الميلشيات الإعلامية في مصر

الاثنين 2014/08/25

الخطوات الأمنية التي خطتها الحكومة المصرية نجحت في القضاء على جزء معتبر من الميلشيات المسلحة، التابعة للإخوان المسلمين وحلفائها من الجماعات التكفيرية بصفة عامة، وما تبقى منها لم يعد مؤثرا بصورة كبيرة، ومن المؤكد أن التوجهات والتصرفات المحكمة، حاليا، سوف تجهز عليها نهائيا وقريبا، كما تمكنت التصورات السياسية من تفكيك الكثير من البنى الحزبية التي تعمل ضد الدولة ومصالحها الأساسية، وأصبح هناك نظام يملك رؤية سياسية ناضجة، وجاءت المشروعات الاقتصادية الأخيرة، محور تنمية قناة السويس، وتطوير الساحل الشمالي، وتنشيط السياحة، لتعزز ملامح التغيير الحاصل في مصر الجديدة.

الغالبية العظمى من الناس في مصر لديهم شعور بالتفاؤل، على الرغم من عدم حل كثير من الأزمات المستعصية، لكن الصورة التي يبدو عليها التفاؤل منقوصة حتى الآن، فمع أن مقاربات التفوق التي ظهرت في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية جيدة، إلا أن مقاربة رئيسية في المجال الإعلامي لا تزال غامضة، ولم يتم الاقتراب من تنظيمها وتقنينها، بالطريقة التي تتواءم مع المتغيرات المتعددة في مجالات مختلفة، ودخلت مرحلة من الانفلات بشكل أضحى من الصعوبة السيطرة عليها في الوقت الراهن، حيث تداخلت الحسابات الشخصية مع الحزبية، وطغت المصالح الاقتصادية على الوطنية، وتحول الإعلام في مصر لما يشبه “البازار” السياسي.

الواقع أن ما حدث مؤخرا على الهواء مباشرة بين الإعلامي عبد الرحيم علي صاحب برنامج “الصندوق الأسود” على الفضائية المصرية “القاهرة والناس”، ورجل الأعمال نجيب ساويرس، كشف عن الكثير من العورات والعقد في هذا المجال، فقد دخل الطرفان مرحلة حرجة من التراشق، تسلح فيها كل طرف بجميع أنواع الأسلحة المشروعة وغير المشروعة، وخرج الخلاف من النطاق السياسي إلى الشخصي، واختلط الحابل بالنابل، ووقفت خلف كل جانب مجموعة من الإعلاميين والمؤيدين، بعضهم يساند “عبدالرحيم” في اتهامه “ساويرس” أنه تعاون مع الإخوان، خلال فترة حكمهم لمصر، وقدم مساعدات مادية لهم، وجه جزءا منها لشراء أسلحة لمتطرفين، وبعضهم أيد “ساويرس” في اتهامه “علـي” أنه يعمل “مخبرا” ويتعاون مع أجهزة الأمن منذ فترة طويلة، في إشارة إلى أن الرجل (علي) ينفذ تعليمات أمنية ضد “ساويرس”.

لن أخوض وأزيد في تفاصيل هذه المعركة، التي توقف عندها كثيرون، بالعقل حينا، والمزايدات في معظم الأحيان، لكن ما يهم القارئ العربي في هذا السياق، أن الإعلام في مصر، لا يقل خطورة عن الجماعات المتشددة، لأن كليهما لديه ميلشيات يحارب بها، وإذا كانت أجهزة الأمن قد نجحت في القضاء على القوة الضاربة للثانية، فإن الأول (الإعلام) يملك من الميلشيات فرقا ومجموعات متباينة، تقاتل لحساب رجال أعمال وسياسيين وإعلاميين أيضا، وكلهم يملكون شبكة مصالح معقدة، قد نعرف خيوط أولها، لكن النهايات غالبا تكون مجهولة.

التهور والتدهور والانفلات الحاصل في عدد كبير من وسائل الإعلام في مصر، له جذور عميقة، منها ما يعود إلى الدولة والإشارات الخاطئة التي تأتي من الحكومة والمسؤولين فيها، حيث جرى تقريب بعض الوجوه التي كانت من أهم أسلحة نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، ولعبت دورا مهما في تكسير عظم معارضيه، الأمر الذي جعل هؤلاء يتصورون أنهم من المحظيين سياسيا، فبالغوا في الهجوم على كل من يختلف مع النظام الحاكم حاليا، وكرروا الإسطوانة ذاتها (الخيانة والعمالة والمؤامرة) التي استخدموها إبان عصر مبارك، وهو ما أصاب النظام بضربات عشوائية لم يكن راغبا فيها.

ازداد الموقف سوءا عندما أخفقت الدولة، حتى الآن، في تنظيم الإعلام بموجب هيئة خاصة به، وألغت وزارة الإعلام ولم تتمكن من تطبيق البديل، وتركت ساحة الإعلام كل واحد يمارس فيها عمله بالطريقة التي يراها مناسبة له ولمن يعمل معهم، بلا رقيب أو حسيب، وكانت الحصيلة مشهدا مؤذيا من التراشقات والاشتباكات، انعكست، بالطبع، سلبا على المهنة وأهميتها في تنوير الناس، الذين شغلتهم المعارك السياسية المفتعلة عن المعارك الحقيقية التي تمس وجدانهم ومصالحهم.

من يلم بالتفاصيل الدقيقة للأداء الإعلامي في مصر، لن يكتفي باكتشاف الأبعاد السياسية وتداخلها مع الأبعاد الاقتصادية فقط، حيث سيتأكد أن وراء ستار الاستثمار السخي في الفضاء الإعلامي أجندات كثيرة، اتسعت المفردات والكلمات واللغات التي تنطوي عليها، عقب تصاعد الدور الذي لعبه إعلاميون في جميع الأحداث السياسية التي مرت بها مصر في الأعوام الخمس الأخيرة، أي أن موكب الصعود سبق بقليل ثورة 25 يناير 2011، وربما مهد لها الأرض التي مشت عليها.

الأخطر أن هناك ميلشيات أو “لوبيات” تسيطر على عدد من وسائل الإعلام، معها صحفيون وكتّاب يعزفون على وتر واحد في أحيان كثيرة، ويتجلى العزف عندما يكون الهدف أو الصيد ثمينا، وله تقاطعات سياسية مع السلطة، فيقوم هذا الفريق بالإجهاز عليه (الصيد) أملا في مزيد من الاقتراب من السلطة، أو طمعا في دخول دائرتها بأية صورة من الصور التقليدية، كما أن هذه الميلشيات أصبح لها متعهد أو أكثر، يضرب ركلة البداية، بعدها يتم تشتيت الكرة (الهدف) في اتجاهات مختلفة، وفي قصة رجل الأعمال نجيب ساويرس آيات واضحة، حيث تم التفتيش في دفاتره القديمة، حتى أن الطلقات التي صُوّبت عليه أصابت أصدقاء آخرين.

البعض يعتقد أن الارتباك وربما الفوضى من سمات المراحل الانتقالية، لكن ما يحدث فى مصر زاد عن حده، وما لم تُقْدم الحكومة المصرية سريعا على خطوة تنظيم الإعلام، قد تجد نفسها في وضع لا تستطيع معه فرض هيبتها عليه لاحقا.


كاتب مصري

8