الميليشيات الشيعية تدفع العراق إلى حافة الفوضى الشاملة

تعقيدات الوضع الأمني وتعثر الحرب على تنظيم داعش وانفلات الميليشيات وضعف الحكومة وارتهانها لسلطة المرجعية الشيعية عوامل تبرر المخاوف والتحذيرات من انحدار العراق نحو جحيم الفوضى.
الاثنين 2015/05/11
التمسك بسند الطائفة ضروري لأنقاذ منصب رئيس الوزراء

بغداد ـ حذّرت أوساط سياسية عراقية من وجود علامات جدّية على انزلاق العراق نحو الفوضى الشاملة، مستندة إلى ما بلغته الميليشيات الشيعية من تغوّل بات يهدّد استقرار حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، وتماسك البيت السياسي الشيعي، الحاكم عمليا في البلاد معتبرة تعقّد الأوضاع الأمنية وانتكاس الجهد الحربي ضدّ داعش مقدّمة لتلك الفوضى.

ورغم نفي حكومة العبادي أمس ما تناقلته وسائل إعلام محلية بشأن وضع رئيس الوزراء استقالته تحت تصرّف المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، إلاّ أنّ الوقائع والتصريحات تواترت خلال الأيام الماضية مؤكّدة وقوع حكومة بغداد تحت ضغط كبير من قبل شخصيات شيعية نافذة وقادة ميليشيات، ما أحدث شروخا عقيمة داخل البيت السياسي الشيعي، وتحديدا بين شقّ يعرف بولائه الشديد لإيران، ويظهر بشكل متزايد عدم رضاه على العبادي، وشق مقابل يمثّل أقلية مساندة لرئيس الوزراء في محاولته استمالة المكوّن السني بالاستجابة لبعض مطالبه خصوصا بشأن لجم الميليشيات وتحجيم دورها في الحرب على داعش في المناطق السنية وخصوصا في محافظة الأنبار.

ويتحدّث عراقيون عن تناحر داخل المكونات السياسية الشيعية بما في ذلك حزب الدعوة الذي ينتمي إليه العبادي، وهو تناحر أخرجه إلى العلن التراشق بالتهم والهجمات الشرسة والانتقادات اللاّذعة من قبل شخصيات شيعية لخيارات الحكومة، ليس فقط السياسية، ولكن أيضا العسكرية بما في ذلك تعيين قادة القوات المسلّحة، حيث لم يتردّد البعض في الدعوة إلى استبعاد الضباط السنّة من المناصب الحساسة.

علاوي ينصح بإطلاق سلطان هاشم
بغداد - كشف إياد علاوي نائب الرئيس العراقي أمس عن طلبه من رئيس الحكومة حيدر العبادي إطلاق سراح مسؤولين سابقين في نظام صدام حسين، لما يمثلونه من وزن اجتماعي وعسكري يمكن استخدامه لتعبئة المجتمع ضد تنظيم داعش لاسيما في المحافظات السنية.

ومن ضمن من نصح علاوي بإطلاق سراحهم سلطان هاشم الذي شغل منصب وزير الدفاع في نظام صدام حسين معتبرا الخطوة “بادرة حسن نية من الحكومة في طريق ملف المصالحة المتعثر وتحشيد القوى لقتال تنظيم داعش”، علما أن سلطان هاشم ساهم في جميع الحروب التي خاضها العراق منذ ثمانينات القرن الماضي، وهو محكوم بالإعدام الذي لم ينفذ بسبب رفض رئيس الجمهورية السابق جلال الطالباني والحالي فؤاد معصوم التصديق عليه.

ويذهب ساسة عراقيون حدّ التحذير من تمرّد الميليشيات في إشارة إلى الأحداث الأمنية المرتبطة بتلك التشكيلات الطائفية، وآخرها أحداث سجن الخالص بمحافظة ديالى التي أسفرت عن فرار ومقتل عشرات السجناء وعناصر الشرطة، حيث ذكرت مصادر أمنية أنّ ميليشيا عصائب أهل الحق بالتنسيق مع ميليشيا بدر وراء العملية بهدف تهريب القيادي بالعصائب جاسم الحسيني المحبوس هناك، مؤكدة أن الحسيني تمكّن فعلا من العبور إلى إيران.

ويظلّ أخطر مظاهر تمرّد الميليشيات إعلان قادتها ومن أبرزهم هادي العامري قائد ميليشيا بدر عن إقحام الحشد الشعبي في معركة الأنبار عنوة ودون حاجة لإذن من الحكومة، وضدّ رغبة سكان المحافظة.

وجاء اقتحام الميليشيات ناحية النخيب بمحافظة الأنبار بمثابة تجسيد عملي لذلك التمرّد. واكتسى الحدث بعدا سياسيا خطرا حين حاول رئيس الوزراء حيدر العبادي دون جدوى إقناع قادة الميليشيات بالانسحاب من المنطقة الواقعة على الطريق نحو الحجّ ما أثار شكوكا في أنّ السيطرة على النخيب تضمّنت رسالة إيرانية مبطنة للسعودية ردّا على ما يجري في اليمن.

وحسب موقع “العباسية نيوز” نقلا عن مصادر نيابية “فإن العبادي الذي فشل في إقناع قادة الحشد الشيعي بسحب وحداتهم من النخيب التي تشكل مفتاح طريق الحج البري العراقي باتجاه عرعر والمملكة العربية السعودية، لم يجد أمامه غير الاستنجاد بعلي السيستاني الذي استقبل موفدا من رئيس الحكومة يعتقد أنه النائب علي العلاق الذي حمل استقالة العبادي ووضعها بتصرف المرجع الشيعي للبت فيها”.

ستيوارت جونز: انتشار الميليشيات الشيعية في العراق تحرك إيراني تحت يافطة عراقية

كما نقل عن ذات المصادر قولها إن رفض السيستاني استقالة العبادي مأتاه الخوف من تداعيات فراغ سياسي وأمني قد يحدث ولا يمكن ضبطه، وهو الأمر الذي يلتقي مع تحذيرات شخصيات سياسية من فوضى شاملة في العراق. ويظهر الاحتكام لعلي السيستاني في حلّ الخلافات السياسية وتدخّله في تحديد مصير الحكومة الدور المتعاظم للمرجعية الشيعية ما يؤكّد تحول العراق إلى دولة دينية على الشاكلة الإيرانية.

ويبدو رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إزاء مهمّة بالغة التعقيد ترقى إلى مرتبة المعضلة. إذ يتعينّ عليه العمل في ظل أوضاع أمنية ضاغطة على استرضاء أطراف متنافرة ومتضاربة المصالح، بدءا بإيران الحريصة على الحفاظ على نفوذها في العراق من خلال شخصيات شيعية نافذة تفوق سلطتها سلطة جميع مسؤولي الدولة.

وتلاحق العبادي من جهة مقابلة وعوده بتحقيق المصالحة الوطنية وتحديدا مع المكوّن السني الذي عانى ظلم سابقه نوري المالكي. ومن دون مصالحة وطنية تجمع كافة مكونات الشعب العراقي وراء الحرب الدائرة ضد داعش، يبدو الانتصار في تلك الحرب مهمّة مستحيلة، فضلا عن أنّ العبادي يتعرّض لضغط أميركي لتحجيم الدور الإيراني كشرط لمواصلة انخراط الولايات المتحدة في دعم الجهد الحربي ضد التنظيم المتشدّد. وعبّرت واشنطن عن امتعاضها من تغوّل الميليشيات الشيعية في العراق، وذلك على لسان السفير الأميركي في بغداد ستيوارت جونز الذي نقل عنه قوله واصفا كثافة انتشار تلك الميليشيات على الأراضي العراقية بـ“أنه انتشار إيراني تحت يافطة عراقية”.

3