الميكروبيولوجيا الجديدة اكتشاف علمي يعيد طرح سؤال هوية الإنسان

الثلاثاء 2016/08/09
شفرات إنسانية أخرى تكتشف مع الميكروبيولوجيا

منذ أن اكتشف العالم الهولندي، أنتوني فان ليوفينهوك، عالم الميكروبات في القرن السابع عشر، أصبح يساور الإنسان قلق وفزع بالغان بسبب ما علق بذاكرته من أهوال تسببت فيها عدوى الميكروبات وانتشار البكتيريا غير الحميدة وكيف أودى داء الطاعون بأكثر من 25 بالمئة من سكان أوروبا في عام 1347، وما سببه داء الجذام في مصر والهند والصين من كوارث.

ولم ينقطع هذا الخوف مع اكتشاف دور الميكروبات والبكتيريا والفيروسات وتقدم علم الأحياء، بل لا يزال حاضرا إلى حد الآن بقوة، وتضاعف مع ظهور أوبئة جديدة وحديث العلماء عن “الإرهاب البيولوجي” وعلاقة انتشار فيروسات مثل الإيبولا وكورونا وانفلونزا الخنازير والسارس بمصالح تجارية رأسمالية.

وفيما لا يزال العالم يواجه فيروس الإيبولا، خصوصا في أفريقيا، ظهر فيروس جديد في أميركا اللاتينية بالأساس، هو فيروس زيكا الذي يسبب تشوهات عصبية، والذي يؤدي إلى رُهاب بالغ في عوالم البكتيريا والميكروبات. كما يحذّر العلماء من الفيروسات المطوّرة وراثيّا وما تمثله من تحدّ لمستقبل البشرية، فهي لا تقل خطورة عما يواجهه العالم اليوم من حروب وأزمات وكوارث طبيعية.

وقد دفعت بعض الحروب، والكوارث الطبيعية، في السنوات الأخيرة إلى ظهور أوبئة اعتقد العلماء أنه تم القضاء عليها مثل الكوليرا، التي تسببت في مقتل 8500 إنسان في ظرف وجيز على إثر زلزال هايتي في يناير 2010؛ كما ظهرت الكوليرا في العراق بشكل خطير جدا وقاتل.

وبعد أن اعتقد الأطباء أنهم سيطروا على وباء السلّ وحاصروا رقعة انتشاره والتقليص من عدد ضحاياه، عاد هذا الوباء القاتل إلى السطح مجددا، إلى درجة جعل منظمة الصحة العالمية تعلن حالة الطوارئ خاصة وقد ظهرت سلالات متطورة أكثر خطرا. وعلى الرغم من أن العقار الشافي من هذا المرض اكتُشف منذ أكثر من خمسين عاما، إلا أن ذلك لم يحدّ من نسبة ضحاياه الذين بلغ عددهم 1.5 مليون شخص في عام 2013، فيما لا يزال يحمل جرثومته أكثر من 9 ملايين نسمة إلى حد الآن. ويدفع النسق السريع لتطور الأوبئة والفيروس العلماء إلى تكثيف أبحاثهم وتطويرها بما يتناسب والتطورات البيئية والأسباب التي تساهم في ظهور بعض الفيروسات وتطور أخرى قديمة بشكل خطير جدا. وبالفعل، بدأ علم الأحياء المجهري الجديد في قلب المعادلة بالتدريج.

ويتركز هذا العلم على الإمكانات الهائلة التي تحبل بها البكتيريا إذا ساعدت الابتكارات العلمية على كشف أسرارها، وبالتالي استخدامها في معالجة الكثير من الأمراض المستعصية كالسرطان والسكري والسمنة وأمراض القلب وأمراض الجهاز الهضمي، ناهيك عن تأثيرها البالغ في الحالات النفسية كالقلق والتوتر والاكتئاب، فضلا عن استخدام الميكروبات اليوم في حماية النباتات، وتنقية المياه وفي إنتاج الأوكسجين، مما يوضح دورا إيجابيا لم يعره الإنسان اهتماما من ذي قبل.

وفي الواقع فإن البكتيريا موجودة في كل مكان، حول مقابض الأبواب وفوق لوحات الحواسيب وعلى مقاعد الباصات وفي الأيدي أيضا، بحيث لا مفر منها، لكن ذلك لا يوازي شيئا أمام أعداد تلك الموجودة في داخلنا، فأجسامنا مليئة بها.

ولا أدل على تلك الأهمية الخطيرة المزدوجة، من كونها تسعى إلى تشكيل جهاز المناعة منذ الصغر من ناحية، وتصمد في وجه المضادات الحيوية أحيانا أخرى، بالإضافة إلى أن أغلب الدواء يأتي مباشرة من هذه الكائنات الحية الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة.

وفي الوقت الذي يتزايد فيه الاهتمام بتقديم شروح علمية حول هوية الإنسان عبر المُوَرِّثات أو عبر العوامل الجينية، فإن الإقرار بأن 99 بالمئة من جينات أجسادنا ليست في ملكيتنا، يعيد السؤال جذريا حول مفهوم الهوية. فالبكتيريا هي في الواقع من تحدد هويتنا البيولوجية بقسط كبير.

ولفهم طبيعة هذه الأهمية البيولوجية المضافة إلى البيئة الثقافية، يمكن القول إننا نحمل في المعدل بين كيلوغرام وكيلوغرامين من البكتيريا يتواجد معظمها في القولون، وهو ما يجعل منه أحد النظم الإيكولوجية الأكثر كثافة إلى حد الآن.

وتسعى الميكربيولوجيا الجديدة أو علم الأحياء المجهري إلى تغيير الصورة النمطية السلبية حول هذه الكائنات الحية، فالعديد من الاكتشافات العلمية الجديدة تؤكد أن الكثير منها أصبح أكبر صديق لصحة الإنسان، وهي على كل حال لا تكاد تفارق جسم الإنسان.

باحث في جامعة السوربون

6