الميليشيات الجهادية في ليبيا على خطى إرهاب داعش فكرا وتنظيما

السبت 2014/10/18
مسيرة تجوب شوارع طرابلس تنديدا باغتيال الصحفي مفتاح بوزيد على أيدي متشددين

القاهرة - أكدت دراسة حديثة للباحث هاني نسيرة، صادرة عن معهد العربية للدراسات، أن ما يحدث في ليبيا من انتهاكات وجرائم قتل وتهجير وحرق تقوم بها جماعات جهادية لا تختلف كثيرا عما يقوم به “داعش” في العراق وسوريا، كما أن ممارسات هذه الجماعات تتطابق مع مفهوم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي تستدعي الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية المنوط بعهدتها الحكم في هذا النوع من القضايا وفق قرار مجلس الأمن الصادر سنة 1970.

بعيدا عن هوس بعض الأيديولوجيين العرب بأن “داعش” صنيعة أميركية، وبغض النظر عن البروباغندا “الأسدية-الإيرانية” بأنّ التنظيم صنيعة من دعموا الثورة السورية ضدهما، يظل “داعش” منتوجا فكريا له سياقاته ومرجعياته التي تكيف معها، وكونه “فكرا” يؤكده تكرار ظاهرته وتجربته في سياقات مشابهة في الدول الضعيفة ذات الأنظمة الهشة في المنطقة، لتظهر “دواعش” أخرى، تبايعه أو ترتبط به أو تتماهى معه في هذه البلدان.

وفي هذا السياق، أوضحت دراسة هاني نسيرة، أنّ أبرز هذه الفقاقيع وأقربها إلى التصور السابق؛ ما نراه من جماعات الحرب الجهادية اليوم في ليبيا. هذه الجماعات وصلت انتهاكاتها، قتلا وتهجيرا وحرقا واغتيالا، بالإضافة إلى اعتماد التمييز الجهوي والمناطقي والفكري ضد من يخالفها، حدّ جرائم الحرب، مما يستوجب محاربتها في معاقلها على الشاكلة التي يحارب بها التحالف الدولي “داعش” في العراق وسوريا.

وفي ما يتعلق بهذه النقطة وجب التذكير، حسب الباحث، بما دعا له وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في السادس من أكتوبر الحالي، عندما أكد على ضرورة بذل جهود ترمي إلى تجفيف منابع “داعش” والمجموعات الإرهابيّة الناشطة في ليبيا. كما وجب التذكير أيضا بتصريح شبيه للسفيرة الأميركية في ليبيا ديبورا جونز، عبّرت فيه عن ذعرها من العمليات الانتحارية الوحشية التي تشهدها مدينة بنغازي ومن التقارير التي تتحدث عن الاستعراضات التي يقوم بها “داعش” في مدينة درنة.

انتهاكات الجهاديين في ليبيا التي تنوعت بين القتل والتهجير والحرق والاغتيال بلغت حد تصنيفها كجرائم الحرب


أي موقف لهم من العملية السياسية؟


تفيد الدراسة، بأنّ انتهاكات الفاعلين المسلحين وميليشيات التحالف الإخواني الجهادي في ليبيا، بدأت منذ 15 فبراير 2011. واشتدت طوال العام الحالي 2014، خاصة بعد انتهاء ولاية المؤتمر الوطني العام السابق في فبراير 2014 وانتخاب برلمان جديد لم يجد فيه الإسلاميون بمختلف تلويناتهم تمثيلية تذكر بعد أن خسروا ثقة الشعب الذي انكشفت له ألاعيبهم فقرر معاقبتهم بالاقتراع على الطريقة الديمقراطية التي لا يؤمنون بها في مجملهم.

يوم الحادي عشر من أكتوبر الحالي، توعد صلاح بادي، القائد الأبرز لميليشيات فجر ليبيا والمنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، في شريط مصور له، كلّ من يتحاور مع البرلمان المنتخب في طبرق بالقتل والاستهداف، ناعتا أعضاء مجلس النواب المنتخب بـ”المجرمين”، رافضا لأيّ وساطة للحوار أو طرح إمكانيته.

وأضاف صلاح بادي قائلا: “إنّ الوقت الراهن ليس وقت حوار، وأن من يريد أن يرفع الحبل من على رقبة مجلس النواب سوف يلفّ برقبته”. كما أوضح أنّ من يشاركون في جلسات الحوار يتاجرون بدماء الشهداء، مؤكّدا أنّه لا يخشى تهديدات المحكمة الجنائية الدولية.


ما الذي يحدث في الداخل الليبي؟


على المستوى الداخلي لا يتسبب الحضور والسيطرة القوية للجماعات الجهادية، فقط في منع الانتخاب أو الممارسة السياسية في منطقة درنة لمدة أربع سنوات منذ سقوط القذافي، بل في ارتفاعات غير مسبوقة للقتل والاغتيال السياسي، فحتى 9 سبتمبر الماضي وصلت معدلات الاغتيالات في بنغازي ودرنة، فقط، إلى 250 عملية اغتيال، وبين يومي 18 و20 سبتمبر 2014 وقع ما لا يقل عن 14 من القتلى، وكان من بين القتلى اثنان من النشطاء السياسيين الشباب، وبعض أفراد القوات الأمنية، وإمام مسجد تتسم آراؤه بالجرأة، وخمسة مدنيين آخرين.

ومن جهتهم، قال مسؤولون من مجلس تاورغاء المتمركز بطرابلس، يوم 29 أغسطس المنصرم، إن أغلبية العائلات الألف المقيمة في 3 مخيمات مؤقتة في طرابلس، مخصصة للنازحين من تاورغاء، قد غادرت المخيمات في غمار الظروف المتدهورة والخوف من الهجمات الانتقامية. كما ذكر تقرير للأمم المتحدة صدر بتاريخ 4 سبتمبر 2014، أنّ 100 ألف شخص قد نزحوا بفعل أحداث العنف الأخيرة التي تشهدها ليبيا، وغادر 150 ألفاً آخرين البلاد، من بينهم مهاجرون.

يذكر أنّ مدينة مصراته كانت قد شهدت هي الأخرى أعمالا تشبه ما يحصل اليوم، في أبريل سنة 2012. حيث عمدت الميليشيات الجهادية إلى القيام بعمليات قتل وتعذيب ونهب وتدمير للمنازل وتهجير قسري طال نحو 30000 شخص، إلى حدّ أنّ بعض المسؤولين من مصراتة قالوا علناً (حينها) بأنه لا ينبغي لسكان تاورغاء العودة؛ بسبب الجرائم التي ارتكبوها ضد سكان مصراتة.

ممارسات ميليشيات الجهاديين في ليبيا تسير على نسق تقنيات "داعش" مما ينبئ بوصول هذا التنظيم فكرا وتنظيما للبلاد


من هم أبرز المستهدفين؟


في الـ23 من أغسطس الماضي، تمّ التعدي بالاقتحام والحرق على مقر “قناة العاصمة” في العاصمة الليبية طرابلس، وهي إحدى القنوات التي أيدت الثورة الليبية ضدّ القذافي، وعرفت بمواقفها الوطنية والموضوعية، كما اقتحمت ميليشيات تنظيم “فجر ليبيا” في الـ 27 من نفس الشهر، مقر تحالف القوى الوطنية الفائز بالانتخابات في طرابلس، وذلك وفق ما أوردته فضائية “العربية”، وكان البرلمان الليبي قد اعتبر تنظيم “فجر ليبيا” تنظيماً إرهابياً لما يرتكبه من أعمال إرهاب وعنف وتخريب في مدينتي طرابلس وبنغازي.

وفي الـ25 من أغسطس الماضي كذلك، تعدت ميليشيات مصراتة مدعومة بعناصر محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين على منزل الناطق باسم هيئة صياغة الدستور ومراسل قناة العربية الفضائية محمود الفرجاني في طرابلس، وقامت بنهبه و سلب محتوياته وإضرام النيران فيه، ومن محاسن الصدف أنّ المراسل المستهدف لم يكن موجودا بمقر إقامته، حسبما أعلن فيما بعد.

كما تمّ منذ أغسطس الماضي اختطاف صحافيّين تونسيين، هما سفيان الشورابي ونذير القطاري، تجاوزت مدّة اختطافهم الأربعين يوما دون أيّ أخبار واردة عن حالتهما أو الجهة التي تحتجزهما. ولم تقف جرائم الحرب لميليشيات الإسلاميين في ليبيا عند حدود قتل السفراء أو الصحافيين وخطفهم أو اغتيال المعارضين، بل تجاوزتهم نحو الإصرار على التنكيل والتعذيب والتهجير بحقّ جماعات جهوية أو فكرية بعينها.


هل وصل "داعش" إلى ليبيا؟


يحتمل الباحث هاني نسيرة في دراسته أنّ ثمة صراعا جهاديا تتسع مساحاته في مدينة درنة، التي تمّ إعلانها “إمارة إسلامية” تتبع القاعدة، في أبريل سنة 2014، على لسان رجل القاعدة فيها عبدالباسط عزوز حينها. حيث دعت مجموعات أخرى من الجهاديين أهل درنة في السادس من أكتوبر الجاري إلى التجمع في مسجد الصحابة، أكبر مساجد المدينة، لحضور ندوة بعنوان “خلافة على منهاج النبوّة” (وهو شعار داعشي بامتياز)، وطالب أفراد هذه الجماعات المتحكمة في المدينة أهل درنة بـ”التوبة” عما أسموه “المبادئ الكفرية”.

المجتمع الدولي مطالب بـ
*وضع أمراء الحرب على قائمات الإرهاب ومحاكمتهم

*تقديم الدعم الكامل للبرلمان الجديد والحكومة المنبثقة عنه

*التعامل بحزم مع الملاذات الآمنة للجهاديين في شرق ليبيا

وقد صاحب هذه الدعوة لإعلان المبايعة لـ”داعش” موكب من السيارات رباعية الدفع وقد وُشّحت بالرايات السود التي يطلق عليها “أعلام الخلافة”، وكتبت على جوانبها عبارة “الشرطة الإسلامية”، وهي محمّلة برجال الجماعات المسلحة، في خطوة عدّها سكان المدينة نوعا من التهديد واستعراض القوة.

وفي هذا السياق، يبدو أنّ ممارسات ميليشيات الجهاديين في ليبيا تسير على نسق تقنيات “داعش”، خاصة في ما يتعلق باستعراض القوة وتنفيذ العمليات الانتحارية والقتل والاغتيال والتهجير الداخلي والخارجي بعد حرق المنازل وتدميرها، وهو ما يُنبئ بوصول “داعش” إلى ليبيا فكرا وتنظيما وتغلغله في البلاد، حسب مراقبين.


ما هو المطلوب من المجتمع الدولي؟


الجرائم المتواصلة التي تقوم بها الميليشيات الجهادية في ليبيا، والتي بدأت تُنبئ بمجازر “داعشية” جديدة في شمال أفريقيا، أضحت اليوم أكثر وحشية، ما يستوجب وقفة دولية حازمة إزاءها من أجل محاسبة القائمين بها وإنهاء هذا النزيف الذي أضحى يهدد أمن المنطقة عموما.

وفي هذا السياق، يخلص الباحث هاني نسيرة في دراسته الصادرة سالفة الذكر إلى أنّ المجتمع الدولي مُطالب بأن يقيس الخطر الإرهابي في هذه المنطقة بنفس المعيار الذي اعتمده لقيس خطر “داعش” في سوريا والعراق، وبالتالي التعامل معه بنفس الحيطة والأساليب الزجرية. ومن هنا تأتي ضرورة قيام المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة “أمراء الحرب” الخارجين على الشرعية السياسية والمعادين للحوار في ليبيا، من قادة هذه الميليشيات، الذين يتصرفون على أنهم قادة عسكريون فعليون على خلفية الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها قواتهم التي تأتمر بأوامرهم ووضع أسمائهم على قائمات المطلوبين الدوليين.

من ثمّة وجب على المجتمع الدولي أن يقدّم الدعم الكامل للبرلمان الليبي المنتخب في طبرق وحكومة عبدالله الثني، وعدم الرهان كثيرا على الحوار مع جماعات لا تؤمن بالحوار وتكفّر من يؤمن بالديمقراطية، ويرفض أكبر ممثليها من جماعة الإخوان المسلمين نتائج الصناديق طالما لم تكن في صالحهم.

في سياق متّصل، على القوى الدولية أن تأخذ بزمام المبادرة وأن تتّخذ موقفا حاسما وحازما تجاه الملاذات الآمنة للقاعدة و”داعش” في مدن مثل بنغازي ودرنة وبعض المناطق في طرابلس، حتى لا يتكرر خطأ الارتباك وتأخر المواجهة مع “داعش” في مناطق أخرى، فيقوى ويكون أكثر صعوبة من ذي قبل.

6