الميليشيات الشيعية ترسم خطا أحمر أمام فتح ملف فساد القضاء العراقي

مطالبة المحتجين بفتح ملف الفساد في القضاء العراقي، يعني فتح كمّ هائل من الملفات والقضايا الخطرة تشمل رؤوسا كبيرة في نظام الأحزاب الدينية وبالنتيجة خلخلة أساس من أهم أسس ذلك النظام، وهو الأمر الذي لا يسمح به قادة الميليشيات ومن خلفهم إيران.
الأربعاء 2015/09/02
لافتات المحتجين تلخص منظور الشعب العراقي إلى رموز المؤسسة القضائية

بغداد - عبّر أمس أكبر قيادييْن في الحشد الشعبي المؤلّف من ميليشيات شيعية عن دعمهما لرئيس مجلس القضاء العراقي الذي باتت الإطاحة به في نطاق محاربة الفساد مطلبا جماهيريا تنادي به الشعارات المرفوعة في المظاهرات.

وجاء اللقاء الذي جمع بين هادي العامري أمين عام ميليشيا بدر وقائد الحشد الشعبي ونائبه أبو مهدي المهندس، مع مدحت المحمود رئيس مجلس القضاء العراقي، بمثابة التدخّل العملي الأوضح من نوعه إلى حدّ الآن من قبل الميليشيات لحماية بعض الشخصيات العراقية من المحاسبة، ولرسم خطوط حمراء أمام عملية الإصلاح التي انطلق فيها رئيس الوزراء حيدر العبادي بحزمة من القرارات وُصف بعضها بالجريء، حيث مسّ عددا من الشخصيات النافذة على غرار قرار إلغاء منصبي نائبي رئيس الجمهورية اللذين كان يشغل أحدهما رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

وأكّد العامري والمهندس خلال لقائهما المحمود “عدم السماح لأيّ جهة بالتدخل في استقلال القضاء”، مستنكرين “ما يثيره البعض ضده”، في إشارة إلى المطالبات الكثيرة بفتح ملف الفساد في القضاء ومحاسبة كبار رموزه، وهي مطالبات صدرت عن المحتجين خلال المظاهرات المتواصلة في عدّة مدن عراقية، كما صدرت عن العديد من الشخصيات السياسية وقادة الرأي في البلاد.

وتسود قناعة لدى الرأي العام العراقي بأنّ القضاء مثّل منذ سنة 2003 أبرز بؤر الفساد في البلاد، وأنّه تجاوز عدم الاستقلال عن السلطة السياسية والتخاذل في حماية الحقوق وفض المنازعات بطرق قانونية، إلى حماية كبار الفاسدين والتستر عليهم.

ويقول عراقيون إنّ عدم الثقة في عدالة القضاء من أبرز أسباب رفع منسوب التوتر داخل المجتمع العراقي ودفع بعض الشرائح إلى التطرف.

وينطوي تعهّد قائدي ميليشيات بحماية القضاء، على مفارقة صادمة حيث لا يحمل الرجلان أيّ صفة قانونية تتيح لهما قطع ذلك التعهّد. كما أنّ تصريحهما يضع القضاء العراقي في مرتبة دنيا بدل أن يكون في رأس هرم السلطات.

القضاء العراقي ليس مرتهنا للسلطة السياسية فحسب، بل حتى لسلطة الميليشيات وقادتها

غير أنّ كلام العامري والمهندس يكشف حقيقة ارتهان القضاء العراقي، ليس للسلطة السياسية، بل حتى لسلطة الميليشيات. كما يكشف من جهة ثانية عن سطوة الميليشيات الشيعية العراقية المدعومة من إيران ومقدار ما تتمتع به من سلطة تفوق سلطة مختلف أجهزة الدولة وهيئاتها.

وفي تعقيبها على اللقاء قالت السلطة القضائية أمس في بيان إن “رئيس مجلس القضاء الأعلى مدحت المحمود استقبل قائدي الحشد الشعبي هادي العامري وأبو مهدي المهندس”، وأنّ “العامري والمهندس أبديا دعمهما الكامل للقضاء العراقي ورموزه وعدم السماح لأيّ جهة بالتدخل في استقلاله”، مبينة أنهما “استنكرا ما يثيره البعض ضد القضاء”.

وجاء التحرّك السريع من قبل قيادة الحشد الشعبي لحماية المحمود بمثابة ردّ سريع وحازم على مظاهرة جرت الاثنين أمام مبنى مجلس القضاء الأعلى في بغداد للمطالبة بإقالة رئيس المجلس مدحت المحمود وإجراء إصلاحات حقيقية في السلطة القضائية.

كما جاء معاكسا لتوجّه رئيس الوزراء حيدر العبادي بمحاسبة كل من تحوم حوله شبهة فساد غير مستثن القضاء ورجالاته، حيث دعا في الرابع عشر من أغسطس الماضي السلطة القضائية إلى القيام بـ”سلسلة إجراءات جذرية لتأكيد هيبة القضاء واستقلاله”، مشيرا إلى أنّ “الإصلاحات الواسعة التي دعا إليها تتطلب قضاء عادلا وحازما”.

ومنذ إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي عن حزمة إصلاحات، راجت على نطاق واسع بين الأوساط السياسية والإعلامية، أنباء عن توجّه شخصيات عراقية نافذة ومتورّطة في الفساد على أوسع نطاق نحو استخدام الميليشيات في منع شمولها بالمحاسبة.

وقالت مصادر متعدّدة إنّ إيران المساهمة عمليا في تأسيس أغلب الميليشيات الشيعية في العراق والداعم الأول لها بالمال والسلاح تدعم هذا التوجّه رغبة في حماية الشخصيات العراقية الموالية لها والحريصة على تأمين نفوذها، بل لحماية حكم الأحزاب الشيعية الذي بدأت الاحتجاجات تستهدفه وتحملّه مسؤولية سوء الأوضاع في البلاد، وتذهب حدّ المطالبة بإرساء نظام حكم مدني بديل عنه.

وترى شخصيات عراقية في إصلاح القضاء مفتاح عملية الإصلاح ككل وأساسها، حيث تستحيل المحاسبة في ظلّ وجود قضاء فاسد، دأب على حجب ملفات خطرة والتستر على قضايا تتصل بمختلف أجهزة الدولة ومؤسساتها. ومن أخطر تلك القضايا ما يتعلّق بانتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان، ومحاكمات على أسس سياسية وحتى طائفية.

ويُتوقّع أن يسمح إصلاح القضاء برفع الحماية عن شخصيات نافذة تعتبر من أعمدة النظام القائم في البلاد.

ويفسّر هذا في جانب منه “حزم” العامري والمهندس في وضع خطوط حمر أمام فتح ملف الفساد في القضاء والذي من شأنه أن يجرّ سلسلة طويلة من المحاسبة تطال أكثر الشخصيات نفوذا في البلاد بمن فيها قادة الميليشيات أنفسهم.

3