الميرلاند.. من حديقة السينما المصرية إلى مذبحة الأشجار

ظلت حديقة الميرلاند، الواقعة بحي مصر الجديدة الراقي بالقاهرة، أحد أوسع منتزهات العاصمة المصرية وأكثرها خضرة وجمالا على امتداد عقود عديدة. وكانت الحديقة معروفة باحتضانها لمشاهير السينما المصرية الذين صوّروا فيها العديد من أفلامهم، غير أنّها أضحت اليوم مهجورة ومهددة بالزوال بعد أن نفّذت فيها ما تسمّى بـ”مذبحة الأشجار”.
السبت 2015/05/30
ميرلاند القاهرة أزهقت أرواح أشجارها المعمرة، بعد أن كانت أجمل متنفس أخضر

القاهرة - انكشفت مأساة حديقة الميرلاند، حين استيقظ سكّان مصر الجديدة، قبل قرابة شهرين، على مأساة لم يتوقّعوا حدوثها إطلاقا، فقد وجدوا أنّ زينة حيّهم ورئته الخضراء، عاشت ليلا مذبحة للأشجار المعمّرة.. وقد قطعت بعض أشجار من جذوعها، بعد أن صمدت أكثر من ستة عقود، حيث انتشر عمال بآلاتهم لتحويل جزء من الحديقة إلى مرآبا سطحي.

علي مصطفى، رئيس شركة مصر الجديدة، برّر الإقدام على المشروع المدمّر للأشجار بقوله “أردنا تنفيذ مشروع مرأب يستوعب حوالي 120 سيارة مقابل شارع خفاجة وكانت الأشجار موجودة، ولكن من يستطيع أن يبني مرأب تحت الأرض دون أن يقطع شجرة واحدة”.

أمّا أهالي حي مصر الجديدة، وخاصة ممّن عاصروا العصر الذهبي للحديقة عندما كانت الحياة تدبّ فيها، ثم رأوا كيف هرمت وانحسرت المساحات الخضراء فيها، فإنّهم رفضوا قبول فرض الأمر الواقع، وشنّوا حملة على مواقع التواصل الاجتماعي احتجاجا على “مذبحة الأشجار” في الميرلاند.

ونشرت صور لجذوع الأشجار المقطوعة، وهو ما أثار اهتمام وسائل الإعلام فاضطرت السلطات إلى اتخاذ قرار فوري بوقف العمل في المشروع المثير للجدل، إلى حين مراجعة التراخيص ومطابقة ما يتم من أعمال مع ما هو مرخص به وكذلك مدى اتفاق أعمال قطع الأشجار وتهذيبها مع قوانين وزارة البيئة ومتطلباتها.

يقول مجدي بدر الدين، وكيل وزارة الكهرباء السابق، إنّهم “قاموا بقطع أعداد كبيرة من الأشجار، ووفقا لما يقوله البعض إن أشجار الميرلاند كانت ضخمة ونادرة وعندما يتم قطعها سيتطلب ذلك سنوات لإعادة زرعها مجددا”.

الجدير بالذكر أنّ الحديقة أنشئت عام 1949، وكانت وقتها لا تعرف باسم “الميرلاند” كما تسمى اليوم.. فقد كانت تشتهر آنذاك، أي في عهد الملك فاروق، باسم “نادي سباق الخيل”، ثمّ نقل النادي عقب قيام ثورة يوليو إلى منطقة نادي الشمس، لتسمى بداية من عام 1958 بحديقة الميرلاند، ثم ضمّت كازينو ومساحة لرياضة التزحلق وملاهي وعددا من المطاعم. كما كانت تضم عروضا للدولفين والحيوانات الأليفة.

وتعدّ حديقة الميرلاند أكبر حدائق مصر الجديدة بلا منازع، وقد تكون أوسع حدائق القاهرة برمتها، فهي تمتد على مساحة 50 فدانا، ومساحاتها الخضراء الشاسعة كانت تحتوي أنواعا مختلفة ونادرة من الأشجار، عمر بعضها يفوق مئة عام.. وفضلا عن الملاهي ومسالك التجوال في الحديقة، فإنّها كانت تضمّ بحيرة كبيرة للبط والمراكب الصغيرة.

خالد فهمي: حديقة ميرلاند ما زالت موجودة، ويجب أن تظل موجودة

وينتظر الجميع حاليّا قرارا سياسيا من رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، لتقرير مصير الحديقة التي خصّص خمسة فدادين من مساحتها سابقا لإقامة مقهى ومطعم كان يستضيف في عطلات نهاية الأسبوع فرقا موسيقية شهيرة في الستينات والسبعينات تعزف موسيقى غربية كما كانت ترقص فيها أسبوعيا واحدة من أشهر الراقصات المصريات وهي سهير زكي. وأضحت الحديقة الآن مغلقة ومهملة، فالعشب الأخضر جفّ وصارت تربتها جدباء مقفرة، كما أنّ المباني الجميلة البيضاء القائمة بداخلها تحوّل بياضها إلى سواد منفّر.

وقالت عاملة نظافة بالميرلاند: إن الحديقة تعاني من إهمال كبير، مشيرة إلى أنه سبق أن أعلن عن رصد ميزانية لتطويرها تبلغ 3 ملايين جنيه ولكن اقتصر كل الأمر على تقليم الأشجار والنخيل، قائلة إن “الإهمال قتل كل شيء في الحديقة”.

وأبدى أحد سكان المنطقة غضبه لما يحدث قائلا: رغم تحذير وزارة البيئة على تجنب تلك التجاوزات فإن هناك من يقوم بقطع الأشجار ونقلها ليلا، داعيا الوزارة إلى ضرورة الضرب بقوّة على أيدي من يسمح بتلك التجاوزات، فضلا عن محاسبة كل المسؤولين المتخاذلين.

من جانبه، قال خالد فهمي، وزير البيئة، إنّ “ميرلاند ما زالت موجودة، ويجب أن تظل موجودة، ولكن للأسف لن نستطيع أن نوسعها، لأنها محاطة بأماكن سكنية ولكن أقله علينا حمايتها”.

كانت حديقة الميرلاند، في ماض غير بعيد، متنفّسا للعائلات المصرية القاطنة بالقرب منها.. وكانت منتزها يرتاده الكبار والصغار، هربا من أدخنة السيارات، وطلبا لنزهة تنشرح لها القلوب بين مساحات خضراء واسعة ندر وجودها في العاصمة المصرية.

تقول سيدة مسنّة من سكان حي روكسي القريب، في رثائها للحديقة المنكوبة “حين آتي للحديقة حاليا يصيبني الغضب.. ففي الماضي كان يكفي أن أجلس هنا أو أتمشى فيها لأشعر براحة كبيرة.. لكن الآن أشعر بالندم عند دخولها.. كانت الحديقة تحتوي كازينو كبيرا واستوديوهات وكان الممثلون يأتون إلى هنا من أمثال صلاح السعدني ومحمود ياسين وغيرهما”.

20