نجل رئيس النادي أمير مرتضى، وهو المشرف على فريق الكرة في الزمالك، وكتب تغريدة غريبة قال فيها “ألف مبروك للاعب الزمالك السابق الانتقال إلى بيراميدز”، قاصدا عبدالله السعيد في تغريدته، لا سيما وأن اللاعب وقّع عقود انتقاله للنادي خلال فترة الانتقالات الصيفية في يوليو من العام الماضي، قبل أن يتدخل الأهلي لإفساد الصفقة واستعادة لاعبه.

فيما خرج رئيس الزمالك نفسه ليؤكد ارتداء السعيد قميص ناديه مع مطلع الموسم المقبل، ليزيد الشبهات حول اتفاق مسبق بين الزمالك وتركي آل الشيخ، بأن يكون نادي أهلي جدة هو مجرد محطة تعيد اللاعب إلى الزمالك بعد أن تهدأ الأمور، وهذا ما وضعته إدارة الأهلي في الحسبان، واشترطت وجود بند في العقد يسمح للأهلي بالحصول على مبلغ مليوني دولار، حال انتقال اللاعب إلى أي ناد في مصر، وهو البند الذي دفع الأهلي إلى تقديم شكوى ضد اللاعب في اتحاد الكرة المصري.

صفقة انتقال عبدالله السعيد إلى بيراميدز أثارت جدلا واسعا
صفقة انتقال عبدالله السعيد إلى بيراميدز أثارت جدلا واسعا

وأبرم النادي نفسه أكبر صفقة في تاريخ الدوري المصري، عندما تعاقد مع الإكوادوري جون سيفونتي، مقابل 5 ملايين دولار، كما تعاقد بيراميدز مع البوركيني إيريك تراوري، مقابل 3 ملايين يورو، فضلا عن عمرو مرعي مقابل 850 ألف دولار.

أما النادي الأهلي فبلغت صفقاته نحو 65 مليون جنيه (ما يعادل 3 ملايين ونص المليون دولار)، وتعاقد النادي مع اللاعب الأنغولي غيرالدو دي كوستا بـ600 ألف دولار، بالرغم من عدم إمكانية الاستعانة بخدمات اللاعب في دوري أبطال أفريقيا، وهي الصفقة التي ستكلفه الاستغناء عن المدافع ساليف كوليبالي، الذي انضم إلى الفريق الصيف الماضي.

وأعاد الأهلي لاعبه السابق رمضان صبحي، من الدوري الإنكليزي مقابل مليون دولار، وتعاقد مع لاعب وادي دجلة محمد محمود مقابل 20 مليون جنيه (نحو مليون ومئة ألف دولار)، وذلك بهدف تطوير مركز وسط الملعب، خصوصا بعد أن برز اللاعب خلال الموسم الحالي، ما أهله للانضمام إلى منتخب مصر، ومن أجل دعم مركز المدافع الأيسر تعاقد الأهلي مع محمود وحيد لاعب وادي دجلة، مقابل 15 مليون جنيه (نحو 850 ألف دولار).

ومن أجل ترميم خط الدفاع، تعاقد الأهلي مع اللاعب ياسر إبراهيم، قادما من فريق نادي سموحة الإسكندري، لمدة 4 مواسم ونصف الموسم بقيمة مليون ومئتي ألف دولار، وبالتالي لم تعد نغمة أن النادي يحدد سقفا ماديا لصفقاته الجديدة تفلح مع الصراع الضاري الذي يتحكم فيه المال، وحتى وإن حدد أي ناد سقفا لصفقاته، فإنه يبحث عن رجل أعمال لدفع القيمة المتبقية خوفا من ضياع الصفقة.

ورغم الصراع الكبير بين الأهلي وبيراميدز لإبرام الصفقات، لم يعلن الزمالك سوى عن صفقة وحيدة، وهي للمهاجم المغربي خالد بوطيب، القادم من مالاتيا سبور التركي، في عقد مدته ثلاثة مواسم ونصف الموسم، ولا يزال مجلس إدارة النادي يجري مشاروات مع المدير الفني للفريق كريستيان غروس، لحسم ملف الصفقات الجديدة.

اللاعب حسين الشحات يعتبر حالة استثنائية في الانتماء، في وقت يتسابق فيه اللاعبون على جمع الأموال خلال مشوارهم الكروي، بداعي تأمين مستقبلهم

 وفضح موقع “ترانسفير ماركت” الخاص بسوق انتقالات اللاعبين، نادي الزمالك في تعاقده مع اللاعب المغربي، وكشف أن المسيرة الاحترافية له تؤكد انضمامه بالمجان إلى أي ناد منذ عام 2007 وحتى العام الماضي، ويعتبر الاستثناء الوحيد هو انضمامه إلى الزمالك، والذي جاء مقابل مليون ونصف مليون دولار.

ولعب بوطيب لفريق أوزيسبونتدوغارد الفرنسي عام 2007 في صفقة انتقال حر، ثم انتقل إلى بانيولبونت الفرنسي عام 2010 في صفقة انتقال حر أيضا، وعاد في الموسم التالي إلى نادي أوزيسبونتدوغارد من دون مقابل.

ودفع هذا الصراع الأندية الصغيرة والمتوسطة إلى المبالغة في تحديد أسعار لاعبيها، خصوصا المطلوبين من الأهلي أو الزمالك أو بيراميدز، فمثلا قال رئيس نادي سموحة فرج عامر إنه لن يتخلى عن لاعبه ياسر إبراهيم بأقل من 100 مليون جنيه (أكثر من 5 ملايين دولار)، وذلك عندما علم بصراع الأهلي والزمالك على ضم اللاعب، وهو ما تفعله أندية الدرجة الثانية.

صراع ثلاثي

بالتالي وفقا للآراء الفنية والتي تربط بين قوة عناصر الفريق والفوز بالبطولات، فإن الصراع على لقب الدوري المصري بات محصورا بين ثلاثة أندية، هي الأهلي والزمالك وبيراميدز، لا سيما مع التعاقدات الأخيرة التي أبرمها الأهلي، والتي عززت غالبية صفوفه بالرغم من أنه لا يزال في حاجة ماسة إلى ترميم دفاعاته، فيما نجح الزمالك في بناء فريق قوي قبل انطلاق الموسم الجاري، وكذلك فعل نادي بيراميدز أيضا.

في المقابل تقف أندية أخرى وتقوم بدور المشاهد فقط، والسبب أن خزائنها غير عامرة بالملايين من الجنيهات، وتعتمد في تدعيم صفوفها على اللاعبين الذين تستغني عنهم الأندية الكبرى، مثلما انتقل الظهير الأيسر صبري رحيل من الأهلي إلى الاتحاد الإسكندري قبل عدة أيام، وهنا تتوافق مصلحة اللاعب والنادي معا، فالأول يسعى للهروب من دكة البدلاء مع فريقه، بينما ينتظر النادي فرصة الحصول على توقيع لاعب ارتدى قميص ناد كبير في حجم الأهلي أو الزمالك.

كما يبحث اللاعب المستبعد عن تعاقد جيد، حتى وإن لم يصل المقابل المادي إلى نفس قيمة ما كان يتقاضاه مع ناديه السابق، وبالنظر إلى مثل هذه الصفقات التي تبلغ مليوني جنيه في الموسم الواحد على الأكثر (ما يزيد عن 100 ألف دولار بقليل)، فإنها مبالغ لا تذكر إذا تمت مقارنتها بلعبة الصفقات الضخمة التي تتبناها الأندية الكبرى.

كل ما يحدث لا يتوافق مع طبيعة ومستوى الدوري المصري، الذي لا يوجد فيه لاعب واحد يساوي أكثر من مليوني جنيه، وفقا لقوة المسابقة وانتظامها وجماهيريتها، كما أن ذلك أيضا يتنافى مع ما ينادي به الاتحاد الدولي للعبة “فيفا”، بعدم المغالاة في أسعار اللاعبين، وقد وجّه الفيفا تنبيها إلى نادي باريس سان جرمان الفرنسي، عندما أبرم صفقة للتعاقد مع البرازيلي نيمار، بلغت قيمتها 222 مليون دولار.

22