الميليشيات الشيعية تستهدف التقارب العراقي السعودي

رغم أن حديث السفير السعودي الجديد عن رفض المجتمع العراقي لميليشيات الحشد الشعبي لم يخرج عن كونه إشارة إلى حقائق ماثلة يقرّ بها الجميع داخل البلد وخارجه، لكنه مثّل ذريعة لاستئناف هجوم على الرجل سبق مجيئه إلى بغداد ويتجاوز شخصه ليطال أي تقارب بين العراق ومحيطه العربي.
الاثنين 2016/01/25
ما لا يغفره حراس النفوذ الإيراني

بغداد – استجابت الخارجية العراقية الأحد لضغوط الميليشيات الشيعية، معلنة في بيان استدعاء السفير السعودي الذي لم تمض سوى فترة وجيزة عن مباشرته مهامه في بغداد بسبب تصريحات أدلى بها بشأن الحشد الشعبي واعتبرت “تجاوزا غير مسموح به للأعراف الدبلوماسية”، بحسب ما ورد في ذات البيان.

وشنت أحزاب وميليشيات شيعية عراقية حملة ضارية على السفير السعودي ثامر السبهان الذي أنهى تعيينه مؤخرا قرابة ربع قرن من القطيعة الدبلوماسية بين البلدين، مطالبة بطرده من العراق على خلفية تصريح صحفي أدلى به لقناة فضائية محلية وأبدى خلاله ملاحظات على ميليشيات الحشد الشعبي.

ولم تغب عن خلفية مشهد تلك الحملة رغبة جهات سياسية عراقية في ضرب أي تقارب للعراق مع محيطه العربي، مخافة أن يتم ذلك على حساب النفوذ الإيراني الواسع في البلاد والذي تستفيد منه تلك الجهات، وتعمل من هذا المنطلق على حمايته باستخدام ما لها من سلطة ونفوذ.

وأظهرت حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي خلال الفترة الأخيرة ملامح انفتاح على الجوار العربي، وفي مقدّمته المملكة العربية السعودية، مدفوعة بالأزمة الخانقة التي تواجهها على مختلف الصعد، وخصوصا الأمنية والاقتصادية، والتي أصبحت تهدّد بشكل جدّي الجهد الحربي المرهق في مواجهة تنظيم داعش.

وفي المقابل كشف تعيين السعودية لسفير جديد لها في بغداد عن حرص الرياض على استعادة العراق إلى الصف العربي رغم الأجواء المشحونة التي تشيعها مواقف شخصيات شيعية عراقية مشاركة في الحكم، بهجومها المتواصل على المملكة.

وكان تعيين سفير سعودي في بغداد أمرا مرفوضا في الأصل من قبل تلك الشخصيات، ثم انصب الرفض لاحقا على شخصية السفير المعيّن بحدّ ذاته باعتباره من خلفية عسكرية وسبق له أن شغل منصب ملحق عسكري لبلاده في بيروت.

ولم تخف الميليشيات الشيعية اتهامها للسبهان منذ حلوله ببغداد بأنّ مهمّته في العراق تندرج ضمن جهود تسليح أبناء الطائفة السنية، وهو ما يرفضه قادة الميليشيات لحرصهم على احتكار السلاح بيد طائفة دون غيرها.

وبدت تصريحات السفير السعودي مناسبة للدفع بتلك الاتهامات إلى أقصى مدى، وبلوغها حدّ المطالبة بطرده.

وكان السفير السبهان اعتبر في حديث لقناة السومرية الفضائية العراقية رفض الأكراد وسكان محافظة الأنبار لدخول قوات الحشد الشعبي إلى مناطقهم مظهرا لـ”عدم مقبوليته من قبل المجتمع العراقي”.

تعيين سفير سعودي في بغداد كان مرفوضا أصلا من الميليشيات ثم انصب الرفض لاحقا على شخصية السفير

وبحسب مراقبين فإنّ السفير السعودي لم يفعل أكثر من توصيف حالة قائمة بالفعل ومعلومة من قبل الجميع تتمثل في الرفض المعلن من قبل سكان عدّة مناطق عراقية استقبال قوات الحشد الشعبي المشكّلة من ميليشيات شيعية في مناطقهم نظرا لسوء سلوك تلك الميليشيات في المناطق التي دخلتها من قبل، ومارست فيها جرائم واسعة النطاق تراوحت بين القتل على الهوية بدافع الانتقام الطائفي وتدمير الدور السكنية والمتاجر ودور العبادة والاستيلاء على الممتلكات ومنع النازحين من العودة إلى مناطقهم.

ومع انطلاق معركة استعادة محافظة الأنبار الواقعة في غرب البلاد، أصبح منع الحشد الشعبي من دخول المناطق السنية والمشاركة في الحرب على داعش هناك أمرا واقعا مفروضا من قبل الولايات المتحدة عبر الضغط على حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي.

ولم تشارك الميليشيات الشيعية في إحدى أهم المعارك؛ معركة الرمادي مركز محافظة الأنبار التي خاضتها القوات النظامية بغطاء جوي ومساعدة استخباراتية من التحالف الدولي، الأمر الذي أثار مخاوف قادة تلك التشكيلات الطائفية المسلّحة من انتفاء دورها، ما سيقود إلى تزايد المطالبة بحلّها خصوصا مع ما أصبحت تمثله من انتقاص من هيبة الدولة ومن كسر لقاعدة احتكارها للسلاح، فضلا عن توتيرها الأوضاع الأمنية وتصعيدها وتيرة العداء الطائفي بين مكونات المجتمع العراقي.

وفي ردّ فعلها على تصريح ثامر السبهان، طالبت الأحد كتلة بدر النيابية الممثلة على الميدان بميليشيات قوية تحمل نفس الاسم ويقودها النائب النافذ المدعوم بقوّة من إيران هادي العامري، الحكومة بطرد السفير السعودي من بغداد، واعتبرت تصريحاته الأخيرة “تدخلا سافرا” في الشأن العراقي، فيما أكدت أنها رفضت تسميته أصلا سفيرا.

ومن جانبه قال النائب عن التحالف الوطني خلف عبدالصمد، إن تصريحات السفير السعودي لدى العراق تجاه الحشد الشعبي، تنم عن عداء واضح، مضيفا في بيان أنّ “حديثه عن قوات الحشد بهذه الطريقة يعتبر إساءة كبيرة وتدخلا سافرا، كون الحشد جزءا من مؤسسات الدولة وتحت غطائها الرسمي ولا يجوز الحديث عنه بشكل سلبي”.

ويضم التحالف الوطني أحزابا شيعية مشاركة في الحكم بينها حزب الدعوة الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، ويقوده رئيس الحكومة السابق نوري المالكي المعروف بمواقفه العدائية المعلنة تجاه السعودية وبلدان الخليج، ويصفه عراقيون بأنه أحد “أشرس حراس النفوذ الإيراني في العراق”.

وعلى الطرف المقابل دافع اتحاد القوى العراقية، عن السفير السعودي لدى العراق ثامر السبهان، معتبرا تصريحاته الأخيرة الناقدة للحشد الشعبي إيجابية. وقال الاتحاد في بيان اصدره أمس “نستغرب في تحالف القوى العراقية من هذه الحملة السياسية المعدّة سلفا ضد السفير السعودي ثامر السبهان، رغم أن تصريحاته التي أدلى بها لإحدى القنوات الفضائية كانت طبيعية جدا، وتحمل نوايا طيبة للمملكة العربية السعودية تجاه جميع اخوانهم العراقيين بلا تمييز على أساس الطائفة والعرق”.

وأضاف البيان إنّ “الغريب أنه ومنذ أن أقرت المملكة العربية السعودية فتح سفارتها في العراق واستئناف علاقاتها، وهي تواجه تضييقا إعلاميا وسياسيا وتهديدات أمنية صريحة لهذا الانفتاح العربي تجاه العراق من قبل قوى سياسية وشخصيات معروفة الانتماء والتوجه”، معتبرا أن “القصد منها هو جعل الأمة العربية تدير ظهرها للعراق وتعزله ليكون منفذا وبوابة لتوجه وحيد لا غير”، في إشارة إلى إيران.

3